في الأكشاك هذا الأسبوع
عبد الواحد الراضي في حوار ضاحك مع وزير الداخلية إدريس البصري، الرجل القوي في عهد الملك الحسن الثاني

خبايا عبد الواحد الراضي… الرجل الذي دخل البرلمان عام 1965 ولم يغادره لحد الآن

بقلم: عبد الله حافيظي السباعي 

   عندما علمت بواسطة “الواتساب”، بمحاضرة الأستاذ عبد الواحد الراضي بمؤسسة الفقيه التطواني، عقدت العزم على حضورها، لأن القضية تهمني من قريب ومن بعيد، وعن طريق “الواتساب” الذي أصبح أسهل وسيلة للاتصال الكتابي والشفوي، أرسلت إليه المقال الأخير عن لقاء جنيف لاستئناف الحوار حول الصحراء، فأنا رغم إعجابي بشخص الراضي، فإنني دائما أضع عليه نقطة استفهام، فهو بالنسبة لي مثقف السلطة بامتياز، وهو الاشتراكي البورجوازي في آن واحد، والأستاذ الجامعي المتخصص في علم الاجتماع الذي لم أقرأ له أية محاضرة أو كتاب إلى حد الساعة، وهو ملك الغابة الذي يحتكر هو وأسرته غابات الأشجار في الغرب ولا يسمح لأي كان بمشاركته في الاستفادة في زرعها أو قطعها أو بيعها، هو ذلك الاتحادي الحازم الذي لم أر الابتسامة على محياه في أي يوم من الأيام، ولم يقل كلمة سوء أو اتخذ موقفا حازما ضد السلطة، فهو رجلها بامتياز وهو ابنها المدلل، بل هو ذلك الرجل الذي بقي ملتصقا بالسلطة حتى أصبحت أشك في موالاته ومعارضته.. هو ذلك الرجل الذي دخل أول برلمان مغربي ولا يزال قابعا به إلى حد كتابة هذه السطور.. وهو الذي حفظ السياسة والبرلمان والحزب ومنطقة الغرب برمتها.. إنه الشاب الذي بلغ من الكبر عتيا، وهو الشيخ الدائم الشباب، عرفته في بداية ثمانينيات القرن الماضي وهو أمينا عاما لاتحاد المغرب العربي، كنت أقول في نفسي، كيف استطاع هذا الرجل الاشتراكي حتى النخاع، البورجوازي، والغني غنى فاحشا، أن يجمع بين صداقة الحسن الثاني وبين أعداء الحسن الثاني؟ بل كنت أشك أنه مخبرا للسلطة، ففي الوقت الذي كان فيه الاتحاديون يجلدون ويعذبون وينكل بهم من طرف أوفقير والدليمي و”الكاب سيس” والبصري، كان الراضي ينعم بالمناصب السامية قريبا من الملك الحسن الثاني، هو والمالكي والحليمي، كانوا ولازالوا يشكلون بالنسبة لي، نقطة استفهام في المجال السياسي المغربي.. فهو البرلماني السرمدي، وهو رئيس البرلمان بأغلبية مخدومة، وهو وزير العدل الذي شهد محاكمات مثيرة للجدل ولم يحرك ساكنا، كما وقع للوزير الرميد الذي سكت عن كل شيء إلا عن إعادة محاكمة صديقه وخليله حامي الدين، فالقاسم المشترك بين الاشتراكيين والتجديديين، هو التزلف للسلطة.

عندما اعتقل عبد الرحيم بوعبيد وأصدقاؤه، لموقفهم من الاستفتاء في الصحراء وسجنوا في سجن ميسور، وكان صديقي المرحوم حمودي بوحنانة الرقيبي الإدريسي، قريب ورفيق درب خليهن ولد الرشيد، حدثني عن سجنهم، وقال لي أسرارا عنهم لا مجال لذكرها الآن، في تلك الفترة، لم ينبس الراضي ببنت شفة وترك الأمور للزمان، لأنه يعرف تمام المعرفة، متى يتكلم ومتى يسكت، لأن السكوت حكمة كما يقول المثل، وإذا كان الكلام من فضة فإن السكوت من ذهب.

مؤسسة الفقيه التطواني، لا أعرف عنها أي شيء، ولا أعرف تضحيات صاحبها لكي تمنح له هذه المؤسسة، التي أصبحت تعقد ندوات مثيرة للجدل بانتقاء مواضيعها وشخصياتها، والتسهيلات المادية والمعنوية الممنوحة لها، فمثلا مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد، صاحبها نور على علم، وصاحبها لا يجادل أي أحد في وطنيته ومواقفه المثيرة للجدل، فلماذا لم يختر الراضي مؤسسة صديقه بوعبيد للبوح بأسراره في السياسة؟

عندما التقيت بالأستاذ الراضي عند خضارنا المشترك بحي السويسي، سلمت عليه بحرارة وقلت له أنه يذكرني دائما بموقفه الحازم إبان ملتمس الرقابة بالبرلمان أواسط الثمانينات، ونعته لوزير الصحراء آنذاك، بأبشع النعوت، فقال لي: “إن خليهن تكلم نيابة عن البصري، ولهذا كنت مضطرا لنعته بتريكت فرنكو، الذي جاء ليعطينا دروسا في الوطنية”.
يوم الأربعاء 19 دجنبر 2018، وبالقاعة الفسيحة الأرجاء بالمكتبة الوطنية، والتي لم تكن مملوءة كما لم أكن أتوقع، لأن الرجل سياسي كبير يستحق حضور جمهور كثير، ترأس الجلسة أو أدار النقاش، ابن صديقي، الدكتور عبد الفتاح البلعمشي التندوفي الجكني، الذي سطع نجمه مؤخرا في التعليقات الصحفية على المنابر الإعلامية، شرع الراضي في سرد ممل لأحداث قضية الصحراء منذ الاستعمار إلى الاستقلال ثم المسيرة الخضراء، ولم يقل أي شيء يثير فضولنا ويبعد عنا النعاس، وعندما انتهى من سرده الممل الذي لا جديد فيه، فنحن جئنا لنسمع أسرار فترة مهمة من تاريخ بلدنا من فم رجل عايش هذه الأحداث من جانب المعارضة والموالاة في آن واحد، رجل لولا أعراض إغماء التاريخ المعاصر، لفعل، لكن بعد انتهاء هذا اللقاء، عرفت أن الرجل جاء جبرا لخاطر القيمين على هذه المؤسسة المثيرة للجدل.

لم يأت الراضي بجديد، لأن الجميع يعرف أن الشعب الجزائري مغلوب على أمره، وأن الجنرالات هم من يتحكمون في زمام الأمور إلى الآن، وأن فرحات عباس طلب من محمد الخامس عدم ضرب الجزائر في الظهر، وأن لا يطالب بالأراضي المغربية من الاستعمار الفرنسي، وأن يترك ذلك إلى ما بعد استقلال الجزائر، وهو يتعهد، أي فرحات عباس، بإرجاع كل الأراضي للمغرب بما في ذلك تندوف والقنادسة وحاسي بيضا، إلا أن بنبلا خان العهد وقال للمغاربة بأن الأراضي الجزائرية، حررت بدم الجزائريين، وأن أي شبر منها، شيبان جزائرية إلى الأبد، وأن الجزائريين سيدافعون عنه بدمائهم إلى الأبد، هجم جيش بنبلا على رجال القوات المساعدة بنواحي محاميد الغزلان وقتل منهم اثنين واندلعت حرب “الرمال” بين المغرب والجزائر، هذه الحرب التي لازلنا نؤدي تبعاتها، لأن الجزائريين يقولون أن المغرب ضرب الثورة الجزائرية في مهدها، فالجزائريون، وخاصة الجنرالات، مع الأسف الشديد، لا يذكرون إلا حرب “الرمال”، أما تضحيات المغرب من أجل نصرة ثورتهم ووضع وجدة برمتها رهن إشارتهم، فإن ذلك أصبح نسيا منسيا.

شهادة للتاريخ أعطاها الراضي لصالح “الشهيد القذافي”، الذي قال عنه أنه عندما نادى بالوحدة العربية، لم يستجب لندائه إلا الحسن الثاني، الذي كان عبقريا عندما قال للقذافي: “إنك حاولت قتلي عدة مرات وأنا حاولت تنظيم انقلاب عليك عدة مرات، والآن، آن الأوان لكي نتحد وننسى الماضي”، وفعلا أقاما الاتحاد الإفريقي الذي كان الراضي أمينه العام، والذي كان “ضربة معلم” تبرهن عن دهاء الحسن الثاني، حيث قال الراضي، والشهادة للتاريخ، أن القذافي كان وفيا لعهده، فقد توقف عن تزويد الانفصاليين الصحراويين بالمال والسلاح وطلب منهم تكوين حزب سياسي ومحاولة التغيير من الداخل.

اضطر الدكتور البلعمشي فتح النقاش مع الراضي داخل القاعة، حيث تم توجيه أسئلة إليه كلها تصب في عمق المشكل، وكلها لوم على أن الراضي لم يتطرق إلى صلب الموضوع، ولم يبح بأسرار مهمة مثيرة للجدل، ولم يعط حلولا للقضية في المستقبل، كما أنه لم يتطرق للوضع الراهن في الصحراء، ولا لموقف الأمم المتحدة ولا لموقفه من سجن أصدقائه بعد رفضهم لاقتراح الحسن الثاني بإجراء الاستفتاء في الصحراء، أما عن الموقف الأممي وفي معرض جوابه عن أسئلة الحضور، فقد قال الراضي أنه أشد ما يخاف منه، هو موقف الرئيس الأمريكي ترامب، لأنه رجل غير مفهوم أو أحمق.. إن تقليص مدة “المينورسو” إلى ستة أشهر، هو بإيعاز من أمريكا وهو موقف له دلالات، ويقول الراضي بأن المغرب ربح قضية الصحراء لأنه دخل الصحراء وهو حق مكتسب، وأنه لا يمكن لأي كان أن يجبر المغرب على الخروج من الصحراء، لأن هذه القضية هي قضية حياة أو موت بالنسبة للشعب المغربي.. إن أقصى ما يمكن أن يمنحه المغرب للمجتمع الدولي، هو حكم ذاتي موسع، أما استفتاء تقرير المصير، فهو سيف ذو حدين بالنسبة للمغرب، لأن الصحراء ليست هي جنوب السودان أو تيمور الشرقية.. أتمنى أن لا يكذب المستقبل توقعات واستنتاجات السياسي والوزير والبرلماني، الراضي.

وخلاصة القول، فإن السيد الراضي، حافظ على رزانته المعهودة، فلم يبح بأسرار تثير الجدل، وبقي ذلك الاشتراكي البورجوازي الغير مفهوم، لا في الماضي ولا في الحاضر ولا حتى المستقبل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!