في الأكشاك هذا الأسبوع

إلى المسؤولين.. أنقذوا الناس من لهيب الأسعار الجديدة لتأمين السيارات

بقلم: رمزي صوفيا

نشرت جريدة “الصباح” مؤخرا على صفحتها الأولى وبالخط العريض، موضوعا مسهبا حول الارتفاع الصاروخي لأسعار تأمين السيارات، عرضت من خلاله أرقاما تكشف نسبة أرباح شركات التأمين الفاعلة في مختلف مدن وجهات المملكة المغربية.
وعندما نتحدث عن السيارة في الوقت الراهن، وفي ظل الظروف الجديدة التي أضحت عليها المدن المغربية، فإننا نتحدث عن إحدى ضروريات الحياة العصرية في المغرب، فبعد الطفرة التي عرفتها الحياة اليومية للمغاربة، وبعد تحول جل المدن إلى غول يلتهم وقت وأعصاب وميزانية سكانها، فقد أصبح استغناء سكان المدن المغربية الكبرى عن استعمال السيارة، من رابع، بل من سابع المستحيلات.
فعندما نتحدث عن استعمال الشخص لسيارته، فإننا نتحدث بديهيا عن مصاريف هامة مفروضة عليه على رأس كل سنة لتغطية تكاليف فحصها التقني السنوي وتأمينها السنوي وضريبتها السنوية، ناهيكم عن مبالغ يستنزفها تزويد السيارة بالبنزين، وعندما نتحدث عن كل هذا، فإن موضوعنا يتمحور بالدرجة الأولى حول الطبقة المتوسطة التي تجسد السواد الأعظم من ملّاك السيارات في المغرب، والتي تشكل أيضا العمود الفقري لاقتصاد البلاد كما هو معروف على المستوى العالمي.
إذن، وبعد كل هذه المقدمة، يأتي سؤالي وسؤال ملايين الناس المضطرين لتحمل كل نفقات سياراتهم حتى يتمكنوا من الوصول والعودة لمقرات عملهم والنجاة من الطرد بسبب التأخر الناجم عن قلة وسائل النقل العمومية، ليس فقط في ساعات الذروة، بل على مدار ساعات اليوم داخل الحواضر المغربية الكبرى، (السؤال) هو: لماذا اتخذت شركات التأمين فرض قفزة شاهقة على أسعار تأمين السيارات في المغرب؟ ولماذا قررت هذه الشركات المساهمة غير المسبوقة في الإجهاز على ميزانيات أصحاب السيارات بالرغم من الأسعار الخيالية التي وصلت إليها المحروقات، حتى صرنا جميعا نشاهد ملامح الحسرة على كل شخص يضطر للتحرك بسيارته داخل المدن المزدحمة بطريقة تبتلع جزء كبيرا من ميزانية عيشه موكلا أمره لله تحت التسرب المحزن للبنزين بسبب آفة الازدحام التي تعرفها كل طرقات المدن المغربية؟
فطالما تذمر أصحاب السيارات من الارتفاع المهول لأسعار المحروقات، رغم استقرار أسعارها في الدول المنتجة للبترول، بل ورغم انخفاض هذه الأسعار في تلك البلدان، وكأن شركات التأمين لم تكتف بما يعانيه أصحاب السيارات المحتاجين لها بطريقة ماسة، فقررت المساهمة في تفقيرهم وتخفيض ميزانيات معيشتهم اليومية، وبالتالي، المساس بالحاجيات الحيوية لعائلاتهم، برفع سومتها التأمينية تحت ذريعة غريبة، وهي “انخفاض أرباحها مؤخرا”، وهي الذريعة التي تكذبها الأرقام المحصل عليها جملة وتفصيلا، حيث ارتفعت سومة التأمينات التكميلية للسيارات بنسبة 300 في المائة، وهذا منكر فادح وخطر يداهم اليوم جيوب الطبقة الوسطى بالتحديد، وقد جاء تبرير شركات التأمينات واهيا وغريبا ومناقضا لواقع الحال، حيث بررت هذه الزيادات الغريبة والمناهضة لحق المواطن المغربي في العيش الكريم داخل بلده، قائلة للسائلين بأنها تعرضت لخسائر مالية نتيجة التعويضات التي دفعتها عن حوادث السير التي وقعت مؤخرا، وأن ميزانياتها الخاصة تضررت كثيرا مما حذا بها لاتخاذ قرارها الجماعي برفع تسعيراتها وإلغاء بعض خدماتها، وعندما نتحدث عن خدمات هذه الشركات، فلا شك أن مقارنة وجيزة ستفرض نفسها علينا بين شركات التأمين المغربية ومثيلاتها الأجنبية، فعن أية خدمات تتحدث عندما نطرح مثلا حالة سائق سيارة لم يقترف حادثة سير واحدة منذ سنوات طويلة، ومع ذلك نجده يؤدي نفس التسعيرة تقريبا مع تخفيض ضئيل وضئيل جدا؟
وسأحكي لكم حالة صديق مغربي لي يمتلك سيارة ويعيش في مدينة الدار البيضاء ويؤدي بطبيعة الحال تسعيرة تأمينها بشكل منتظم ومنذ أكثر من سبع سنوات، لم يقع في سيارته خدش واحد بفضل طريقة سياقته المثالية، حيث يقودها بعيدا عن السرعة المفرطة وعن العناد الذي صرنا نشاهده لدى بعض سائقي السيارات الذين يدخلون في حالات عصبية ولا يتنازل الواحد منهم للآخر ولو بسنتيم واحد عن حقه في الطريق، أقول عن صديقي بأنه سافر مضطرا في السنة الفارطة في رحلة استشفائية استغرقت شهرا واحدا تاركا سيارته مركونة في مرآب بيته، وعندما عاد، توجه إلى مكتب شركة التأمين التي يتعامل معها، فطلبوا منه مبلغا معينا بدون درهم واحد من التخفيضات وبدون مراعاة للسنوات السبع التي تهاطلت فيها أمواله سنويا على شركة التأمين دون أن تنفق عليه من ماله درهما واحدا، فلماذا تبرر شركات التأمينات قرارها المجحف والظالم والانفرادي بأنها خسرت من هامش أرباحها بسبب حوادث سير وقعت، بينما المتعارف عليه، هو أن لا تنبس ببنت كلمة، لأن المفروض فيها، أنها شركات تأمين، وبالتالي، فهي معرضة للربح والخسارة تبعا لأحوال السنة وطريقة قيادة زبنائها، وليس من المفروض أن تصمت وتسعد بالملايير التي تتحصل عليها من جيوبهم عندما يقودون بدون حوادث ثم تنقلب عليهم وتفرض عليهم المساهمة الجزافية والغير مستساغة من جيوبهم في تحملها لخسائرها، فنشاط شركات التأمين عندما يتقرر فتحها، يدخل في مجال المجازفة مثل كل الاستثمارات، التي يعرف أصحابها بأن هناك الربح وهناك الخسارة.. فهل تربح وتصمت وعندما تخسر تقرر فرض المساهمة في خسارتها على الناس، متناسية كم شفطت من جيوبهم وعلى مدى سنوات دون أن تنفق عليهم درهما واحدا، ومتناسية بأنها في كل سنة، تستقبل ملايين المغاربة الذين زاروها في السنة الفارطة ومدوها بمبالغ ضخمة ازدادت بها سمنة ميزانياتها دون أن تراهم طيلة أشهر السنة وعندما جاؤوها بعد اثنتي عشر شهرا، فقد جاؤوا حاملين لميزانياتها مبلغا مقتطعا من رزق أبنائهم ليزيدوا رزقها تضخما، بينما المنطق يفرض عليها بأنها عندما قررت فرض خسارتها –التي سأفصل حديثي عنها بعد بضعة سطور- فالمفروض أن السائق الذي لم يقترف حادثة سير، يجب عليها إعادة المبلغ السابق الذي أخذته منه بدون وجه حق، وبدون أن تكون قد أدت له عنه أية خدمة، هذا هو المنطق.. فهل يخسر السائق معها وتربح هي على حسابه؟
وعندما نتحدث عن الخسارة التي تذرعت بها هذه التأمينات لفرض تسعيرة جديدة ما أنزل الله بها من سلطان، فإن الأرقام الموجودة، تكذب خسارتها جملة وتفصيلا، بل تؤكد بأن أرباحها لم تزدد إلا ضخامة، حيث حصلت في السنة الماضية فقط على ما يتجاوز الـ 433 مليارا، وإذا تراجع هامش ربحها هذه السنة، فهذا يدخل ضمن طبيعة نشاطها المرتبط بقطاع السير والجولان الذي كله مجازفة، فالمفروض فيها تقبل الخسارة بصدر رحب في انتظار سنة بدون حوادث كثيرة، وليس المفروض فيها مضاعفة تسعيرتها التي قفزت في حالات معينة من 4500 درهم إلى 12000 درهم وكأنها تقول للموظفين والعمال المحتاجين للوصول إلى مقرات عملهم يوميا: “لا تحلموا بذلك، بسبب ازدحام الحافلات والطريقة الغريبة التي يختار بها سائقو سيارات الأجرة اليوم وجهتهم بعيدا عن قانون “التاكسيات”؟
إن زيادات تقررت من طرف شركات التأمين بطريقة انفرادية بعيدا عن أية دراسات ميدانية للمستوى المعيشي لزبنائها، وبعيدا أيضا عن تدخل السلطات الوصية على هذا الميدان، من شأنها أن تتسبب في حالة احتقان اجتماعي لا يمكن تصور درجته، بعد انتشار حالة الاستياء التي استقبل بها أصحاب السيارات تلك الزيادات المثيرة للجدل في أسعار المحروقات، لتبقى التأمينات، هي المستفيد الوحيد من هذه الحالة المقابلة لاستنزاف جيوب زبناء هذه الشركات، وهي نفسها التي يرتقب أن تحصد أرباحا قد تصل إلى 150 مليار درهم نتيجة زياداتها الصاروخية في أسعار تأمين السيارات وتخلي الكثير منها عن خدمة “إنجاد” التي تدخل ضمن خدماتها التي يفترض فيها أن تؤديها مقابل المليارات التي تتحصل عليها من جيوب سائقين لا يرتكبون أية حوادث فتؤول مبالغ تأمينهم على سياراتهم للحسابات السمينة لهذه الشركات، وحتى عندما نتحدث عن خسائر هذه الشركات بسبب حوادث السير، فإن زبناءها يتحملون حصتهم في هذه الخسائر، ويستحيل عليها أن “تتشدق” بالقول بأنها الخاسرة الوحيدة في كل حادثة سير، فهناك نسبة من النفقات، التي تنضاف على حساب الزبون المرتكب لحادثة السير.. فهل يخسر مع الشركة وتفرض عليه أن تربح لوحدها بهذا القرار؟ ثم إن التأمين التكميلي، أضحى من الضروريات التي لا مهرب لصاحب السيارة منها رغم تكلفتها الصعبة أصلا في ظل الظروف الاجتماعية التي تعرفها الحواضر الكبرى بشكل خاص، من اعتداءات على السيارات من طرف المنحرفين واللصوص، ومن حالات كثيرة لتكسير زجاجها بدون وجه حق من طرف بعض الطائشين من الشباب.
لكل ما تقدم، فإنني أهيب بالسلطات الوصية، بأن تتحرك لتتبع الوضع وفرض تراجه شركات التأمينات عن سعيها للإجهاز على ميزانية العائلات المغربية التي يعولها مستعملو السيارات، مضطرين لا مختارين، نتيجة ازدحام المدن الكبرى وعدم كفاية وسائل النقل العمومية لتغطية كل الاحتياجات اليومية في مجال التنقل داخل الحواضر الكبرى ونتيجة الغلاء الذي يلهب جيوب المواطنين الذين لا تتجاوز رواتبهم في السواد الأعظم، 5000 أو 6000 درهم، تدخل فيها كل نفقات الأكل والتمدرس والتطبيب، ناهيكم عن سومات فواتير الماء والكهرباء الخيالية، واستعمال رب الأسرة لسيارته، إنما هو للضرورة المعيشية لتغطية كل هذه النفقات، لهذا فإنني أناشد الفعاليات الاجتماعية، بأن تتحرك في صف المواطن المستعمل لسيارته مضطرا والداخل ضمن فئة الطبقة الوسطى التي هي المحرك الحيوي لاقتصاد البلاد، كما أهيب بالمسؤولين، بأن يقفوا في صف المواطن المحتاج لاستعمال سيارته، والعاجز تماما عن تحمل نفقات إضافية تدر أرباحا غير مبررة إلى صناديق شركات التأمين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!