في الأكشاك هذا الأسبوع

أنــا المـــال.. زينـة الحيـاة الـدنيـا

نجيبة بزاد بناني. الأسبوع

في يوم من الأيام، أعطيت الكلمة للمال، فأخذها بدون تردد وقال: ((أتعلمون أنني أنا الوحيد الذي ليس له أعداء، كل الناس يحبونني، رجالا ونساء، شيوخا وأطفالا، لا أحد يكرهني، كل البشر في العالم بأسره يعشقونني ويعملون المستحيل للحصول علي.. منهم من يشتغل ليل نهار، يتحمل المصاعب والشقاء، يسهر الليالي للعثور علي، ومنهم من يتعاطى للألعاب (كاليانصيب والقمار…)، كما  أن منهم من يختار التسول في الشوارع والأحياء، وهناك من هجر البلاد لجمع المال، وسافر إلى بلاد المهجر بحثا عن لقمة العيش له ولأسرته، وكثير من النصابين المحتالين أنا هدفهم الوحيد في الحياة، ليست لهم قيم ولا مبادئ ولا أخلاق ولا ضمير، يحصلون علي بجميع الوسائل، بالفساد والرشوة والنصب والاحتيال والكذب والغش.

أوجد بكثرة في منازل الأغنياء وجيوب الأثرياء، يبذرونني في أشياء تافهة، لأنهم لا يبالون، بفضلي يعيشون عيشة راضية (أكل، ولبس، أسفار، هدايا، سيارات فاخرة، حفلات، سهرات، أعراس، أعياد الميلاد…)، على عكس ذلك، فأنا قليل عند الفقراء والضعفاء والمساكين.

بسببي، وجدت الفوارق في المجتمعات، كنت ولازلت السبب الرئيسي في المشاكل والنزاعات والخلافات والخصومات العائلية (قضايا الإرث في المحاكم بين الإخوة وأبناء العم…).

بسببي، ارتكبت الجرائم وقتلت أرواح بريئة.

أنا السبب الرئيسي في الأزمات الاقتصادية العالمية والدولية.. واسألوا التاريخ عن ذلك؟

بسببي، يحاكم رؤساء الأبناك والشركات والمؤسسات، المتهمين باختلاس ونهب أموال الدولة.

حطمت أحلام المحبين وسعادة العشاق، حيث أصبح الحب في العصر الحالي مهددا، يخضع للظروف الاقتصادية، فقصص الحب كما عرفها التاريخ، كانت فيما مضى لا تتحدث عن الماديات والأموال، بل على المشاعر والعواطف الإنسانية والأحاسيس، فتغيرت العواطف الإنسانية بتغيير الظروف والقيم، وأصبح الناس يبحثون عن جمع الأموال والثروات فقط.

أعترف أنني حولت الحياة المعاصرة للكائن البشري إلى منتج ومستهلك، وإلى كائن اقتصادي تقاس قيمته بمقياس ما ينتج ويستهلك، وتقف العواطف على الحياد في هذه المعادلة المادية عاجزة، مكتوفة الأيدي، لا يعلم الناس أنني أستهزئ بمشاعرهم وأحاسيسهم، ولي تأثير كبير على تصرفاتهم ومعاملاتهم وعلاقاتهم مع الآخرين.

طردت الحب من قلوبهم وأخذت مكانه، فرضت عليهم الخضوع والطاعة والاستسلام، فأصبحت النساء تعتبر أن الكرم والسخاء والثروة هي أهم صفات الرجل، تغطي عيوبا كثيرة وتعمي الأنظار عن أشياء شتى، وقد أصبح الغني وسيما في نظر زوجته، فصيحا ومحدثا لبقا في رأي أقرانه ومستمعيه، وكلهم آذان صاغية أحبوا أم كرهوا.

كل الناس بحاجة إلي، وبدوني يحسون بالذل والحرمان والإهانة، بعدما أصبحت مهما، محبوبا، وثمينا، لا أرى النور قط، يضعوني في أماكن بعيدة عن الأنظار والأخطار والسرقة، يضعونني في الأبناك والمخازن والحقائب والشبابيك الآلية، بل أكثر من ذلك، يفضلون تركي في المؤسسات البنكية ويستعملون البطاقة لشراء أغراضهم اليومية، خوفا علي واحتفاظا بي.

على الإنسان العاقل، أن لا يبذرني، بل يوفرني لتأمين مستقبل أبنائه وأن يحسن استعمالي، وعلى البخلاء، أن لا يحبونني حبا جما، بل عليهم أن يتمتعوا بي في حياتهم قبل فوات الأوان)).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!