في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | كيف كان مشروع الاتفاق على الحدود الجزائرية سببا في محاولة انقلاب أوفقير

بقلم: مصطفى العلوي

بصرف النظر عن بعض القنوات الأجنبية، فإن وسائل الإعلام المغربية لم تول حكاية مفاوضات جنيف ومائدتها المستديرة(…) أي اهتمام، ولا علق معلق على هذه المفاوضات التي تعتبر في الأمر الواقع عارضة أممية لا علاقة للمغاربة بها.. لأن المغاربة، وبصفة جدية راسخة، لا يعتبرون تواجدهم في الصحراء قضية عابرة(…) بل إن الحافظين لدروسهم(…) يعرفون أن استرجاع الصحراء الغربية ليس إلا بداية لإتمام الوحدة الوطنية المنشودة.

ولهذا نفهم هذا التلاشي في الاهتمام المغربي باستدارة مائدة جنيف، من خلال الأحداث التي غطت مغربيا على تلك المفاوضات، حيث انشغل المغاربة بالجدل بين الرميد والتازي، حول مصاريف القطار السريع “طي جي في”، واهتمام صحف أخرى بالتسونامي الذي هز حزب “البام”، وتوبيخ خشيشن، وتجميد عضوية بن الطالب، بل إن يومية “الأخبار” بدل التلميح إلى قوة الجيش الملكي فإنها عنونت بحروف كبرى عن تحركات جيوش الجنرال حرمو، رئيس الدرك لإبعاد رجال حسني بنسليمان، هكذا (الأخبار. 15 أكتوبر 2018).

بينما انشغل الرأي العام أيام تحلق الوفد المغربي والجزائري حول مائدة المفاوضات، بذلك التحرك الملكي لتكليف نخبة من النساء المتميزات، والرجال المتميزين، بترميم هياكل “الهاكا”، المكلفة بمراقبة الإذاعة والتلفزيون، وحصول نخبة من أعضاء هذه المنظمة على وضع مالي يسمح لكل واحد منهم ومنهن بالحصول على أجر شهري يتعدى الخمسة ملايين شهريا.

أما قضية الصحراء.. فهي تبقى على حالها.. أقرب ما تكون للأمر الواقع، الذي يجدده ملك البلاد، عندما يقول كل مرة أن المغرب في صحرائه، متشبثا بالقيم السامية للوحدة الوطنية.

ومادام الوضع الأممي إنما يبحث عن طريقة لإعطاء الشرعية لما تريده الجزائر، وتعبر عنه بأنه إمتاع الشعب الصحراوي بحق تقرير المصير، بينما ثلاثة أرباع هذا الشعب الصحراوي متواجدون مرتاحون ما بين العيون وسمارة وأوسرد، والداخلة.

وإن كان الأمر الواقع في الحقيقة، هو ما يتحتم على الدولة المغربية المصونة أن تحافظ عليه لتسترجع ما تبقى من وصاية أجداد الحركة الوطنية، أمثال الزعيم علال الفاسي، الذي كتب: ((إن استقلال المغرب لن يكون كاملا بالصحراء الغير ملتحقة بالمغرب مهما بقيت كولومب بشار، والقنادسة، وتوات، وتندوف، تابعين للجزائر، مثل كل الجهات الأخرى، مثل سبتة ومليلية والجزر التي لازالت خاضعة للاحتلال الإسباني)) (لوموند. 13 يناير 1961).

وليس غريبا أن يكون واحد من أجداد الثورة الجزائرية رئيس أول حكومة بعد استقلال الجزائر، فرحات عباس الذي اتفق مع الجد المغربي علال الفاسي على شرعية المطالب المغربية حين صرح هذا الزعيم الجزائري: ((أثناء زيارة له للمغرب في يوليوز 1961 حين أمضى بلاغا مشتركا مع المغرب، يؤكد فيه أن رسم الحدود بين المغرب والجزائر يهم البلدين وحدهما، بدون أي تدخل من أي طرف آخر)) (لوموند. 7 يوليوز 1961).

وإذا كان الذين كانوا في حكم الجزائر بعد أن أبعدوا فرحات عباس هذا، ولمحوا في عهد بومدين، إلى إمضاء اتفاقية حدود بين المغرب والجزائر يذكرون أن وزير خارجية المغرب عبد الهادي بوطالب، قد كتب في مذكراته عدم شرعية تلك الاتفاقيات، حين كتب: ((عندما كلفني الملك الحسن الثاني بمحضر الرئيس بومدين وبوتفليقة(…) بتحرير ما اتفقنا عليه(…) فقلت له أنا أجهل ما اتفقتم عليه فكيف أحرر البلاغ)) (نصف قرن من السياسة. عبد الهادي بوطالب).

ويلمح بوطالب في مذكراته التي كتبها بجرأة متناهية إلى أنه في تلك الفترة، التي أمضى فيها هذا الاتفاق(…) كانت المنطقة تعيش فترة من الضغوط التي كان فيها ساسة المنطقة يستعملون كل واحد حسب إمكانياته، للضغط المؤقت، وكل بوسائله الخاصة، من قبيل إقدام واحد من أقطاب الحاضرين في إحدى هذه القمم العربية، واقرؤوا وصفها: ((انعقدت هذه القمة في أواخر نونبر 1969 وأنا وزير للخارجية حضرها الرئيس جمال عبد الناصر والملك فيصل والرئيس هواري بومدين، والعقيد القذافي الذي كان مرتديا لبذلة عسكرية وهو يحمل مسدسا مغلفا، وكان الرئيس جمال عبد الناصر يقول: من الآن أريد أن أعرف كم سيدفع كل واحد منكم، فأنا في حاجة إلى بقشيش، لينتفض الملك فيصل ويقول: أنا مضطر للمغادرة، نحن ما جئنا ليهددنا أحد بمسدسه)) (نفس المصدر).

فأية مصداقية تبقى للاتفاقيات العربية الصادرة تحت تهديد المسدسات.

ونستخلص الدرس من هذا الواقع، لنخلص إلى الأمر الواقع، والذي تهافتت الظروف السياسية المغربية على ستره أمام واقع حضور الجنرال أوفقير، الذي كان قائدا للجيش الملكي، ولكنه وجدها فرصة سانحة للتعبير بدوره عن عدم الاتفاق على ما أمضاه الملك الحسن الثاني، والرئيس بومدين، حول الحدود، ليعلن الجنرال أوفقير بدوره رفضه لأي اتفاق على حساب الحدود المشروعة للتراب المغربي.

إذن لم يكن وزير الخارجية المغربي وحده الذي عارض تلك الاتفاقية الغامضة للحدود، بل كان الجنرال أوفقير معارضا لذلك الاتفاق، ليخلد الوزير بوطالب أن الحسن الثاني نفسه لم يكن مقتنعا بذلك الاتفاق مع الجزائر على الحدود، ليسجل بوطالب هذا، أن الحسن الثاني نفسه قال: ((إن لقاء تلمسان لم يكن من ميدان السياسة الخارجية(…) ولكن من ميدان السياسة العائلية)) (خطاب العرش. 3 مارس 1971).

ويسجل التاريخ مرة أخرى للجنرال أوفقير رفضه لأية اتفاقية حول الحدود.

ولقد كشف المؤرخ عبد الهادي بوطالب في سياق عدم الاتفاق على أية صيغة تهدد الحدود المغربية الشرعية، ليحكي أن الجنرال أوفقير جاء بعد الرجوع لبيت عبد الهادي بوطالب: ((في بيتي.. أشاد الجنرال أوفقير بموقفي البطولي(…) وقال لي هكذا يكون الرجال، ومرة قال لي: إن هذا النظام(…) لابد أن يغير أحواله، وأوضاعه لأتدارك الموقف، وأقول له: نحن جميعا أنا وأنت مخلصون أوفياء لهذا الرجل، أي الملك، ثم أوقفت الحديث لأني أصبت بزلزال في نفسي)) (نفس المصدر).

أما البقية، فكانت عندما قام الجنرال أوفقير بمحاولة الانقلاب التي تمثلت في ضرب الطائرة الملكية العائدة من إحدى الرحلات الملكية إلى فرنسا (10 يوليوز 1972) لينبلج كل شك في الأغراض الكامنة وراء قرار الجنرال أوفقير الذي لم يكن متفقا على اتفاقية الحدود مع الهواري بومدين، تلك الاتفاقية التي أعلن الملك نفسه أنها لابد أن تعرض على البرلمان المغربي، الذي ما كان بإمكانه أن يتفق عليها، ولذلك لم تعرض.

لتبقى الحدود المغربية الجزائرية التي رسمها الاستعمار الفرنسي، قبل منحه الاستقلال للجزائر، ليترك الأمور معلقة بين المغرب والجزائر، ومازالت كذلك إلى الآن، وهذا هو المصير الحقيقي للنزاع المغربي الجزائري، والذي اقتطع فيه الاستعمار الفرنسي مناطق مغربية، وقبائل مغربية، القنادسة وتوات مثلا، لازالت إلى الآن خاضعة للحكم الجزائري.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!