في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | عندما أوصى الحسن الثاني ضباطه بجمع الأموال بدل السياسة

أول جمهوري في المغرب كان موظفا ساميا في عهد محمد الخامس


رغم ضخامة المجلدات الثلاث التي جمعت مذكرات الوطني الكبير، الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، فإنه لم يعط التفاصيل المفصلة عن ذلك اليوم، الذي كان فيه جالسا في مكتبه داخل المشور السعيد، بصفته رئيس الحكومة، حكومة التناوب، حين دخل عليه الحسن الثاني ضاحكا ودعاه إلى الخروج معه.

ويفاجأ اليوسفي بالملك يدعوه للركوب معه فيالسيارة التي كان يسوقها الحسن الثاني نفسه، وما إن استقر اليوسفي واطمأن(…) حتى أطلق له ليستمع إلى تسجيل صوتي، حصلت عليه أجهزة التجسس التابعة لوزير الداخلية إدريس البصري، وإذا باليوسفي يسمع صوت نقاش بين فرنسيين اثنين، فيسر الحسن الثانيإلى أن المتكلم هو المسمى “بيير ساني”، رئيس منظمة العفو الدولية، وهويرد على مرافق له قال له: إنك ستتشرف اليوم بمقابلة ملك المغرب، الحسن الثاني،ويرد “بيير ساني”على محدثه: لا.. وإنما هو الحسن الثاني الذي سيتشر فبمقابلتي.

ويستغرب اليوسفي لكل هذه الأحداث التي عاشها والملك يسوق به سيارته، وهو الذي كان في ذلك الصباح سيستقبل في مكتبه، بصفة رسمية،هذا الفرنسي الذي جاء في مهمة استطلاعية للمغرب، بصفته رئيس منظمة العفو الدولية.

وعندما خرج اليوسفي من السيارة التي أوصلها سائقها الملك إلى باب رئاسة الحكومة، سارع إلى مكتبه وطلب من كاتبت هن تتلفن للمسيو “بيير ساني”، وتخبره بأنه يعتذر ولا يمكنه استقباله.

كان هذا نموذجا للطريقة التي تصرف بها الحسن الثاني مع أحد مهاجميه، وكانوا أكثر وأرقى وأبلغ تأثيرا من هذه الحشود التي تهاجمإليكترونيا، هذه الأيام، الملك محمد السادس، وقد لاحظ المطلعون كيف أن المحيط الملكي هذه الأيام، اكتفى بالاعتماد على بعض المعلقين البارعين في مجال المعيور على الطريقة النسوية، من قبيل هذا الحشد ممن تجندوا لمهاجمة الممثل بشير سكيرج الذي أساء فعلا بطريقة همجية(…) إلى الأسرة الملكية، في ظروف مسجلة بصوت سكيرجنفسه، وهو الذي قال للدفعة الأولى من الشرطة الباحثة، بأن مساعدي سكيرج في بيته هم الذين خدروه، ليقول ذلك الكلام، وقد كان أحد المسؤولين الأمنيين من بين الذين استنطقوا البشير سكيرج في بيته قد سرب لإحدى الصحف تصريحا قال فيه: ((لا أظن أنسكيرج سيفلت من المتابعة، لأنه عندما كلمناه بقي يدخل ويخرج في “الهدرة”)).

ويكرس هؤلاء الذين يتولون الرد إليكترونياعلى مسيئي الأدب على الملك أطروحة تخصيص ميزانية لتمويل العاملين في إطار الجهاز الجديد الذي سمته الظروف جهاز العياشة، وهو الجهاز الذي لم يعط أية نتيجة بحكم التجربة الفائتة(…).

ولو عدنا إلى التجربة التي أشرك فيها الحسن الثاني رئيس حكومته اليوسفي في مواجهة رئيس منظمة العفو الدولية، لم يكتف الحسن الثاني بإسماع التسجيل لعبد الرحمان اليوسفي، وإنما استدعى مراسلي قناة “طي ف1” الفرنسية ليأتوا عنده إلى الرباط، وليقول لهم بفرنسية راقية: ((إن منظمة أمنسيتي منظمة عجوز، فقدت كل مكونات الوعي، وأنا لا أعرف ماذا جاءت تعمل عندنا)).

وقوة الحسن الثاني كانت كامنة في أنه أخذ الدرس تلو الدرس من أن القوات الأجنبية إنما تستغل الأغلاط الملكية، وأن هذه القوات لا تقنع من أي ملك أو رئيس، مهما كانت تنازلاته، فأحرى هفواته.

ولازال تاريخ منطقتنا، كحاضرها، مهددا لا يقنع من أي ملك باستهاناته أو تجاوزاته، وهذا التاريخ يحكي لنا، كيف أن هذا الواقعلخصه الرئيس الفرنسي القوي الجبار، الجنرال دوكول الذي لم يقبل أن يربط ملك المغرب علاقات ودية مع الولايات المتحدة الأمريكية، كما كان يحاول الحسن الثاني، رغم أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تؤيد وتنصر ملكا، إلا مقابل ملايير دولاراته، كماصرح بذلك أخيرا الرئيس الأمريكي طرامب، الذي قال بأنه إنما يحمي الملك السعوديوولده بن سلمان، إلا مقابل ملايير دولاراتهم.

لذلك، وفي إطار تهديدات الجنرال دوكول، لمعاقبة الحسن الثاني على ميله للأمريكان، بأنه قادر على ((تعويض ملك المغرب الحسن الثاني بواحد من السياسيين المغاربة، على طريقة التشكيلة الحكومية الجزائرية))(الحسن الثاني. تأليف إنياس دال).

وهو موقف لم يبق سرا رغم خطورته وتكريسه للأخطار التي تهدد أي ملك، حيث نشرت منظمة السيا الأمريكية جهاز الاستخبارات، فيمذكرة سرية مؤرخة بـ21 شتنبر 1966 ((أن خبراء الاستعلامات الأمريكية حصلوا منالجنرال دوكول على تأكيدات بأنه لن يبقى محافظا على طريقته في مجاملة ساكن القصرالملكي بالرباط)) (كتاب أسرار محفوظة. تأليف فانسان نوزيل).

طبعا، لو وجد الفرنسيون غرضهم في ملك منالدرجة العادية لقضوا به حاجتهم(…) مؤقتا، أما الجنرال دوكول بعظمته، فقد كان يصطدم بعظمة الحسن الثاني، الذي حكى الفقيد الاستقلالي امحمد بوستة أنه قال له عن مهاجمته في انقلاب الصخيرات: ((لقد أهانوني في الصخيرات، ويجب أن يدفعوا ثمنعملهم، ليس بطلقة رصاص من مسدسي بسرعة، ولكن سأنتقم منهم بهدوء، مثل هدوء السكرالمذاب في كأس مليء بالثلج)) (بوستة في تصريح للصحفي إنياس دال).

طبعا، تبقى الحسابات مطمئنة عندما يتعلق الأمر بملك يناقش أفكاره مع سياسي مغربي من مستوى امحمد بوستة، أما عندما تكون الخطوط مقطوعة(…) والملك محاصرا في قصره، لا يسمح له مرافقوه والمقربون أن يفتح نوافذ بيته للاطلاع على حقيقة أطراف مملكته، فإن خطورة المكونات المغربية تتنامى في السر والظل لتتضخم المفاجأة.

فحتى عندما كان الملك محمد الخامس، بعد رجوعه من المنفى، يتقمص شخصية الزعيم المحرر، والآلاف تصفق عليه بمحض إرادتها، لا عن طريق شحنها على أيدي القياد والباشوات، وعند بداية الاستقلال في سنة 1958، تلقى أول سفير فرنسي في المغرب “ألكسندر بارودي” تقريرا من أحد مساعديه قال فيه: ((إن الرأي العام المغربي سريع التمرد، وقد زرت الكاتب العام لإحدى العمالات(…) ويسمى البوعمراني الذي أسر إلي طموحاته الجمهورية، عندما كنا نتحدث عن الثورة العراقية، فقال لي: إنه سعيد بهذه الثورة ويتمنى بكل جوارحه نهاية الملكيات كلها من العالم الإسلامي)) (تقرير القنصل الفرنسي بطنجة، بوفاني، في 17 يوليوز 1958).

ليبقى البديل الطبيعي الذي يريح البلاد والعباد شعبا وملكا هو الغرق في المشاكل المادية وإشاعة منطق الملايير (انظر الحقيقة الضائعة: “المغاربة غارقون في الملايير”. عدد 22 نونبر 2018)، وهوالاستنتاج الذي خلص إليه الملك الحسن الثاني نفسه، عندما اجتمع في أعقاب المحاولة الانقلابية الثانية سنة 1972 إلى مجموعة من كبار ضباطه وقال لهم: ((إذا كانت هناك نصيحة أقدمها لكم، فهي أن تعملوا على جمع الأموال، وأن تبتعدوا عن السياسة)) (رواها الضابط المعارض المحجوب طوبجي في مذكراته).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!