في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف الأسبوع | 13 توصية قضائية في وجه وزير الداخلية لفتيت وكيف تدخل الملك لتنفيذها في دوائر الأمن الترابي

إعداد: عبد الحميد العوني

      لأول مرة، اشترط الملك على وزارة الداخلية، تطبيق توصيات قضائية، رفض لفتيت التعاون بشأنها، قصد الرفع من منسوب الحكامة في وزارته، قبل زيادة الميزانية الموجهة إليه، ليأخذ نصيب الأسد بـ 20.935.943.00 درهم من ميزانية الدولة لموظفي وزارة الداخلية، و3.830.280.00 درهم للتسيير ولمختلف التجهيزات، راسما تحريك الاستثمار عبر إصلاح هياكل الوزارة لإنجاح ميكانيزم اللجن الجهوية للاستثمار، وهي رؤية عاد فيها المستشار الملكي علي الهمة، وهو موظف سام سابق في الداخلية، ليشرف على الدور الاجتماعي والاقتصادي للداخلية، كي يخفف من المقاربة الأمنية التي دفعت المغرب إلى الاحتقان الحالي.

ومطالبة وزارة الداخلية أن تكون مرفقا عموميا أفضل، لم يعد لسان السياسيين، بل طالب القضاء المالي في توصيته الثالثة عشر، بإرساء آليات جديدة لتشجيع الأطر ذات الكفاءة العالية في وزارة الداخلية، على شغل مناصب المسؤولية، لتجاوز وضع مبني على”الطاعة” وليس على “الكفاءة”، وتدخل العاهل المغربي مباشرة لتطبيق هذه التوصية بشكل سريع، فأقيلت العديد من الأسماء، ولا تزال أسماء أخرى قيد ترك أماكنها للكفاءات، كي تتمكن من تكوين محدد الأهداف، وتمكين القيادات والباشويات والعمالات والأقاليم وأطر الجماعات الحضرية والقروية والتابعين لنفس الوزارة، من تحديد “الوصف الوظيفي وتوضيح الهياكل التنظيمية لكل وحدة من هذه الوحدات”، ولا يزال الوصف الوظيفي للقائد والباشا والعامل ورؤساء الأقسام في العمالات، غير دقيق.

ومن اللافت أن تدعو التوصية، إلى إيلاء أهمية خاصة للسلوك الأخلاقي لطاقم الداخلية بمختلف فروعها، وأيضا لتبسيط المساطر والشفافية، لتقول التوصية الثانية عشر بـ”إعادة هيكلة الوظيفة في الوزارة الأم والأقوى على طول التاريخ المملكة”، ويعد وزيرها “الصدر الأعظم” والوزير القوي، وهو وزير يجمع كل الاختصاصات، ويقارب الأمن الاجتماعي والوظيفي والترابي، إن على صعيد الجهات أو الجماعات الحضرية والقروية، وباقي فروع الأمن في المملكة.

ومجرد الدعوة إلى إعادة هيكلة الوظيفة في وزارة الداخلية أو “الوظيفة العمومية الترابية”، إعلان عن وجود “ثورة” يحدد فيها القضاء مهام الوزارة النافذة، وذات القرار النهائي في المملكة.

——–

 

+ إعادة هيكلة الوظيفة في وزارة الداخلية

 

يريد المغرب التغلب على الاختلالات التي يعرفها توزيع الموظفين التابعين لوزارة الداخلية في الجماعات والمقاطعات والأقاليم، وباقي هياكل الوزارة عبر الإجراءات التالية، كما تذكرها التوصية الثانية عشر الموجهة للعاهل المغربي، وهي كالتالي:

1) إعادة انتشار أعداد الموظفين الذين يشكلون فائضا مع التوجه نحو مقاربة ترمي إلى تحسين الجودة ونسبة التأطير، وإدارة جيدة للفائض مطلوبة، قبل أي شيء آخر، في وزارة مؤثرة وفاعلة ومشاركة في كل أعمال الوزارات الأخرى.

2) تيسير حركية الموظف في الداخلية بين الجماعة الترابية وإدارات الدولة لجعل الوظيفة العمومية أكثر جاذبية.

3) تحديد مهام كل موظف على مستوى كل جماعة ترابية.

4) إعمال التدبير التوقعي على صعيد الوزارة الوصية على الجماعات الترابية، وعلى صعيد الجماعات نفسها، ومجرد إعمال وزارة الداخلية للتدبير التوقعي في مواردها البشرية وإدارة فائض الموظفين، سيقلع بالمغرب على صعيد الزمن الوظيفي مع باقي الخدمات والوزارات الأخرى، فالزمن المغربي تسطره الداخلية، وتحرير الخدمة من بعض العراقيل الموروثة، وتحديث الوزارة بما يفيد شروط التدبير التوقعي، عاملان قادران على إطلاق دينامية جديدة للإدارة الترابية كي تساير التدبير الحديث.

وتضمنت التوصية الحادية عشر، “ضرورة إيلاء الأهمية اللازمة للتكوين المستمر لموظف الداخلية”، وعمم القضاء المالي توصيته على باقي الإدارات العمومية مع “إعادة انتشار الموارد البشرية بين المصالح المركزية واللامركزية من جهة، وبين مختلف القطاعات من جهة أخرى”، كما جاء باللفظ في التوصية العاشرة وقد ورد فيها:

ـ العمل على التقليص من فوارق الأجور.

ـ إطلاق تحفيزات تضمن التوازن في توزيع الموظفين.

ولا يمكن التقليص من فوارق الأجور دون إصلاح شامل لمنظومة الأجور، كما تقول التوصية التاسعة، الرافضة لتحويل المكافآت إلى مكسب دائم ومعمم، مع ربط الأجر بالتقييم والترقية، ودائما مع إعطاء الأهمية الأكبر للراتب الأساسي.

وتقطع التوصية الثامنة نهائيا مع نهج الترقية التلقائية، و”تدعو إلى معايير محددة لوزارة الداخلية من أجل تقييم موظفيها”، وكذلك الأمر مع باقي الوزارات.

 

+ تقليص وزن الشهادات الجامعية والأكاديمية للموظف، لفائدة الخبرة والكفاءات الشخصية التي يتطلبها المنصب ؟

 

لاعتماد المهنية في وزارة الداخلية، وفي باقي مناحي الوظيفة العمومية، ترى التوصية السابعة “تغليب الخبرة والكفاءة الشخصية التي يتطلبها المنصب الإداري، على الشهادات الجامعية أو ما دعتها التوصية: الشروط الأكاديمية”.

وتغليب “المهنية” على الشهادة الجامعية، ترتيب يستدعي ترتيبات أخرى ترمي إلى تغليب نظام التعاقد في الوظيفة العمومية مع ما سمته التوصية “الإرساء المتدرج للعناصر الضرورية من نظام الوظيفة”.

ويبرز سؤال: هل يمكن إدخال نظام “التعاقد” إلى وزارة الداخلية؟ وقد أوضحت الصياغة، أن المساءلة العامة تخص الوظيفة العمومية، وليس الوظيفة العمومية الترابية فقط، وهو اسم الوظيفة في وزارة الداخلية ومختلف إداراتها، ولأنها وصية على الجماعات، تكون قائدة اللاتمركز الإداري، ولابد من إرساء سياسة فعلية لهذا الغرض، تقول التوصية السادسة، وإلى جانب مراجعة حكامة إصلاحات الوظيفة العمومية من خلال استراتيجية شاملة، تقترح التوصية الخامسة “إلحاق الوزارة المكلفة بالوظيفة العمومية برئاسة الحكومة” لإنجاح الأهداف المسطرة، وفي مقدمتها تجاوز المقاربة القطاعية لهذه الوزارة.

وقد رأى القضاء:

ـ تعميم تقنيات الإعلام على مستوى الإدارة الترابية.

ـ التحكيم قاعدة بين وزارة الداخلية وباقي الوزارات.

وتروم الإجراءات، إلى ضبط الوقت المخصص للعمل بوزارة الداخلية على نفس ما في باقي الوزارات، لأن المهم حسب هذه المقاربة، ضبط الوقت واحترامه، لاسيما في ظل شح الموارد البشرية، كما تقول التوصية بالحرف، لأن المهم، هو الوصول إلى الدقة والحرص على تطبيق العقوبات القانونية تجاه الغيابات غير المبررة، خاصة إعمال الاقتطاع من الأجر، تطبيقا لمبدإ الأجر مقابل العمل.

وإن خصص القضاء توصيات لوزارة الداخلية وتوصيات تجمعها إلى باقي الوزارات، فإن أهم ما ألزم به الإدارة، هو التقيد بالإجراءات المعتمدة في إطار تبسيط المساطر الإدارية.

وفي التوصية الثالثة، رأى التذكير الأخير بـ:

1) الاستغلال الأمثل للبطاقة البيومترية، وتقليل الوثائق المطلوبة من طرف الإدارة إلى الحد الأدنى.

2) قاعدة التشغيل البيني للإدارات، والتوافق لتقليص عدد الإجراءات الإدارية.

3) تفادي التدخل بين المساطر التقليدية والرقمية، لإرساء جودة الخدمة العمومية، كما نصت عليها التوصية الثانية، مذكرة بمأسسة الجودة وتحسين ظروف تقديم الخدمة العمومية على ضوء التقييمات الدورية، ووضع آليات المساءلة الإدارية، ليتقدم أمام أعيننا سؤال: كيف يمكن إلزام وزارة الداخلية بالمساءلة الإدارية؟ وكيف يمكن اعتماد مدونة حسن السلوك بالنسبة للموظف، في وقت يعتبر فيه تحريك مسطرة إهانته ضد المرتفق، سريعا وإجرائيا؟ وقدمت المحكمة المالية الوحيدة في المغرب، إعادة الاعتبار لمنظومة القيم داخل المرفق العمومي على غيرها من التوصيات، وجعلتها الأولى في واقع مترهل، تدرك أن انتقاله من المقاربة الكلاسيكية إلى التدبير المبني على الأداء والنتائج، ضروري، وقد وصف الإجراءات التي يجب اتخاذها بالعميقة، ووضع آليات جدية لمحاربة الممارسات السلبية.

 

+ الداخلية لم تستجب لمراسلات المجلس الأعلى للحسابات، وقد أصدرت توصيات خاصة بها في إطار دعوته لإصلاح الوظيفة العمومية الترابية، حسب اصطلاحه، وتدخل الملك شخصيا لاعتماد ما صدر في هذا الصدد، وعالج الوزير لفتيت جزئيا إدارته بعد ما حدث من إعفاءات في الحسيمة، وفي مدن أخرى، وتجمد تقدم هذا المسار، حسب بعض الملاحظين

 

لم تستجب وزارات الداخلية والخارجية والاقتصاد والمالية والتعليم العالي لمراسلات المجلس الأعلى للحسابات، وإن أصدر توصيات خاصة بوزارة الداخلية، بشأن ما سماه “الوظيفة العمومية الترابية”.

ولم تتعاون هذه الوزارات مع التوصيات المرفوعة للملك، فيما أمر العاهل بسريانها في وزارة الداخلية، رغم عدم التجاوب مع مراسلات المجلس الأعلى للحسابات، وهو ما يؤكد من جهة، تدهور منظومة القيم، كما يقول المجلس، ومن جهة أخرى، يوضح رفض المراقبة والمساءلة، وهي صورة معقدة للغاية، لطبيعة المنظومة الإدارية ومحوريتها من طرف وزارة الداخلية داعيا إياها مع باقي الوزارات إلى:

ـ تقديرات دقيقة لاحتياجاتها الفعلية من الموارد البشرية.

ـ إرساء نظام تقييم لا ينفصل عن هدفه مع رفض تحويل العلاوات إلى أجور تكميلية.

ـ عدم ارتباط ارتفاع الأجور بالترقية في الدرجة والسلم، وقد أصبحت بشكل تلقائي.

وهذه الوضعية المختلة، لديها مظاهر عديدة تبدأ من فارق الأجور من مرة واحدة إلى 21 مرة، وهذه الأجور غير عادلة ومتجاوزة، كما لا يمكن إصلاح الوظيفة دون سياسة أخرى للأجر.

وقد أدى هذا التعقيد إلى وضعيات متباينة، حيث تدافع كل وزارة عن امتيازاتها ونفوذها، بالتالي، يكون القضاء المالي قد طالب بإجراءات جذرية، تبدأ من الحكم على المجلس الأعلى للوظيفة العمومية، بأن تركيبته غير ملائمة، وقد أطرها الفصل العاشر من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، الصادر سنة 1958، وبقي الأمر حبرا على ورق طيلة عهد الحسن الثاني، ليرى النور في سنة 2002.

ويدعو المجلس الأعلى للحسابات، إلى انفتاح المجلس الأعلى للوظيفة على القطاع الخاص والجامعات، من أجل التشاور وتبادل الخبرات، فيما يدقق في أحوال موظفي وزارة الداخلية وباقي دوائر الأمن الترابي، حيث يبلغ مجموع موظفي عبد الوافي لفتيت، 147637 موظفا عام 2014، منهم 82 في المائة في الجماعات، متبوعة بالأقاليم البالغ عديدها 25668 موظفا، أي بنسبة 17.4 في المائة.

 

+ بينما يدخل المغرب “الجهوية المتقدمة”، تتقدم الاختلالات في وزارة الداخلية نسبة موظفي الجهات، إذ يبلغون فقط 0.3 في المائة من مجموع موظفي الوزارة، مع تباين في التوزيع وارتفاع الأجور، وصل إلى 11 مليار درهم

 

414 موظفا من أصل 147637 موظفا في وزارة الداخلية، هم العاملون في الجهات، والساهرون على تطبيق الجهوية المتقدمة، ويراهن المغرب، في هذه الحالة، على أقل من واحد في المائة، أي 0.3 في المائة فقط من موظفي وزارة الداخلية للوصول إلى نظام لامركزي وتنزيل مشروع استراتيجي مثل الجهوية المتقدمة، ويرتفع هذا المعدل بجهة العيون إلى 8.4 في المائة، وفي جهة الداخلة إلى 7.2 في المائة لكل ألف نسمة، في حين لا يتجاوز هذا المعدل 3.3 موظفين لألف نسمة بجهة درعة تافيلالت، و3.4 في المائة بجهة سوس ماسة، وهو ما يجعل الخلاصة القضائية واضحة: إن توزيع موظفي وزارة الداخلية، لا يرتكز على الأساس الاقتصادي أو الديمغرافي، ولم يبق مبرر آخر سوى الأساس الأمني، لتوزيع موظفي الوزارة.

ويشكل ارتفاع أجور موظفي الداخلية، أرقا للحكامة المالية، لبلوغها في سنة 2016 ما قدره 11 مليار و200 مليون درهم، ويشكل هذا الغلاف المالي 50 في المائة من نفقات التسيير، وتذهب حوالي 60 في المائة من حصة الجماعات الترابية في منتوج الضريبة على القيمة المضافة، إلى جيوب الموظفين، حسب تقرير المجلس الأعلى للحسابات، وتستطيع ضريبتان دفع أجور وزارة الداخلية.

وانخفض عدد موظفي هذه الوزارة بـ 662 موظفا كل سنة، من 2008 إلى 2014، فيما تزيد كتلة الأجور بشكل سنوي بـ 29 في المائة، وهو ما كشف عن اختلالات في وزارة الداخلية، بمنطوق القضاء المالي.

ويأتي تعبير “اختلالات”، لنعت ما تعيشه الوظيفة العمومية في وزارة الداخلية، في الصفحة 4 من خلاصة تقرير المجلس الأعلى للحسابات، يتقدمها “الانطباع السلبي لدى المواطن”، وذلك لغياب ثقافة المرفق العمومي لدى الجماعات الترابية، بالإضافة إلى الاختلالات البنيوية المرتبطة بغياب التناسب بين الموارد البشرية والمهام، واختلالات أخرى في التنظيم الإداري.

ويأتي تشريح هذه الوضعية في نقط دقيقة منها:

1) هيمنة أعوان التنفيذ على بنية الموارد البشرية لوزارة الداخلية بكل مرافقها.

2) عدم وجود أموال لتغطية التعويضات المتعلقة بمناصب المسؤولية في الجماعات، ولذلك، لا يمكن الرهان على هذه الوضعية التي تجعل المسؤولية في وزارة الداخلية مقرونة بأعوان التنفيذ، وفي ظل هذا الوضع، لا يمكن الرهان على الجودة أو الفعالية في تدبير وزارة الداخلية، ولوجود هذا التناقض، تعرف مرافقها والجماعات التابعة لها، ضعف آليات استقبال المواطنين، والتواصل معهم، وبانحسار الإصلاحات بعد 2004 في هذه الوزارة، أم السلطات العمومية، وباقي مجال تأثيرها، لم تتمكن المملكة من الوصول إلى الأهداف المسطرة لـ”غياب حكامة تمكن من قيادة الإصلاحات من الناحية الكيفية”.

 

+ غياب الحكامة الترابية، لم يجعل وزارة الداخلية قائدة للإصلاحات

 

عندما غابت الحكامة الترابية التي تقود مشاريع المغرب، غاب إصلاح السلطات العمومية،

وتعتبر بعض العبارات التي استخدمها تقرير المجلس الأعلى للحسابات، من أقوى العبارات ضد وزارة الداخلية والسلطات العمومية، في موضوع تراجع الحكامة وارتفاع الاختلالات، لتوقف تنزيل 162 تدبيرا لإصلاح الإدارة، كما جاء في مناظرة الرباط عام 2002، فتحول الإصلاح إلى ميزانيات قطاعية من غلاف مرصود ناهز 9 ملايير و600 مليون درهم.

 

+ افتحاص مبلغ 9 ملايير و600 مليون درهم، هو تحدي المغرب لوقف اختلالاته الإدارية

 

لا يمكن الحديث عن “إصلاحات” للإدارة المغربية، والإدارة الترابية بصفة خاصة، بعد 2004، لأن التدابير المتعلقة باللاتمركز الإداري، مجمدة وإجراءات مرسوم 02.05.1369 المؤرخ في 2 دجنبر 2005، متوقفة بعد 12 سنة من إصداره ونشره.

وبناء عليه، فإن افتحاص مبلغ 9 ملايير و600 مليون درهم، ضرورة فورية، لأن أهداف الغلاف، مجمدة، لعدم تفعيل إجراءات المرسوم، ويظل توزيع الاختصاصات بين المركز واللامتمركز، بلغة تقرير القضاء المالي، قائمة على وضع اليد على الخلل، ويذكر وجهان منه، الأول متعلق بحصر نقل الاختصاصات من المستوى المركزي إلى المحلي، عن طريق آلية تفويض الإمضاء، والثاني مؤسس على بقاء الصلاحيات على المستوى المركزي.

 

+ تمركز القرار في وزارة الداخلية وتقديم العامل الأمني على الاقتصادي بعد 2004، جمد كل الإصلاحات

 

وزارة واحدة هي وزارة الثقافة، أعدت مخططها التوجيهي دون أن تطبقه، ولم تقم أم الوزارات، وزارة الداخلية، بهذا الإجراء، لتتبعها باقي الوزارات، وتتوقف الإصلاحات بعد 2004.

ولم يتمكن المغرب من عدم تمركز القرار في وزارة الداخلية، فكيف له أن ينجح في مخططه الإصلاحي، وقد اختصرت السلطات العمومية في وزارة الداخلية، منذ عام 2005، ليجري تكثيف ببعض الإجراءات الجزئية عوض التعديل الشامل للنظام الأساسي للوظيفة العمومية، فيصبح موظف الداخلية لا يتعدى أن يكون موظفا عاديا.

ويعكس التأخر، حسب القضاء المالي، عجز الإدارة عن الابتكار على المستوى التنظيمي، في المزيد من تمركز القرار، وبالتالي، عدم إطلاق حركية متقدمة للموظفين.

وتتواصل المقاربة التجزيئية المسعفة، للمقاربة الأمنية التي تقودها وزارة الداخلية، وباقي الأجهزة المختصة، وتحاول أطراف إبقاء الفوارق في الوظيفة العمومية، لإعطاء امتياز لموظفي الداخلية، ومنذ أكثر من 12 سنة، لم تتحرك الوزارة لدعم الإصلاح الشمولي للوظيفة العمومية الترابية، الأجهزة المختصة، وتحاول أطراف إبقاء الفوارق في الوظيفة العمومية الترابية، وتتواصل هذه الإكراهات في غياب الالتقائية بين الإدارات، نتيجة الدور المهيمن لوزارة الاقتصاد والمالية التي يحكم عليها الهاجس المالي، ووزارة الداخلية التي يغلب عليها الهاجس الأمني، في مقابل التكتلات الفئوية (النقابات).

 

+ العلاوات والتعويضات، تمنح من بعض الحسابات الخصوصية للخزينة والغير مدرجة في الاعتمادات الخاصة لوزارة المالية

 

يبدو أن التمايز بين موظفي الوزارات، سيستمر، لأن كل شيء متعلق بالعلاوات والتعويضات، وهي غير مدرجة بالاعتمادات الخاصة بوزارة المالية، وعلى ذلك، فإن الإصلاحات مجمدة، لأن كل المنصب الإداري، معتمد على التعويضات وليس الأجر الأساسي، وكل التعويضات مرتبطة بالولاء قبل الكفاءة، بما يؤكد أن الإصلاحات متوقفة على باب وزارة الأمن الترابي، ولا يمكن تطبيق أي إجراء، دون تدخل ملكي، لأن الأمر منذ إدارة الماريشال ليوطي إلى اليوم، يسير بين البلاط الملكي ووزارة الداخلية، ولم تتغير هذه المعادلة إلى الآن.

 

+ الداخلية المغربية.. نتائج ضعيفة لميزانية ضخمة

 

إن تسليم اللجن الجهوية للاستثمار لوزارة الداخلية، بعد فشل مراكز الاستثمار، رؤية تكرر الفشل، فيما الداخلية الفرنسية، وهي النموذج المتبع في المغرب، لم تزد ميزانيتها إلا بنسبة 0.3 في المائة من أجل رقمنة الدرك والشرطة(1) التابعين للوزارة، ولا تزال شرطة الحموشي في موقف ضبابي، لرغبتها في أن تكون إلى جانب الدرك الملكي التابع للقوات المسلحة الملكية، وبالتالي، الوزارة المنتدبة للدفاع، وهي إلى الآن تتبع رسميا لوزير الداخلية.

ويحاول المغرب تجاوز هذا السؤال المحوري بالنسبة لهياكل الدولة، في رغبة منه لتسخير الداخلية في حل المشاكل الاجتماعية(2)، وقد يزيد من تعقيدها، لأن المسألة الاجتماعية ليست أمنية بالكامل، وإخضاع الداخلية للحوكمة، كما تريد أن تخضع لها الآخرين، هي البوابة الرئيسية لأي تحول، وإخضاع هذه الوزارة المحورية في المشهد للقضاء المالي، جزء رئيسي وفاعل في بناء دولة القانون.

وفضلت الداخلية إسقاط الديون للبدء في إنشاء اللجن الجهوية للاستثمار، دون المساس بالأمور التي يجب إصلاحها، وتفقدها بطريقة مباشرة.

وهذا الهروب إلى الأمام، أمام توصيات واضحة لتأهيل الموظف العمومي الترابي الذي سيباشر إجراءات الاستثمار، سيقود الميزانية نحو المزيد من إعادة إنتاج ما سبق، وإن رأى البعض في فرنسا، أن ميزانية الداخلية “ميزانية تعليمات بنفس الخطوط السابقة”، بتعبير رئيس لجنة المالية المحلية في البرلمان الفرنسي، أندري لينييل(3)، فهل يخرج الأمر في المغرب عن هذه العبارة؟

أولا، لأن المقاربات الترابية غير مدققة في أمر الجهات، وحوكمة ميزانية الموظفين العموميين الترابيين، ليست مفعلة، ولو أنها معروضة على البرلمان كميزانيات جهوية وجماعية، ونفس الشأن مع مقاصة الضريبة على القيمة المضافة.

ولا يمكن تحريك الوظيفة الاستثمارية للجهة، دون الحسم في تعريض الداخلية للافتحاص الخارجي، على الأقل عبر المجلس الأعلى للحسابات، الذي يباشر حوكمة صرف الجهات والجماعات، وإن لم يباشر بعد مراقبة مصاريف الوزارة الوصية.

والخروج من هذا التناقض، هو مطلب الملك، في ظل عدم تمييز وزارة الداخلية (الأمنية) عن الجماعات الترابية، التي يجب أن تكون وزارة مستقلة.

ومن المهم إخضاع الهيكلين معا: مجالس الجهات والوزارة للافتحاص الخارجي الدوري، أو على الأقل في مرحلة أولى، افتحاص المجلس الأعلى للحسابات، وهو ما عبر عنه الجميع بأنه تراجع عن اللاتمركز منذ قرابة عقد من الزمن، ففي 2007، عادت الأمور مع الداخلية إلى عهد البصري، فخروج علي الهمة من الوزارة، زاد من حجم التراجعات في “المسألة الاجتماعية والاقتصادية” لوزارة الداخلية.

وهذه الفكرة تلقى إجماعا في الأوساط الغربية، وأعيدت فصول مركزة أخرى للقرار في القصر، ولم يجد المغاربة متنفسا للحكامة.

واختار المغرب “تمويل مناخ الاستثمار في الجهات بإسقاط الديون” دون أي محاسبة، أو على الأقل، معرفة بالدوافع والأسباب التي أدت إلى استدانة كبيرة للمواطن تجاه الجهات والجماعات، والملاحظ، أن إصلاح واقع الديون والهبات، جزء لا يتجزأ من المعادلة المالية، لأن ديون الداخلية متطورة، وأصبحت “مسمومة” (غير قابلة للحل والاسترداد).

ويجري اتفاق على الإصلاحات التي على الداخلية مباشرتها، بإخضاعها للافتحاص العام، فالكثير لا يرغب في افتحاص جهاز الأمن الوطني التابع لها، وهو يسعى لتنفيذ التوصيات الموجهة إليه، ولا يمكن للوزارة التهرب من اختصاص المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وغيرها من المشاريع التي تباشرها بشكل ميداني، وما كان يعتقده الجميع استثنائيا، يجب أن يتحول إلى إجراء عادي، كما قال وزير الداخلية الفرنسي مؤخرا(4)، لتجاوز فجوات هيكلية، ولا يختلف المراقبون في أن الداخلية المغربية، نسخة محلية من الداخلية الفرنسية، مع احتساب عامل التأخر بين البلدين.

 

+ ديون وزارة الداخلية المغربية.. أخطر ملف على مائدة أصحاب القرار

 

لا يمكن لوزارة الداخلية، التغلب على ديونها دون حكامة تستجيب في مرحلة أولى إلى توصيات القضاء المالي بخصوص موظفيها، ومراقبة مشاريعها ضمن المؤسسات التابعة لها، ما دامت الوزارة لا ترغب في إخضاع ميزانيتها للافتحاص من جهة خارجية.

ودخلت فرنسا في افتحاص لديون داخليتها كي يستقيم “الحد الأدنى من الأداء المالي المعياري” داخل الوزارة، وأداء ديون هذه الوزارة، شيء مهم في القراءة الجديدة التي تبناها وزير الداخلية الفرنسي كريستوفر كاستنر، ويريدها العاهل المغربي، لتجاوز بعض الأعطاب التي تعاني منها داخلية بلده، وقد سلمها “الأمن الترابي”، ومواجهة مشاكل التعليم عبر المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والاستثمار ومحاربة الهجرة والإرهاب، وباقي وجوه الجريمة المنظمة، ولذلك، يمكن القول أنها “حكومة داخل الحكومة”، في مقابل الجيش من الطرف الآخر.

وتقترح الخطة الفرنسية، المزيد من رقمنة الوزارة، ليس فقط على صعيد مراكز القيادة والسيطرة الترابية، بل أيضا التوجيه والتدخل، وفي هذا السياق، يمكن:

1) التمويل المباشر لمشاريع تعزز الكفاءة الأمنية كمشاريع تقنية.

2) تمويل كل القدرات الرقمية لعمل أي مرفق في وزارة الداخلية.

3) تعزيز أمن التطبيقات، كي تزيد شفافية التعاملات بين الوزارة ونظيراتها، أو على سبيل تسهيل الشكاوى التي تخص الرشوة أو الابتزاز.

4) تجاوز التفتيش الداخلي نحو التفتيش القضائي، لأن المفتشية العامة للوزارة، تخضع للوزير.

5) خلق ميكانيزم للتعاطي مع ديون الداخلية.

6) دمج الحسابات السرية التي تستعين بها الوزارة في تدخلاتها.

وبعيدا عن قضية الوسائل، يجب العمل على التمثيل الترابي للدولة، لتمكين داخليتها من التزام دقيق وفاعل تجاه الافتحاص الخارجي والقضائي، لأن تمكين القصر من عمل شفاف في الحقائب المتصلة بالأمن المختلف، هو القادر على توفير مساحة لشفافية الدولة أمام مواطنيها، وهو سر إلزام الداخلية بتوصيات المجلس الأعلى للحسابات، بغية تحسين مردودية الموظف العمومي الترابي في مرحلة أولى.

 

+ بدون رغبتها في الافتحاص القضائي عبر المجلس الأعلى للحسابات والافتحاص الخارجي عموما، تقع  الداخلية في حالة الاستثناء “الأمني” رغم تخلص النموذج الفرنسي من هذا الأمر، بشكل مفصل للغاية

 

في المغرب، يحاول علي الهمة مرة أخرى، إعادة إطلاق الداخلية لقيادة المشهد الاقتصادي ـ الاستثماري والاجتماعي، الذي شهد قلاقل كثيرة في الآونة الأخيرة، وهي ثاني وزارة في توظيف الكادر البشري (8100 منصب حسب المادة 34 من قانون المالية لسنة 2019)، بعد وزارة الدفاع الوطني (9 آلاف منصب)، وقد خصصت الدولة برنامجا طارئا للتجنيد الإجباري.

وفيما لا يمكن إصلاح المغرب دون إصلاح داخليته، فإن “الحكامة” رهان رئيسي في إدارة المستقبل، فالقصر يميز حاليا بين الحكامة في هذه الوزارة، والحكامة الأمنية بوجه عام، فمن جهة، لا يمكن تجاوز مشكل الديون المفتوحة والخاصة بوزارة الداخلية، والبالغة في ميزانية 2019، ما قدره 3.184.930.000 درهم، والمتوقع أن تزيد في سنة 2020 لتصل إلى 3.365.696.000 درهم، وهو رقم صعب الإدارة، لأن الزيادة السنوية لديون الوزارة تصل 180.766.000 درهم، وهو مبلغ عالي المخاطر، والدعوة إلى حوكمة الوزارة، يعد أساسيا وحاسما لمستقبل المغرب.

ولا يمكن تحقيق هذه النقلة في مرحلة أولى دون إخضاع الداخلية إلى الافتحاص، لتأطير الإصلاح القطاعي المباشر لطاقمها وموظفيها الذين لم يتمكنوا من “المعالجة التقنية” للاستثمار، ومواكبة المستثمرين المحليين والأجانب، وأيضا، لم يتمكنوا من النجاعة في مواجهة بؤر الفقر عبر المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وربما وضع كل هذه الملفات المتباعدة في يد موظف الوزارة، يكشف إلى أي حد يصعب إطلاق تدبير منتج لوزارة الداخلية دون تغيير هيكلي يطالها.

 

+ في ميزانية يتفوق فيها العجز على النمو، ترغب الدولة بتجاوز مرحلة الاحتقان، ويرى الملاحظون أن “الافتحاص” قادر وحده على معادلة تمركز الحلول في وزارة الداخلية، من محاربة الفقر وإلى الإدارة الجالبة والمواكبة للاستثمار

 

رأى الإعلام المحلي، أربع أولويات في ميزانية 2019، يتقدمها الجانب الاجتماعي والاعتماد على الاستثمار الخاص(5)، وباقي الأولويات تدخل في برنامج واحد: الداخلية.

وفي قراءة لميزانية 2019، لا يمكن الجزم بأن الهاجس الاجتماعي ضاغط على قانون المالية، رغم أن رسالة العثماني تحدد سقوف الشراء في الوزارات، لكن وزارة الداخلية ووزارة الدفاع، تجاوزت هذه الملاحظات.

وسينتهي الاقتصاد الوطني هذه السنة، في منظور مندوبية التخطيط، إلى معدل نمو بـ 4.8 في المائة، وبنمو نهائي للاستهلاك بـ 5.3 في المائة(6)، مما يدل على التأثير المحدود لمعدل النمو(7)، ولذلك، يقترح البعض المزيد من تكريس الوضع(8) بالشجاعة بالاستمرار فيه، ويرى البعض الآخر، أننا أمام مقاربة جديدة منسوبة لوزير المالية، بنشعبون(9)، ولن تتقدم دون تطبيق التوصيات المرفوعة إلى الملك، من أجل إعادة هيكلة الوظيفة العمومية الترابية، لإنجاح الجهوية التي تعد رهانا محتشما أمام وصاية الداخلية، الرافضة لمراسلات المحكمة المالية الوحيدة في المغرب، وهي تقبل افتحاص الهياكل المستقلة قانونا عنها، وتمارس الوصاية عليها، دون أن تقبل هي بذات الشروط، لإطلاق نموذج ترابي شامل وشفاف يقبل الافتحاص القضائي دون استعلائية أو محاولة مركزة كل شيء في يد واحدة.

هوامش

  • Budget 2019: qui sont les ministères gagnants et perdants, huffington post.fr 24/9/2018.
  • Note de cadre 2019: la part belle au social, l’économiste, 15/8/2018.
  • Un budget 2019 en «trompe l’œil» selon le président du comité des finances locale, courrier des maires.fr.26/9/2018.
  • Déclaration de M. Christophe Castner, ministre de l’intérieur sur les crédits du ministère de l’intérieur dans le projet de la loi de finances pour 2019, à l’assemblée nationale le 6 novembre 2018.
  • Maroc: les 4 priorité affichées par le projet de loi de finances 2019, la tribune Afrique, 20/10/2018.
  • Projet de la loi finances 2019: le comte à rebours a commencé fr.360.ma, 18/8/2018.
  • Spécial enjeux de la loi de finances 2019, centre marocain de conjoncture, conjoncture.ma.
  • Pourquoi il faut oser, l’économiste, 7 sep 2018.
  • Loi de finance 2019: l’approche bancha a Bour, la nouvelle tribune, 23/10/2018.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!