في الأكشاك هذا الأسبوع
الجماهير الصامتة تكلمت خلال عرض لفريق الرجاء البيضاوي في مظاهرة لم يسبق لها نظير في المغرب، تناقلتها المواقع الإخبارية العالمية على أنها تعبير نموذجي لجماهير المستقبل. ‎

الحقيقة الضائعة | عندما انقسم المعارضون الاتحاديون إلى سماسرة ماركسيين وإسلاميين وناصريين

خصام الجنرال أوفقير مع الحسن الثاني

بقلم: مصطفى العلوي

كلما دارت بنا ساعات هذا الزمن التعيس إلا زاد أملنا في تحقيق أمانينا بئيس.

وليس هناك عمى أكثر من أن نصر – كما يريد بعضنا – على ترديد عبارة: الأمة بخير، وهي أبعد ما تكون عن الخير، لأنه عندما يبدأ أطفال المدرسة في التظاهر، تنفيذا لأوامر مؤكدة، ثم يحرقون العلم المغربي بباب البرلمان، أو ترتفع أصوات المتفرجين في ملعب للكرة، ليصفروا ضد النشيد الوطني وتغلب أصواتهم زمارات العسكريين العازفين، دون أن يصدر بيان ولا خبر عما عملته الدولة(…) لمعاقبة المحرقين أو المزمرين(…) فتلك نهاية المنتهى.

فأحرى أن نتذكر أو نأخذ الدرس من تلك الأيام التي كان فيها أقوى ملوك المغرب(…) الحسن الثاني، وهو يحكي للصحفيين والدموع في عينيه، تلك اللحظات التي اقتحم فيها العسكريون الثائرون عليه، قصره في الصخيرات، واضطر هو الملك القوي أن يختبئ في حمام الخدم بالقصر البديع، متصنتا وفي كل لحظة وقلبه يهتز، للرصاص الذي كان منطلقا كالمطر، فقتل له خيرة رجاله ونخبة دولته، ورغم ذلك يقول واحد من الانقلابيين المهاجمين، القبطان الرامي، وهو الآن في منفاه، عندما تحدث في استجواب صحفي وقال: ((بينما كان الضباط أثناء إعدادهم للمحاولة الانقلابية يخاطرون بحياتهم، فنسبة نجاح العملية الانقلابية لم تكن تتجاوز الواحد في المائة(…)، فلقد كنا نخاطر بحياتنا، أما الجنرال أوفقير، فقد كان هو أيضا يغامر بحياته، وقد كان يملك كل شيء في المغرب، ومع ذلك قام بمحاولته الانقلابية)) (جريدة زمان. 4 مارس 2003).

نِعم الحكمة.. فالثورة لا يخوضها البؤساء والفقراء.. وإنما يخطط لها نماذج الجنرال أوفقير، الذي كان يعيش ظروفا أحسن من ظروف الملك، بل إنه كان كما يصفه القبطان الرامي الذي شاركه في الانقلاب، يملك كل شيء في المغرب.

ولقد سبق أن لمحت في حلقة الحقيقة عدد 16 ماي 2003 إلى هذا القبطان الرامي، لأنه كشف في استجواب له، نُشر ثلاث سنوات بعد موت الحسن الثاني، أن القباطنة العسكريين ليسوا مجرد لابسين للكساوي المزينة بالنياشين(…) لذلك نبهني بعض المتصلين إلى أن أهتم أكثر بالدروس التي أعطاها هذا القبطان من منفاه، بعد أن عاش بعد إفلاته من الإعدام، تجارب أهمها موت ملك وتسلم ملك آخر(…) لمهامه، ولا شك أنه انتظر بعض التغيير، وأصبح مثلنا فاقدا لكل أمل في هذا التغيير.

وتأخذ تصريحاته طابع الحِكم المُبكية لنا.. نحن الذين لم ننقلب، ولم نفقد الأمل في حاضرنا ولا في مستقبلنا.

تصوروا أن الملك الحسن الثاني، بعظمته وحكمته وبعد نظره، كان مثلي أنا الصحفي المتواضع، يبحث عن طريقة للاستفادة من تجربة القبطان الرامي، عندما كان في منفاه، كان يتصل بالقبطان الرامي ويطلب منه الرجوع إلى المغرب، ليفسر هذا القبطان رغبة الحسن الثاني في عودته بأنها ((في الفترة التي كان فيها مواطنون يموتون في سجن تازمامرت كان الحسن الثاني يتصل بي، ويطلب مني العودة لأن النظام كان يشتري الكثير من النخبة بالمناصب، ولقد كانت النخبة قابلة للشراء)) (نفس المصدر).

فهل أصبحت النخبة بعد الحسن الثاني لا تباع ولا تشترى؟ أم أن سوق شراء النخبة وبيعها أقفل أبوابه في العهد الجديد؟

هنا يحكي القبطان الرامي على هذا الاستمرار الذي أصبح أزليا في أيام ما بعد الحسن الثاني(…) ويصف بدقة حقيقة الوضع الحاضر، كما يتوسع في تشريح الوضعية الحاضرة ومكونات الفشل السياسي، الذي لا يعرف أحد مصير المغرب في سوق النخاسة الذي وصفه الرامي، بقوله: ((نحن أمام مشاكل لبعض الأشخاص الذين أصبحوا يشكلون شبه عصابات ومافيات، ولا يوظفون طاقات أحزابهم في حل مشاكل الشعب.

إن هؤلاء الاتحاديين مثلا(…) تطوروا وتغيروا من ثوار إلى معجبين بالسلطة والجاه، مثل الجزائر التي تحولت من ثورة إلى انقلاب، حتى ميكاييل كورباتشوف حين حاول إنقاذ الاتحاد السوفياتي انهار المبنى فوق رأسه لأن الإصلاح لا يتم إلا بإرادة قوية، كما فعل نيلسون مانديلا، وخوان كارلوس)) (نفس المصدر).

فكيف يربط ثائر سابق(…) سر نجاح الدولة بملك إسبانيا، ولا يربط الإصلاح بالثورة على هذا الملك وعلى كل ملك(…) وهو الذي قال في استجوابه بأن ((الجنرال أوفقير كان رجلا وطنيا وتقدميا كان يسعى لتحرير المغرب من سيطرة المخزن، وقد نشر القبطان أمقران، منظم الانقلاب، نفس الكلام عن الجنرال أوفقير، وأنا الذي قبل دخولي لصفوف الجيش الملكي كانت لدي نفس الأفكار عن الجنرال أوفقير، باعتباره سفاحا ومجرما، أنا الذي بعد معاشرته تبين لي العكس. لقد عرفت بأن الجنرال أوفقير قضى ثلاثة شهور في إيفران، غاضبا على الملك، وكانت السلطة كلها في يد بلعالم بوزارة الداخلية، وكان أوفقير في عزلة، يرفض حتى الإجابة على الهاتف، ولم يرجع من إيفران إلا للمشاركة في حفل الصخيرات الذي جرت فيه المحاولة الأولى للانقلاب)) (نفس المصدر).

القبطان الرامي، يستبعد بهذا السرد عن غضبة أوفقير، أن هذا الجنرال الدموي، والتقدمي في نفس الوقت، لم يشارك في التحضير لانقلاب الصخيرات، وهذا هو السر في أن الحسن الثاني أعطاه الثقة كلها في تدارك انقلاب الصخيرات، ليلة هذا الانقلاب نفسه، وأن انقلابه الثاني بعد سنة، كان نتيجة أخطاء أخرى(…).

وإن كانت التجربة التي خاضها الرامي بعد هروبه من المغرب، أعطته من الدروس ما يجعله أقرب إلى الناصح أكثر من قربه إلى الثائر.

وقتها كان العقيد القذافي يشحد السكاكين لذبح النظام المغربي، فاستقطب النخبة المتطرفة(…) من الاتحاديين، ليجعل منهم رأس الرمح الذي سيطعن به نظام الحسن الثاني، الذي كان أذكى منه، حين دعاه إلى إقامة اتحادين المغرب وليبيا، وقبل القذافي عرض الحسن الثاني، لأن القذافي حسب القبطان الرامي، اكتشف مثل الرامي تفاهة المعارضة الاتحادية التي كانت مستقرة عنده، رغم التحاق القبطان الرامي بأقطاب هذه المعارضة التقدمية، وكانت أجهزة القذافي، قد مهدت لإسكان القبطان الرامي مع الأقطاب الاتحاديين في البيت الذي خصص لهم في مدينة طرابلس، علهم يبرعون في تنظيم الانقلاب الكبير.

((وطلب مني الاتحاديون أن أدرب نخبة من المغاربة على السلاح، لكنهم اشترطوا علي عدم الحديث في السياسة. تصوروا كيف سأدرب مقاتلين على حمل السلاح دون أن أتطرق معهم إلى المشاكل السياسية لأن الإخوان الاتحاديين، في الواقع لم يكونوا يبحثون عن مقاتلين، وإنما عن مرتزقة. وأذكر أن واحدا منهم، آيت قدور، اختلى بي بعدما عرف برفضي للطريقة التي تسير بها الأمور ودعاني إلى إبداء الاحترام للفقيه البصري)) (نفس المصدر).

وبهذا العرض من طرف من أسماه الرامي بآيت قدور، يكشف هذا القبطان الباحث(…) عن خبايا الداء الذي لم بحزب الاتحاد الاشتراكي، بل خرب المغرب كله، وهو داء الانفصال الذي ينخر هياكل الأحزاب المغربية كلها.

تصوروا أن المعارضة الاتحادية في ليبيا، وكانت تحضر لانقلاب في المغرب، انقسمت في اتجاهاتها، وهي على أرض المعارضة الليبية، بعد أن أصبح واحد من كبار المعارضين المغاربة في ليبيا، ماركسي لينيني، كان يزود الرامي بكتب كارل ماركس، وهو يعرف أنه ناصري مؤيد لثورة جمال عبد الناصر، وقد أصر في استجوابه هذا على التأكيد، وكأنه يلمح إلى اتجاه كان سائدا بين المعارضين المغاربة في ليبيا، فكتب: ((أنا لم أقل يوما الشهيد المهدي بنبركة، ولا أستعمل كلمة الشهيد)) (نفس المصدر)، ملمحا إلى أن بعض المعارضين كانوا إسلاميين، ويتهمون بعضهم بالإسلاميين المتطرفين.

كما أنه يحكي الجانب الديكتاتوري عند أولئك الاتحاديين اللاجئين في ليبيا، فيحكي: ((عندما كنت أسكن معهم في بيت واحد بطرابلس، رن جرس الباب، وخرج واحد منهم من المرحاض، فوجد أنني فتحت الباب، فنهرني بشدة وأمرني بعدم تكرار تصرفي بدون إذنه، وهددني بالقتل إن أنا عدت، فقلت في نفسي هل أنا مع مناضلين في بيت واحد، أم عدو تستعمل معه كلمة التصفية، لقد وجدت نفسي مع مجموعة تتصرف تصرف البيزنيس، والرغبة في الحصول على الأموال ويخافون أن يتدخل أي أحد لمعرفة أسرارهم)) (نفس المصدر).

أهكذا تحضر الثورات، أو هكذا يفكر في حكم المغرب من لهم هذه التصرفات، إن أخذوا بها الحكم.

إن تجربة القبطان الرامي المكتوبة هي مدرسة تستحق دروسها المزيد من التعمق والبحث.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!