في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف الأسبوع | كيف تعيش المملكة فداحة عجزها الكامل في القرى ؟

إعداد: عبد الحميد العوني

توصلت مديرية العمليات في البنك الدولي، بنتائج افتحاص الصحة في المناطق القروية بالمغرب، تحت الرقم 8507 لسنة 2017 عبر تقرير نهائي بعدد 5979 شهر غشت 2018، جاءت فيه هذه الخلاصات الصادمة:

1) أن لجنة الحكامة بالتعاقد، ليست إجرائية.

2) عدم تجاوب الجماعات الترابية مع البرامج الصحية في القرى.

3) التأخيرات القادمة لتزويد القرويين بالدواء من الوزارة، رغم تمويل هذه العطاءات من جهات خارجية.

4) هيمنة الوزارة على صفقات الدواء.

5) غياب التأمين في عروض الصفقات، في خرق للمادة 25 من القانون المنظم لها.

6) عدم تحديد من يستقبل الدواء في القرى.

7) عدم مطابقة الإطار المعياري لتخزين المواد الصيدلية في جهة فاس ـ مكناس، والمحاسبة في تطوان.

8) ضعف مؤامرات الأداء الصحي.

ولذلك، جاءت التوصيات في 18 ماي الماضي، متضمنة نجاعة توزيع الدواء والمزيد من الشفافية على صعيد صفقات الوزارة، وخصوصا مطابقة الدواء لما في الاتفاقيات الموقعة مع الموردين، وإن حدث هذا التعامل مع برنامج دولي مراقب، فكيف يكون الأمر مع البرامج المحلية؟ ذلك أن المملكة تعاني من بنية صحية شفافة مع برامج التداوي والوقاية والعمل الجراحي إلى الحد الذي يمكن فيه القول عن موت الصحة في وزارة الصحة، لفداحة عجزها الكامل في القرى، وعدم وصول الحضريين إلى النجاعة الصحية في مختلف المستشفيات.

 

_________

+ غياب القرارات واللجن العاملة في برامج المساعدة الدولية.. فكيف الحال مع برنامج الوزارة؟

 

لم يكن الافتحاص الصادر أخيرا عن البنك الدولي، قادرا على استيعاب عدم تشكيل لجن عمل في وزارة الصحة وغياب القرارات، بل وعطالة مناصب أساسية في الوزارة، منتقدا ما سماه:

1) مركزية مهمة شراء الدواء في المغرب، وهذه المركزية التي تمارسها وزارة الصحة عبر شخص كاتبها العام، ليست مطابقة لمعايير التدبير العالمي، ويكون في هذه الحالة الكاتب العام في الوزارة، هو المكلف بتنفيذ كل مصاريف المديريات، وتأمين الحصول وتخزين وتوزيع كل الأدوية والمواد الصيدلية، وباقي مواد الإطعام لصالح المرضى في المستشفيات العمومية.

ولا يمكن، حسب التقرير، لارتباط كل شيء بالكاتب العام، ممارسة تفتيش داخلي أساسي تقوم به مفتشية وزارة الصحة، ولأن قسم المشتريات التابع رأسا للكاتب العام ليس ضمن الهيكلة العادية للمديريات، فإن على الوزارة أن تشتري الدواء عبر إحدى مديرياتها، لتمكين المحاسبة من الوصول إلى مداها.

ومن الغريب أن قسم المشتريات، يتفوق في نفوذه على كل المديريات، ويستطيع متابعة كل خطوات المسار الذي يقطعه الدواء، من شرائه إلى توزيعه، وبناء عليه، يمركز الكاتب العام شراء وتخزين وتوزيع الدواء وباقي المواد الصيدلية عبر ربوع الوطن، بما يطرح سؤال الجودة على عروض الدواء المقدمة والموجهة تحديدا إلى القرى والمستوصفات البعيدة.

وكما سبق، لا حظ التقرير:

ـ تأخيرات كبيرة تتجاوز السنة للإجابة عن حاجيات دوائية لجهات عدة في المملكة.

ـ صعوبات في الإجابة عن طلبات تخص الانقطاع في التزود بالدواء.

ـ استحالة الإجابة عن طلبات لها صفة الاستعجال للتزود بالدواء.

2) وزارة الصحة لا تقدم الوثائق المطلوبة للجهات الدولية، لذلك، فالوزارة تحاول قيادة برامج، بما فيها البرامج الممولة من جهات خارجية في غياب التوجيه، وردت الوزارة بوثيقة تؤكد تكوين لجن دون محاضر عمل مدققة مستشرفة للمخاطر، وسكتت عن تأخير الأدوية لمدة تصل إلى السنة في وصولها إلى المستشفيات.

3) غياب إجراءات مكتوبة متصلة بالجودة على صعيد النظام الصحي المغربي، وتحديدا نظام تدبير المعلومة، كما في حالة المراقبة على سبيل المثال، ولذلك، فمن الطبيعي تحديد تقني واحد على الأقل لـ”رقمنة المعطيات”.

4) الملاحظات التي أبداها البنك الدولي لوزارة الصحة على صعيد التخطيط والميزانية والمحاسبة والمراقبة الداخلية، وميكانيزمات تدفق الأموال والتقارير المالية، وتنظيم الافتحاصات، هي ملاحظات جدية لتحسين التدبير المالي للصحة العمومية.

وفي تجربتها بشأن بوابة أطلقتها الوزارة في 2017 حول الأمومة وصحة الأطفال والتخطيط العائلي، فإن كثيرا من النواقص سجلها افتحاص ماي 2017، ودائما في إطار غياب “الإجراءات المكتوبة” بخصوص مراقبة الجودة في المستشفيات، كما على صعيد باقي النظام الصحي للمملكة، إضافة إلى مؤشر آخر يتمثل في النظام المعلوماتي “إ. إل. دي7″، الذي عملت عليه جهة ترابية واحدة من أجل تحسين فعالية عملها على صعيد عرض العلاقات والأداء الطبي واتخاذ القرارات.

وسيكون أي نظام معلوماتي مندمج لوزارة الصحة، مدعاة لتسجيل الشكايات وانقطاعات الدواء، خصوصا وأن الوزارة ليس لديها خطة تواصل على الصعيد الترابي تستهدف المراكز الصحية، كما يقول التقرير.

5) أن برنامج الصحة الأساسية للقرى المغربية، وجدت صعوبات في القرى المغربية رغم التمويل الأجنبي، بما كشف عن آليات الوزارة في العمل المرتبط بالنتائج، وهي مقاربة لم تنجح في انتظام المصاريف على صعيد مديرية المستشفيات، وقسم المشتريات على حد سواء.

ويورد التقرير مثال أدوية السكري والضغط المرتفع، حيث أطلقت الوزارة لتزويد المستشفيات بالدوائين، طلبي عروض تحت الرقم 9/2016 و11/2016، بمبلغ 315.320.517.45 درهما و133.894.138.77 درهما، وظهر ما سماه التقرير بأسلوب أقل حدة، “قصورا على صعيد المنافسة”، وردت الوزارة بأن نموذجها يجب أن يتطور، وأنها في مرحلة تفكير لأجل هذه الغاية، لتجاوز المعضلات القائمة.

وقد لاحظ التقرير ضعفا في مشاركة الشركات بصفقات الدواء، لعدة أسباب، منها:

ـ هيمنة قسم المشتريات التابع للكاتب العام للوزارة، على اللجن التقنية، وعلى المديريات الخمس التي ليس لها أي دور في صفقات شراء الدواء.

ـ غياب التأمين على صفقات الدواء الموزع في المستشفيات.

 

+ الكاتب العام بوزارة الصحة مع قسمه للمشتريات، هو الوزارة !

 

قد تكون محورية الكاتب العام في وزارة الصحة، هي النقطة السلبية الرئيسية في توزيع الاختصاصات، وهو ما يؤثر بشكل جوهري على المساعدات والتمويلات الموجهة للمملكة في قطاع حساس يهم صحة المنتج والمستثمر والعامل المغربي، والمرأة والطفل القرويين تحديدا.

ويواجه قطاع الصحة تأخيرا في وصول الأدوية إلى المريض بعام كامل على الأقل، وأصبحت أزمة تدفق الدواء تشكل انهيارا على مستوى السياسة الصحية، لأنها تعود إلى طريقة شراء الأدوية التي اختارتها الوزارة، ومواصلة شراء الدواء عبر قسم مركزي في الرباط لكامل المغرب، وتوزيعه غير المباشر عبر تخزينه ببرشيد والدار البيضاء، تعد في نظر جهة الافتحاص، قضية غير مقبولة، ولا يمكن حل المشاكل العالقة، ومنها، اختصار مدة التسليم، وكلفة الاستحواذ، والإجابة عن طلبات الدواء بشكل استعجالي، وتثمين مدة صلاحية الدواء، وتحميل المسؤولية المباشرة للمستعملين دون تجاوز محورية الكاتب العام في شراء الدواء.

وأي تطوير في سياسة الدواء بالمغرب، يبدأ رأسا من لائحة المراقبة، ومتابعة صفقات الدواء، من العرض إلى الدفع عبر التوقيع، والتأشير، ثم باقي المراحل.

وحاليا، ليس هناك تحيين للوائح، وهو ما يخلط بين الصفقات المنجزة وغير المنجزة، لأن المتابعة ليست محققة دون وثيقة محينة في كل أطوار الصفقة.

وببساطة، يضرب التقرير مثالا بإذن الاستلام “سي 17 فا 10 150” المؤرخ في 29 و30 غشت 2017، فيما تاريخ الاستلام في الإدارة هو 23 أكتوبر من نفس السنة.

ويرى الخبراء أن تفكيك هيمنة الكاتب العام للوزارة على شراء الأدوية والسياسة الدوائية عموما، هو الحل، رغم أن ليبراليتها سببت في كوارث، لذلك، على وزارة الصحة العمل على الالتزام بما وقعت عليه، وتسجيل مراحل الصفقات، لرفع مؤشرات التدبير والجودة من خلال:

المؤشر الأول: نسبة الجهات التي كونت خلية افتحاص إلى جانب ميزانية مضبوطة البنود.

المؤشر الثاني: نسبة الأشخاص (مديريات جهوية وإقليمية) الذين تلقوا تكوينا حول الصفقات والتدبير المالي، وإن في يومين.

المؤشر الثالث: نسبة العمالات التي لديها خطة عمل في تدبيرها للصحة.

المؤشر الرابع: نسبة التوصيات التي تعمل عليها خطط العمل في العمالات.

وهذه الصورة المصغرة ترمي في إطار التدبير الشفاف، إلى رفع منسوب الشفافية في العمل، والتدخل لبناء سياسة صحية فاعلة وقادرة على الوصول إلى الأهداف المحددة.

وحسب التقرير، فإن إنجاز المؤشر الأول، لا يتجاوز خلية واحدة، فيما المؤشر الثاني، اصطدم بعدم معرفة العاملين على مستوى المديريات الجهوية للصحة، إذ سجل معامل الفاعل الإداري والصفقات، حدودا دنيا تراوحت بين 2.5 في المائة في فاس ومكناس و2 في المائة بالجهة الشرقية و3.2 في المائة بسوس ماسة و3.8 في المائة بمراكش، والنسب المحددة على صعيد التراب الوطني، ضعيفة، بين 2 و13 في المائة.

ولذلك، فإن مؤشرين على الأقل، في الدرجة صفر.

 

+ نقل الدواء، مشكلة كارثية أخرى في وصول العلاج إلى القرى

 

إن وصول الدواء إلى القرى، مشكلة معقدة، يتقدمها مشكل نقله عبر الوسائط الكبيرة، بالإضافة إلى غياب تنظيم التخزين في ظروف مقبولة، ونجحت تجربة جامعة الأخوين، وأثارت الغرب في وصول آلياتها الطبية إلى مناطق معزولة، بطريقة ناجحة للغاية.

ومن أجل حل هذا المشكل، لابد للوزارة من تسريع نجاعتها للتدخل، وتجاوز غياب وسائل الحماية المعروفة لنقل مواد حساسة وهامة، وأيضا العمل على برنامج معلوماتي لتدبير التخزين، يبدأ بالصيدليات.

 

+ التخزين مشكلة متقدمة في المغرب، وإبعاد الرطوبة عن مخازن الدواء، لم تأخذه الوزارة بعين الانتباه في إطار “الصيدلية الجهوية”

 

جاء اقتراح أطراف دولية ومحلية في 2011 لما يسمى “الصيدلية الجهوية”، من أجل حل مشكل التخزين الذي يعصف بوصول الدواء إلى القرى، وتزداد الأمور صعوبة، لأن الإحصائيات المدرجة في برنامج واحد، تبدو صادمة وتزداد خطورة كل سنة، فمعدل العجز عن وصول الدواء إلى مندوبية طنجة أصيلة، هو 77 في المائة عام 2015، وانتقل إلى 94 في المائة عام 2016، أي أن 4 في المائة فقط من الدواء، وصلت إلى هذه النقطة الترابية واستفاد منها 2000 مريض طيلة السنة، وخسر 50000 مريض الولوج إلى العلاج والدواء المجانيين.

وحسب الإحصائيات الحقيقية، فإن الدواء “مونسيفاكس” لا يوجد في اللوائح الرسمية، وفي الواقع وجدت 6500 وحدة منه، فيما اللائحة الرقمية تسجل عجزا بناقص 440، وهكذا، بالنسبة لباقي الأدوية الموزعة لمرضى السكري وارتفاع الضغط.

وترفض الوزارة هذه الاستنتاجات، فيما تؤكد جهة الافتحاص على مصداقية معلوماتها، وهي تدققها بجداول، منها تدقيق المساعدات الموجهة إلى القرى، وحسب الإحصائيات المنشورة، فقد وصلت المساعدات الدولية إلى 14 مليون دولار لمراقبة الحوامل، و14 مليون دولار للإنجاب، مع 8 ملايين دولار أخرى لتخفيف الأوجاع عند الولادة، و10 ملايين دولار للأطفال أقل من 5 سنوات، و20 مليون دولار لمرضى السكري، و10 ملايين دولار للكشوفات، لتصل إلى 100 مليون دولار.

وتبقى هذه المساعدات، مركزية للقرى والفقراء، بسبب تراجع الدولة عن تمويل هذا القطاع، وبطريقة تخفف من الأثار الكارثية لقطاع حيوي يلجأ إليه الجميع، لتخفيف الألم وتحسين الأداء الوظيفي والعملي، وسبق للبنك الدولي أن أكد في تقرير سابق له، على ارتفاع عامل عدم المساواة أو “اللامساواة” في الصحة والتغذية، كما كتب فريق عمل متخصص متكون من كل من ريتوشابا وديبورا فازيراني وإليزابيث لول ونانديني أومان.

ونتيجة الفجوة السوسيواقتصادية التي تتطور بين الجهات، والمدن والقرى، وبين الأجيال في المملكة، فإن الخلاصات التي توصل إليها البحث ترمي إلى:

ـ التمويل الدولي للصحة في المغرب، لتجاوز الفجوة التي أحدثتها السياسات العمومية في الصحة والسكن.

ـ رفع المساعدات التمريضية والاستشفائية إلى المعايير الدولية.

 

+ وزارة الصحة لا تنتج سياسة استشفائية، وتغطي أقل من 50 في المائة من المصاريف الإجمالية للقطاع

 

لسنوات، تغطي وزارة الصحة 41 في المائة من مصاريف العلاج والدواء في المملكة، ويتفاقم العجز رغم توسيع  نظام التغطية الصحية، بانتقال المملكة من الإدلاء بشهادة الضعف أو الاحتياج إلى بطاقة “راميد”، لكن البنية التحتية، يتقدمها الأطباء الذين قل عددهم إلى 0.5 لكل 1000 نسمة، وأسرة المستشفيات إلى 1 في المائة لكل 1000 نسمة، لا تزال شديدة الهشاشة، فيما يعاني 18 في المائة من ساكنة المملكة، من ضعف الوصول إلى المياه وعدم جودتها، كما يعاني ربع الشعب المغربي، من عدم وجود صرف صحي، مما يرفع الأمراض، في وقت خصصت فيه الوزارة 24 ألف سرير لـ 6 ملايين نسمة، ولا تتجاوز الصحة 1.1 في المائة من الناتج الداخلي الخام، و5.5 في المائة من الميزانية العامة، طبقا لقسم الأبحاث الفيدرالي لمكتبة الكونغريس، الصادر في 2006.

ومنذ أول سياسة صحية للمغرب في 1959، عملت الدولة على “مجانية الخدمة” دون رفع معدلات الحكامة والاستثمار في هذا القطاع، لذلك، وجهت جهودها إلى تعميم “الصحة الأساسية” لكل المواطنين، خصوصا الفقراء وأصحاب الدخول الضعيفة.

وحسب الإحصائيات، فإن الأمراض القاتلة في المملكة، تخص الدورة الدموية بـ 20.4 في المائة والأمراض التنفسية بـ 9.3 في المائة، والسرطان 8.5 في المائة، فيما تكون التغذية وحدها مسببة في وفيات تصل إلى 7.6 في المائة، وهو رقم مرتفع يؤكد أن النظام الغذائي الحالي للمغاربة، يقتل، لعدم وجود رقابة صارمة على المضافات الصناعية الغذائية، وغيرها من العوامل التي تجعل الأمور أسوأ.

من جهة، يسبب ضعف ميزانية الصحة أزمة هيكلية لحياة المواطن، يزيدها تفاقما ضعف الحكامة في القطاع، ومن جهة أخرى، لا يتقدم المغرب باتجاه تعريف منظمة الصحة العالمية للصحة، وتعني الوصول إلى حالة من اكتمال السلامة البدنية والنفسية والعقلية والاجتماعية، وليست مجرد الخلو من المرض أو العجز، لذلك، فإن قطاع الصحة في المملكة، يعاني من أزمة تسيير، لعدم نقل الصلاحيات إلى المديريات الجهوية، وعدم استقلالية المستشفيات الجامعية الكبرى، بما يجعلها أقل رقابة، لذلك، لم يستطع خلق منظومة صحية متكاملة ومسؤولة من خلال التقسيم الترابي الجهوي، وسبق لوزير الصحة في 2012، أن صرح بأن بلده تعرف 50 مستشفى بدون مدير، ببساطة، لضعف التعويضات الممنوحة، إذ يمكن لموظف في السلم 11، أن يتلقى تعويضات بـ 300 درهم في السنة، أي 16 سنتيما في اليوم؟

وبمعدل 12 ألف نسمة لكل مركز صحي في القرى، ومركز لكل 43 ألف نسمة في المدينة، يكاد قطاع الصحة أن يتخلى عن دوره بعد دفع العائلة المغربية لـ 57 في المائة من نفقات العلاج، على أن نسبة الاستشفاء لا تزيد عن 4.7 في المائة، وترتفع في تونس إلى 300 في المائة عما هي عليه في المملكة، ويطرح المراقبون سؤال: لماذا هذا التدهور الخطير للموارد البشرية في هذه الوزارة؟

 

+ نقص مهول في الكادر الطبي، إلى حدود يمكن معها إعلان الموت الإكلينيكي لقطاع الصحة في المغرب

 

في بلد تتجاوز ساكنته 30 مليون نسمة، لا يتجاوز كادره الطبي 47 ألف موظف في قطاع الصحة، منهم 46 طبيبا لـ 100 ألف نسمة، و10 ممرضين لكل 10 آلاف نسمة، وهي أرقام تصنف المغرب من بين 57 دولة تعاني نقصا حادا في الكادر الطبي، حسب منظمة الصحة العالمية.

وترى هذه المنظمة في استراتيجية تعاونها مع المغرب، والتي دام إنجازها 15 شهرا، من ماي 2015 إلى غشت 2016، لإنجاز خطتها 2017 ـ 2021، أن من الطبيعي إعادة تنظيم القطاع وإعادة هيكلته بما يناسب الأهداف المسطرة.

ومن الصادم أن يؤكد تقرير المنظمة في الصفحة الخامسة عشر، أن 20 في المائة من الساكنة في المملكة، تقطع 10 كيلومترات من أجل معلومة صحية، وفي القرى، تكون المؤشرات أكثر سلبية:

ـ 0.6 اتصال من القروي المغربي مع مركز استشفائي أو خدمة تتبع لوزارة الصحة في السنة.

ـ أقل من 5 في المائة، معدل الاستشفاء في المستشفيات العمومية.

ونتيجة لذلك، فإن الإطار الصحي لا يعمل في ظل هذه المعدلات المتدهورة، خصوصا بعد تدهور الموارد البشرية المنتسبة لهذا القطاع.

وتقترح المنظمة أمرين بشكل فوري:

ـ أساليب جديدة مع الموارد البشرية: أطباء وممرضين ومساعدين.

ـ تحفيزات مهمة لصالح هذه الفئة، خوفا من تدهور إضافي للصحة في المملكة، فالأطباء يهربون، والموظفون المركزيون في الوزارة يحتكرون القرار، وتتصاعد الأزمة بشكل كبير.

وتبعا لهذه الأوضاع، فإن عدم وجود تمويل موجه للعاملين في الصحة، وعدم وجود حكامة في كل الخدمات، يؤسسان لإفلاس خدماتي سيزيد وقعه مع الأيام، خصوصا وأن إحصائيات منظمة الصحة العالمية، تزيد من سوداوية المشهد، يقول تقرير المنظمة: “إن 38 في المائة من الأطباء خارج المراكز الجامعية، يمارسون في جهتين ترابيتين: الرباط سلا والدار البيضاء الكبرى، ويزيد تداخل الاختصاصات مع وجود 6.2 طبيب و9.7 ممرض، لكل 10 آلاف نسمة.

وحاولت المملكة رفع نفقاتها على الصحة بـ 59 دولارا للشخص في 2001، لكن التزايد الديمغرافي وضعف الحكامة، أفرغا كل إصلاح من محتواه، وتواصلت الانتقادات، لأن الصفقات في مجملها ليست بالوضوح الكافي، وهو ما تتضمنه الافتحاصات الداخلية لمشاريع الوزارة، وأيضا لشركاتها مع الخارج.

ورأت منظمة الصحة العالمية، 5 ضرورات عاجلة لتجاوز المأزق:

1) رفع ميزانية وزارة الصحة والتي لا تتجاوز 5.2 في المائة من الميزانية العامة.

2) نفقات وزارة الصحة المباشرة مرتفعة، وبلغت 53.6 في المائة عام 2018، ويجب استبدال نمط تدبيرها الحالي.

3) أن توسيع التغطية الصحية نحو القطاع غير المهيكل والمستقلين، يجب أن يكون جزء من عمل الوزارة، طبقا لميزانية وطنية ولمعايير منظمة الصحة العالمية، وتبعا أيضا لتدبير الموارد بطريقة ناجعة.

4) تشديد الحكامة داخل الوزارة، ورفض مركزيتها في موضوع الدواء.

5) تقييم منظمة الصحة العالمية لعمل الموظفين في الصحة والوزارة.

وفي هذا الإطار، فإن استنتاجات منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي في تمويل الصحة في القرى، لا يختلفان في التوصيات الموجهة إلى الحكومة، والقصر على حد سواء، وطبقا لهذه التوصيات التي تصل إلى 27 توصية بين المنظمة والبنك، وتسود قناعة مفادها أن قطاع الصحة، يجب أن يخضع لصرامة في التدبير، وإلى رؤية عرفت منازعة في إطار العمل المشترك مع مؤسسات التمويل الدولية والاستشارة.

وتتفق تقارير البنك الدولي حول الصحة(1) ومنظمة الصحة العالمية(2) على حكامة القطاع وتمويله بشكل كاف، للقضاء على الأمراض، فالمملكة يموت فيها 104 أشخاص في كل مائة ألف، جراء الأمراض المعدية، و597 شخصا عبر الأمراض المعدية في كل مائة ألف(3)، فيما السرطان وأمراض التغذية، وتشمل السكري وأمراض الضغط المرتفع،  تشكل 40 في المائة من الوفيات(4)، وهي أمراض محددة يسهل التدخل لاحتوائها عبر المراقبة الصارمة للمبيدات الموجهة للخضروات والفواكه، وباقي الإجراءات التي تتركها وزارة الصحة لباقي القطاعات الوزارية، ويجب رفع عوامل الحماية والمراقبة الداخلية والخارجية، وإخراج المؤسسة الوطنية للصحة العمومية إلى الوجود، حسب منظمة الصحة العالمية(5)، مع تطوير كبير لميكانيزمات التنمية البشرية، كما توصي الأمم المتحدة(6).

واقترحت منظمة الصحة العالمية، إطارا حاسما للإجابة عن مشاكل الصحة في المملكة لا يخرج عن مخطط الوزارة، لكن بمقاربات تكميلية ورفع ضروري من مستوى الحكامة الصحية في المملكة.

واعتماد الغربيين على تحسين الحكامة لتحسين الأداء في قطاع الصحة، له ما يبرره في الاختصاصات، إلى جانب دعوة الحكومة ودوائر القرار في المملكة، إلى الرفع من ميزانية الصحة، فتدهور صحة الإنسان ينقص من مستويات الإنتاج والعمل ومعدلات الجودة، وقدمت العمل الطبي للجيش على القطاع الخاص، ولذلك اعتباره الدقيق في نظرة المنظمات الدولية لحالة الصحة في المغرب، ولذلك، فالكتاب الأبيض يتضمن نقطة مركزية: “حكامة جديدة لقطاع الصحة”(7)، إذ لا يمكن الوصول إلى الاصطلاح الاستشفائي في المملكة والتغطية الصحية الأساسية، دون شفافية في صفقات الدواء والعمل على لامركزية في القرار الطبي، الموجه للمواطن القروي قبل الحضري.

وتعترف المنظمة في تقريرها عن استراتيجية التعاون مع المغرب، بالخلل بين الجهات، في الأداء وندرة الموارد البشرية، و”وجود قطاع خاص قوي”، لكنه غير مراقب من السلطات، ولابد في هذه الشروط من تعزيز الحكامة لجلب المساعدات الدولية، فمثلا في سنتي 2012 و2013، استفادت وزارة الصحة من 48 شريكا تقنيا وماليا، منهم 35 فاعلا دوليا وفقط 13 فاعلا وطنيا، وتهدر الرباط جاذبيتها لشراكات دولية فاعلة، بسبب المستوى المنخفض لحكامتها، وحسب الحسابات المالية لوزارة الصحة لعام 2011، فالمبلغ العام لتمويل الصحة في المملكة، عبر الشراكات الدولية، بلغ 531 مليون درهم، أي حوالي 1.1 في المائة من مخصصات الدولة في قطاع الصحة.

ويمكن تطوير هذا الرقم، إن تأكد الشركاء الأجانب من المعايير التي يتفق عليها البنك الدولي والاتحاد الأوروبي، وباقي الممولين.

وتعمل هذه الأطراف، على أمر رئيسي يتداوله سرا الزائرون للمملكة، ويتمثل في نقل مهمة شراء الدواء من قسم المشتريات إلى مديرية التخطيط والموارد المالية، التي يتبع لها قسم التعاون المشرف على هذه الشراكات، وترى مصادر “الأسبوع”، أن الأطراف الدولية تريد تسهيل جذب التمويلات الخارجية من خلال مخطط إداري للوزارة يستوفي المعايير الدولية المطلوبة، خصوصا وأن مفتشية الوزارة تؤيد هذه التوصيات الدولية، حسب آخر افتحاص للبنك الدولي، ولا يزال الوزير الحالي مترددا في إقرار هذه الخطوة، رغم أنها مطلوبة في “المتابعة التقنية” لمنظمة الصحة العالمية، المرتكزة إلى الآن، على دعم منظومة الصحة المغربية، وعلى الرفع من حكامتها، لإنجاحها مخطط التعاون مع معايير منظمة الصحة العالمية، وتضغط المنظمة، كما جاء في الصفحة 22 من تقريرها، لأن يكون التعاون مع المغرب، رديف تعاونه مع منظومة الأمم المتحدة.

ويزيد الضغط من أجل إحداث تحول “هادئ وعميق” في وزارة الصحة، من خلال تعديلات إدارية جوهرية، لتحسين شروط تمويل الدواء، ووصوله إلى الراغبين به، خصوصا في كل ما يتعلق بـ “الوقاية”، خصوصا فيما يتعلق بالسيدا وصحة الأطفال والصحة العقلية والتسممات والصحة الجنسية والمحددات الاجتماعية للصحة(8).

والطب الجديد، طب وقائي، حسب المعايير الأممية، ولذلك، نجحت منظمة الصحة العالمية في الوصول والتعاون مع أربعة شركاء: مركز الرباط لمحاربة السموم، والمكتب الوطني للماء الصالح للشرب والكهرباء، والمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بخصوص الصحة العقلية، وأيضا مؤسسة للاسلمى لمرضى السرطان.

ويبدو أن منظمة الصحة العالمية، تحاول رفع الحكامة من خلال الشراكة، لكن جذب المملكة للتمويلات الصحية، سيبقى ضعيفا إلى أن تقرر الوزارة تغيير استراتيجيتها كليا، للأخذ بالمعايير المعتمدة، وفي مقدمتها:

ـ متابعة رفع الجودة في إطار استراتيجية صحية وأمن صحي معلن.

ـ دعم إصلاح الوصول إلى علاجات الصحة الأساسية التي تتمحور على الشخص وطب العائلة.

ـ تقوية التنسيق بين كل مستويات الهرم الصحي ومختلف المتدخلين والقطاع الخاص.

ـ المساهمة في سياسة صيدلانية وطنية، وكل هذه العوامل تتطلب حكامة عالية للقطاع الصحي، بغية الدخول في رهانات ما بعد 2021.

 

+ مشكل وزارة الصحة، يدور حول الحكامة

 

بإجماع الفاعلين والشركاء الدوليين لوزارة الصحة، هناك نقطتان تدور حولهما السياسة الجديدة للقطاع، وهما المتمثلتان في ضرورة رفع ميزانية الوزارة، ورفع مستوى حكامة القطاع، للوصول إلى الأهداف التي قررتها الأمم المتحدة والمخطط الاستراتيجي لسكرتارية منظمة الصحة العالمية، ويرغب الممولون في أن يكون للمنظمة الدور المحوري والفاعل، من خلال ميكانيزمات متعددة القطاعات والأطراف، لأن تنمية صحية دون تنمية بشرية، تضمن تجاوز الفجوة بين الجهات والأقاليم على المستوى الترابي، وباقي المستويات، لأن السياسة الصحية التي تدمج كل مستويات المراقبة والحكامة، قادرة على مواجهة الأمراض بشكل مباشر، وفق مخطط عمل يخص كل مرض على حدة.

وفي هذا الإطار، يمكن للمساعدات الدولية التي تفرض شروط الحكامة الناضجة والافتحاصات، أن تؤثر في وضع وزاري لا يتغير مع الأشخاص والأحزاب، لأن الوجه البيروقراطي الضاغط، يكرس توجها يفرض تفكيكه، وتعديل نماذج مباشرة على مستوى عمل وافتحاص المديريات والصفقات والرؤى التقنية عن الأمراض والأوبئة.

ومن المهم، العمل على مديرية خاصة بالعالم القروي في وزارة الصحة، لمواجهة المشاكل المستعصية على مستوى الوقاية من سم العقارب والأفاعي، إلى حماية الفلاح من المبيدات المحرمة، وأيضا بما يحفز التعاون التقني الواسع مع منظمة الصحة العالمية، والبحث عن رفع التمويلات الموجهة لأمراض مستعصية أو جهات متضررة، ولن يكون الأمر عاديا دون تبني معايير الحكامة في قطاع الصحة، كي يكون بصحة جيدة قبل أي شيء آخر.

هوامش

  • Rapport audit santé primaire 2017.
  • Stratégie de coopération OMS 2017 – 2021, bureau régional.
  • OMS, rapport sur les statistiques mondiale, 2013.
  • Ministère de la santé, enquête nationale sur la population et la santé familiale.
  • OMS, évaluation des fonctions de la santé publique essentielles au Maroc, rapport technique, janvier 2015.
  • Ministère de la santé (ENPDF) pnud (rapport sur le développement humain 2015) rapport HCP 2015.
  • 2 conférences nationale sur la santé, Marrakech 1-3 juillet 2013.
  • Plan-cadre des nations unis pour l’appui au développement, rapport annuel 2014.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!