في الأكشاك هذا الأسبوع
ربيع الخليع، مدير مكتب السكك الحديدية خلال تدشين "تي. جي. في"

البراق.. الفرنسيون يتجنبون مخاطر “الإفلاس فائق السرعة” بنقله إلى المغرب

إعداد: سعيد الريحاني

     طوى المكتب الوطني للسكك الحديدية، صفحة حادثة قطار بوقنادل الأليمة، يوم الخميس الماضي(..)، بإطلاقه حملة للدعاية القصوى لتدشين مشروع القطار الذي يسير بسرعة فائقة تقدر بـ 320 كلم في الساعة، على امتداد المسافة الفاصلة بين مدينتي طنجة والقنيطرة، بينما يتحول لقطار عادي في المسافة الفاصلة بين القنيطرة والدار البيضاء، بسبب غياب التجهيزات اللازمة للمواصلة بنفس السرعة(..).

وكما جرت العادة في هذه المناسبات، تم حشد عدد كبير من الصحفيين المغاربة داخل الرحلة الأولى لقطار “تي. جي. في” (TGV)، وكان بينهم ممثلو بعض المنابر الإعلامية الأجنبية، وبينما نوه جل الصحفيين بتدشين أسرع قطار في إفريقيا، اختارت جريدة “لوموند” الفرنسية، أن تسخر من هذا التدشين من خلال نقل ربورتاج مصور للصحافي جون كلود كوتوس، قالت فيه: “إن الجنود والدركيين ورجال القوات المساعدة المغاربة الذين تم تصويرهم في الخلاء(..)، كانوا يؤدون التحية للقطار”، وبدا مصور “لوموند” وكأنه يلتقط صوره من الفضاء، بعد أن نسيت الجريدة التي يفترض أنها معنية أكثر من غيرها بتدشين قطار فرنسي في المغرب، بث أي صورة للحدث الأصلي، والواقع أن الجنود المغاربة، كانوا يؤدون التحية للقائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة، الملك محمد السادس الذي كان على متن القطار رفقة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

____

“النظرة الاستعمارية” التي عالجت بها جريدة “لوموند” الفرنسية موضوع تدشين القطار فائق السرعة، كشفت القناع عن هذه الجريدة، التي كانت تكتب: ((إن مشروع القطار فائق السرعة، الذي سيربط طنجة بالدار البيضاء، يعتبر تحديا ومفخرة في نفس الوقت بالنسبة للمغرب..)) (المصدر: جريدة لوموند: 30 دجنبر 2012).

سخرية “لوموند” الفرنسية، من مشروع كبير فوق التراب المغربي، ليس سوى مثالا عن “النظرة الاحتقارية” التي لازالت سائدة بين بعض حاملي الأقلام من الفرنسيين، الذين يقطعون جسد المغرب بكتاباتهم، دون أن ينتبهوا إلى كون المغرب، يساهم في غذائهم ونماء بلدهم، بما يدفعه المغاربة للشركات الفرنسية في مجال الاتصالات وتوزيع الماء والكهرباء وصناعة السيارات والطائرات… وقد تكتمت عدة أوساط في المغرب وفرنسا، عن الكاتب الفرنسي الفضائحي، الذي عرى الشركة صانعة “تي. جي. في” والتي تسمى “ألستوم”، التي تزامن تدشينها لقطار سريع في المغرب مع ذكرى حادث أليم شبيه لما وقع في بوقنادل، عندما تسببت حادثة “تي. جي. في” الفرنسي بالألزاس في مقتل 11 شخصا وإصابة 42، بعدما زاغ القطار السريع عن سكته، ليقول المحققون الفرنسيون، أن “الخطأ البشري” هو سبب الحادث، وأن الكارثة وقعت بسبب تجاوز السرعة المسموح بها، وتأخر إطلاق نظام الفرملة في منعرج خطير (المصدر: وسائل إعلام فرنسية).

صاحب كتاب “إف. جي. في.. الإفلاس فائق السرعة/ 30 سنة من التي. جي. في”، وهو الفرنسي مارك فريسوز (Marc Fressoz)، سبق له أن ألف كتابا، وإن كان يعري شركة “ألستوم”، إلا أنه لم يخل من سخرية من المغاربة، حيث قال: ((في المغرب ذو الكثافة السكانية، التي لا تتعدى 30 مليون نسمة، حيث مازالت الحمير تجر العربات في مركز المدينة، سيقدم قطار “تي. جي. في” خدماته من خلال عربات مكونة من طابقين، على متن سكة تقطع المسافة بين طنجة والبيضاء على امتداد مسافة 340 كلم(..). الـ”TGV” يمر تحت أشجار النخل في بلد الجمال، منظر لم يسبق أن رآه أحد، ولكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد، بل إن الخطوط سيتم تمديدها نحو الجنوب.. أمر لا يصدق، عندما نعرف أن أكثر من نسبة 15 في المائة من سكان المملكة، يعيشون تحت عتبة الفقر)).

الفقرة أعلاه، منقولة حرفيا من كتاب “الإفلاس بسرعة فائقة”، لصاحبه مارك فريسوز، الذي صدر سنة 2011 عن مجموعة “Cherche Midi”، وفيه يكشف الكاتب سر العلاقة بين شركة “ألستوم” الفرنسية التي باعت “تي. جي. في” للمغرب، وبين الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، الذي شوهد وهو يدشن انطلاق أشغال “تي. جي. في” سنة 2011، مبتهجا في طنجة، في أوج انطلاقة “الربيع العربي”(..).

يقول مارك في كتابه: ((بمجرد صعوده في الانتخابات الرئاسية لسنة 2007، وضع الرئيس نيكولا ساركوزي نفسه في خدمة – الأبطال الوطنيين- ويقصد بهم الشركات الفرنسية العملاقة مثل “ألستوم”، و”أريفا”، والتي تحظى بالدعم على الساحة الدولية من أجل تشجيع قدرتها التنافسية، ويوضح بأن مجموعة “ألستوم”، التي باعت القطار السريع للمغرب، كانت مهددة بالإفلاس منذ سنة 2000، ولكن ساركوزي قام بعدة مجهودات لإنقاذها منذ تعيينه من طرف جاك شيراك رئيسا للحكومة..))، الكاتب نفسه، يؤكد أن “ألستوم”، كانت بمثابة مجموعة مدللة لدى ساركوزي، رغم النقاشات الحادة التي رافقت عملها، مثل ما حدث داخل اللجنة الأوروبية، بين العمدة السابق لدائرة “نويي”، وماريو موتي، وزير الاقتصاد والمالية الإيطالي، الذي كان يطالب بتفكيك هذه الشركة.

“ألستوم”، التي تسجل اليوم حضورا قويا من خلال عرباتها، التي تحقق أرباحا كبيرة في الرباط والدار البيضاء، عبر شبكة الترامواي، بسبب استمرار مشاكل النقل الحضري، وعدم حل مشكل “الطوبيسات” منذ أزيد ما يناهز الـ 10 سنوات(..)، كانت توجد على حافة الإفلاس لولا “هدية المغرب”، ((فزيادة على دعم الأبناك، قامت الدولة الفرنسية بشراء نسبة 21 في المائة من رأسمال “ALSTOM”، مما يعني ضخ 720 مليون أورو في صناديقها، بالمقابل، قام باتريك كرون، المدير العام للشركة في تلك الفترة والمقرب من ساركوزي، بالتخلص من العبء الذي كان يسببه الاشتغال في بعض المجالات، مثل توزيع الطاقة والموانئ، واحتفظ ببناء المحطات الكهربائية والسككية لـ “تي. جي. في”، وبذلك، تم إنقاذ المجموعة من سيناريو كان يرمي إلى إدماجها في شركة “سيمانس” الألمانية، وعلى إثر ذلك، هبط رقم المعاملات إلى أقل من 17 مليار أورو سنة 2007، بعد أن كان يساوي 24 مليارا ونصف..)).

((وبعد مرور هذه الدوامة، عادت الدولة لتبيع حصتها في “ألستوم” محققة قيمة مضافة تتجاوز 1 مليار و200 مليون أورو، وجرى البيع لصالح شركة “بويغ” التي كان يديرها مارتان بويغ سنة 2007، هذا الأخير اشترى نسبة 25 في المائة من رأس المال، وكان يرمي من وراء ذلك إلى عملية تنويع في اهتمامات الشركة من خلال الاستثمار في مجال مقاومة الغازات المسببة للاحتباس الحراري، حسب الكتاب، خصوصا في سياق التقارب بين “ألستوم” و”أريفا”، مما سيمكنه من ولوج مجال الطاقة النووية.. أما في قطاع النقل، فإن “ألستوم” تملك أوراقا حقيقية، وقد توقعت أن تقوم مجموعة من الدول بالتحول من قطاع السيارات إلى قطاع السرعة الفائقة، ومن بين تلك الدول: العربية السعودية، والبرازيل، والولايات المتحدة، والهند، وروسيا، بل إن دول أقل غنى تحلم يقينا بـ”تي. جي. في” مثل المغرب))، (مقتطف من كتاب مارك فروسوز).

يؤكد مارك، أن ساركوزي، الرئيس الفرنسي السابق، عمل كل ما في وسعه لبيع التكنولوجيا المتقدمة التي يملكها أصدقاؤه في “ألستوم”، ولكن “تي. جي. في”، رغم أنه قطار سريع وأنيق، إلا أن هذا القطاع السككي، يعاني من عيب خطير مثله مثل الطائرة العسكرية، المقاتلة “رافال”، المصنعة من طرف “داسو”، والتي لم يسبق أن تم بيعها خارج فرنسا، حيث أن الشركة الوطنية للسكك الحديدية بفرنسا، هي الزبون الوحيد لـ”ألتسوم”(..).

ولعل ما يفسر عدم الإقبال على اقتناء قاطرات “تي. جي. في” هو تكلفة إنتاجها المرتفعة، فقاطرة واحدة تساوي 25 مليون أورو، ينضاف إليها مبلغ بناء السكك التي يستعملها “تي. جي. في”، 16 مليون أورو للكيلومتر، زيادة على تكاليف الصيانة، حسب نفس المصدر.

الأرقام المخيفة للاستثمار في “تي. جي. في” وتكاليف الصيانة، والتستر على حوادثه السابقة في وسائل الإعلام المغربية(..)، كلها حقائق تمت التغطية عليها من خلال “استعراض إعلامي” للمدير العام للسكك الحديدية، ربيع لخليع، الذي وظف بعض الأرقام بشكل متحايل(..)، هذا الأخير أوضح أن الحصة التي خصصت لهذا المشروع من ميزانية الدولة، لا تتجاوز ستة مليارات درهم، وجرى ذلك على ست سنوات، بمعدل 760 مليون درهم سنويا، أي 1.4 في المائة من الاستثمار السنوي العمومي، لكنه لم يكشف عن ثمن صناعة القاطرات، وسبب عدم بناء سكة حقيقية للبراق من الرباط إلى البيضاء، ولم يعط أية تفاصيل تذكر، عن التجهيزات التحتية الموازية، فمشروع القطار فائق السرعة ليس مجرد قاطرات تسير فوق السكة، بسرعتها الرهيبة(..).

بعض أسر ار صفقات “ألستوم” التي تمت بسرعة “البرق” في عهد الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، كشفها الكتاب سالف الذكر، والذي تنفرد “الأسبوع” بنشر بعض تفاصيله، حيث يشرح مارك كيف أن فرنسا استعملت كل الوسائل كي لا تفلت صفقة “تي. جي. في” من بين يديها، لاسيما وأنها كانت ستعزز البعد الجيوستراتيجي لهذه الدولة تجاه دول جنوب المتوسط، أليست فرنسا هي صاحبة فكرة “اتحاد المتوسط”، ذلك المشروع الذي أطلقه مستشار الرئيس ساركوزي، هنري، علما أن الدولة الفرنسية استعملت أسلوبها المعروف(..)، من أجل فك الشيفرات، حسب قول صاحب الكتاب الذي لم يشرح المقصود بهذا الأسلوب(..).

ويبقى أخطر ما كشفه مارك، هو قوله بأن الأطراف المعنية بمشروع “تي. جي. في”، رفعت من مستوى التوقعات، لكي يكون الجميع سعيدا، حيث قيل إن القطار فائق السرعة، سيحمل في سنته الأولى أكثر من 6 ملايين مسافر، وهو الرقم الذي أعلنه المكتب الوطني للسكك الحديدية، ولا يمكن التأكد من صحته إلا مع مرور الوقت(..).

الآن، تم تدشين “البراق” ليكون هذا التدشين، مناسبة لدفن كل أسرار هذه الصفقة(..)، غير أن التاريخ دائما، يكاد يعيد نفسه مع الفرنسيين، فقد كتب المصور الفرنسي غابرييل فير، صاحب كتاب “في صحبة السلطان”، كيف أن السلطان المولى عبد العزيز، اقتنى قطارا من أوروبا، قبل أن يكتشف بأن المغرب لا يتوفر على سكة حديدية(..)، فاقتصر استعماله لهذه الآلة على اللعب، حسب ما حكاه المصور الفرنسي، الذي وصف الظروف التي نقل فيها حوالي 60 بغلا، عربتين للقطار من ميناء العرائش إلى فاس، حيث كان يقيم السلطان، الذي اكتفى ببناء كيلومترين من السكة الحديدية من أجل التنزه، فوق أرض كانت محل نزاع مع الساكنة(..).

بغض النظر عن “البراق”، فإن أسلوب كتابة الفرنسيين عن المغاربة والقطار، لم يخل دائما من الاستفزاز، حتى أن بعضهم لا يميز بين عهد المولى عبد العزيز وعهد الملك محمد السادس، فقد كتب مارك فريسوز أيضا في كتابه “بعد ثلاث سنوات من التملق على حساب أعصاب الفرنسيين”: ((كان هناك ارتياح كبير في دجنبر سنة 2010، عندما تم توقيع عقد “تي. جي. في” بين المدير العام لشركة “ألستوم”، وكريم غلاب..)).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!