في الأكشاك هذا الأسبوع
محمد اليازغي (وسط)

الحقيقة الضائعة | “الأحداث المغربية” عندما كانت في عهد اليازغي ملكية أكثر من الملك

 

المعارض الكبير(…) للنظام المغربي، الضابط اللاجئ في سطوكهولم، أحمد الرامي، منذ إفلاته من حبل المشنقة الذي أودى برفاقه الذين شاركوه في محاولة الانقلاب على الملك الحسن الثاني سنة 1972، عندما تحدث عن جزئية من المؤسسات الصحفية(…) جريدة الأحداث المغربية، قال عنها وعن رفيقتها(…) ليبراسيون: ((إنهما جريدتان ملكيتان أكثر من الملك)) (استجواب دومان. 4 مارس 2003).

ولا أدري هل يقبل العقل أن يكون المعارض اليازغي، صاحب الجريدتين حسا ومعنى، ملكيا أكثر من الملك، ولكنه الزمان، وحده قادر على كشف المخفيات.

فبمناسبة مرور عشرين سنة على تأسيس جريدة الأحداث هاته، كتب مدير نشرها، المختار لغزيوي، وكأنه يجفف دموع الحسرة: ((إن أسماءنا الكبرى تعبت ومثقفونا العظام اعتلوا البروج العاجية، والقلة القليلة منهم التي قاومت، ملت، ولم تعد مقتنعة بجدوى الكتابة، وهي تكاد تفعل ذلك من باب رفع العتب ليس إلا)) (الأحداث. عدد 23 أكتوبر 2018).

وبذلك يكون هذا الصحفي النشيط قد كشف مصير أولئك الذين كانوا ملوكا أكثر من الملك، وكأني به يرسم كاريكاتورا لقطب الأسماء الكبرى والمثقفين العظام، محمد اليازغي، الذي لا يمكن أن يكون ملكيا أكثر من الملك، وهذا جسمه لازال يحمل أثار الانفجار الاغتيالي الذي أفلت منه في 1973، وربما لم يكن الصحفي لغزيوي صادقا إلا عندما قال بأنهم اعتلوا الأبراج العاجية، ليرتاحوا راحة لم يجدها الملك نفسه.

وها هي جريدة الأحداث، بعد أن تنازل عنها مقابل مئات الملايين(…) رئيساها اليازغي والبريني، تصبح بعد أن اشترتها الأجهزة المقربة من الدولة، والحق يقال، وأسندت إدارتها وتسييرها عن طريق الدغمشة(…) إلى الصحفي أحمد الشرعي، وقد فضحته أجهزة الإعلام الفرنسية(…) بأنه سفير الصحافة المعتمد لدى الأجهزة المعلومة، وقد جره العمل في إطار الأحداث المغربية إلى الجمع بين الحقيقة والمأمول، لمرافقة مدير نشر الأحداث لغزيوي في مواجهة الأمر الواقع الذي يفرضه العمل الصحفي، بحكم الممارسة اليومية، التي فرضت على المناضل اليومي(…) لغزيوي، أن يكشف ما كتب عنه في الذكرى العشرينية لتأسيس الأحداث، من أن الظروف الحالية لهذه الجريدة جعلته يعاشر كما كتب: ((المسؤولين عن القطاع(…) الأوصياء عليه، الذين قال لهم: لقد فتحتم بوابة كبرى لدخول الجميع، وستندمون، وربما لن تندموا أنتم(…) إذ ستغادرون تسيير القطاع، وسنظل نحن في الحيص بيص)) (الأحداث. 23 أكتوبر 2018).

وإذا كان الصحفي لغزيوي يجرد نفسه من صفة المسؤولين(…) الذين يريدون منه الاستمرار في العمل الصحفي، رغم أن ((من عاثوا فسادا في تسيير القطاع(…) وهم غير مؤهلين، لذلك ذهبوا لحال سبيلهم، وبقينا نحن مضطرين للشرح)) (نفس المصدر).

تلميح صريح إلى كون هذا المنبر الذي كان يثير هلع الدولة ولم ترتح حتى اشترته، لم تجد فيه الدولة ذلك الهناء الذي كانت تطمح له بعد أن اكتشفت الأمر الواقع، وهو أن الصحافة لا يمكن إسكاتها بتفجير الصواريخ في المسؤولين عنها، فلا طموح لمدير النشر في أية جريدة كانت، حتى ولو كانت تسمى الأحداث المغربية في أن يذهب بدوره ليعتلي برجا عاليا، ويترك الشعب يموت(…) وإن كان مدير النشر هذا ليس من فصيلة رئيس المجلس الأعلى الجديد للجريدة، والذي هو في نفس الوقت ((مالك لقنوات إذاعية، ومواقع إلكترونية، وفي حوزته 30 ألف دولار كاش(…) ويمتلك جواز سفر دبلوماسي، تتدخل الأجهزة لإنقاذه، لأنه مقرب من القصر، ومن أجهزة الترويج لصورة الملك محمد السادس)) (خميس بوتاكمانت).

لهذا عندما يتنازل السيد الرئيس(…) لكتابة افتتاحية للأحداث المغربية يوما، ويكتبها بعنوان: “من أجل طبقة وسطى بالعالم القروي”، مفسرا: ((إن توزيع مليون هكتار سيمكن من إخراج مئات الآلاف من العوز والحاجة، لأن خلق أو تقوية طبقة وسطى تكتسي أهمية قصوى، إنها الضمان نحو الاستقرار السياسي)) (الشرعي. الأحداث المغربية 19 أكتوبر 2018).

إذن، إن مشكلة المغرب حلت بتوزيع مليون هكتار، وسيشكل مستغلوها الطبقة الوسطى، لنبقى جميعا مصفقين للكاتب المحظوظ الشرعي الذي اكتشف لحل الأزمة إيجابية تأسيس طبقة وسطى في المغرب تضاف إلى الطبقات الأخرى(…) في صراع أزلي بين الطبقات. وهو على صواب في حق هذا المغرب الذي خربه منذ استقلاله إلى اليوم(…) تواجد طبقة عندها الأموال كلها.. وطبقة عندها الفقر والميزيريا كلها، وسيذهب فقراء الطبقة الثانية ولا شك عند أثرياء الطبقة الأولى ليشتغلوا عندهم في المليون هكتار، التي سيجري توزيعها على المحظوظين.

ألم يقل لكم المجرب المبعد(…) حسن أوريد ((أن بلادنا عرفت في بداية العشرية الأولى من القرن الحالي(…) ممارسات أقرب ما تكون إلى المافيا، برزت من خلال أشخاص لهم سوابق في الاتجار بالمخدرات، وظفوا عناصر قريبة لهم(…) بعد أن نفذوا إلى الجسم السياسي واستطاعوا الاقتراب من مركز القرار(…))) (كتاب أوريد. المغرب في حاجة إلى ثورة ثقافية).

وهكذا، أيام قليلة، قبل دعوة رئيس الأحداث إلى تأسيس طبقة وسطى، في حالة إفلاتها من مخالب المافيا التي أشار إليها حسن أوريد، كتبت الجريدة الداعية إلى تأسيس طبقة وسطى، مقالا تساءلت في عنوانه: ((هل تريد الحكومة قتل الصحافة المغربية))، لتبقى شرعية التساؤل: هل هذا التناقض بين الدعوة إلى تأسيس طبقة وسطى، والنية الحكومية في قتل الصحافة المغربية(…) إلا إذا كانت الصحافة محسوبة على الطبقة العليا، إذا ما راعينا الملايين الموضوعة رهن إشارة مدير الأحداث، أو الطبقة الدنيا التي تصنف جريدة الأحداث في حسابها، وهي تكتب خوفا: هل تريد الحكومة قتل الصحافة المغربية.

حقيقة إنه عالم الخوف، على مصيرنا في المستقبل القريب، الخوف الذي أصبح يهيمن على سائر المكتوبات الحالية في المقالات الصحفية ((وإذا كنتم تقصدون بسؤالكم هل الوضع مخيف في المغرب نتيجة حالة الترقب والخوف والارتباك التي توجد عليها فئات المجتمع، فالوضع فعلا غير مريح)) (صلاح الوديع. الأيام 24 أكتوبر 2018).

((وعندما تنسحب الطبقة المثقفة، ويتم طحن الأحزاب السياسية ويتم دفع الطبقة المتوسطة إلى المغادرة، فهذا يدل على أن الأمر مخيف)) (عبد الرحيم العلام. نفس المصدر).

((وأنا أخاف اليوم على الملكية لأنه لم يعد لها بارشوك يحميها)) (خالد الجامعي. نفس المصدر).

((ولماذا تبدو الأوضاع مخيفة في المغرب)) (رضوان مبشور. نفس المصدر).

الخوف إذن هيمن على الأقلام، فكيف لا يكون مهيمنا على حملتها من الصحفيين؟ وقد برع المفكر التقدمي صلاح الوديع في كشف خطورة التناقض عندما كتب في الأحداث(…) نفسها، نموذجا حساسا لهذا التناقض الذي لا يبشر بخير، حين أعطى نموذجا سليما لهذه الميزانيات المقدرة بثلاثة آلاف مليار ((والمصروفة على رخام المحطات المعدة لاستقبال القطار السريع “طي جي في”(…) عوض الاعتناء بالقطارات فائقة التفكك والتلاشي)) (صلاح الوديع. الأحداث المغربية، 21 أكتوبر 2018).

ويقصد طبعا، نموذج قطار بوقنادل الذي تعطلت فرامله(…) منذ حوالي شهر وقتل سبعة ضحايا من ركابه، عزاهم ملك البلاد وتكفل بجنائزهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!