في الأكشاك هذا الأسبوع
مولاي هشام

الترجمة الحرفية لمقال الأمير مولاي هشام في “لوموند ديبلوماتيك” – نونبر 2018

إلى حدود انهيار الإمبراطورية العثمانية (1299-1924)، التي كانت تجسد آخر “خلافة إسلامية” كبيرة، كان المسلمون يبنون هويتهم على ازدواجية بين الدين والسياسة، يعبر عنها مفهوم الأمة. هذا المصطلح يشير إلى جماعة المؤمنين ومن ثم شمل كل جوانب الدين الإسلامي وتجلياته البشرية، حتى أصبح فكرة عابرة للزمن تتضمن ماضي المسلمين وتتطلع إلى مستقبلهم، ولم تكن له حدود جغرافية، بل كان يستوعب كل أنحاء العالم المعروف آنذاك، ولم يكن هذا المفهوم يعبر عن حكومة مدنية ولا عن سلطة دينية ثيوقراطية، بل فقط عن مجموعة بشرية تتقاسم نفس العقيدة، ثم تغيرت هذه الرؤية للعالم تغيرا جذريا، مع ظهور طموحات الهيمنة الغربية وسقوط الإمبراطورية العثمانية وما تبعها من إلغاء الخلافة من طرف “الجمعية العمومية التركية الكبرى” في عام 1924، من خلال الإمبريالية وتداعيات الحرب العالمية، إذ اخترقت المناهج الغربية في التفكير مجموع العالم الإسلامي، وبخاصة بلدان الشرق الأدنى، واقتبس العثمانيون، وهم في مرحلة الانهيار، النماذج العسكرية الأوروبية، في حين تم دمج البلدان المستعمَرة في الدورة الغربية للإنتاج الاقتصادي، كما أن المنظومة القانونية الأوروبية التي تتمحور حول قواعد مقيدة وتأسيس قانوني نظامي، أضيفت إلى مضامين “الشريعة الإسلامية”، التي كانت تفسح المجال للاجتهاد من أجل التكيف مع تغيرات الزمان والمكان لتصبح هي العمود الفقري الدستوري للدول الوطنية الناشئة. في هذه الحقبة الجديدة، تم استبدال مفهوم الأمة والمرونة الفقهية والسياسية، بنظام المؤسسات القانونية التي يسري مفعولها على مجال جغرافي محدد.

————-

+ نقطة الالتقاء الجديدة

 

في هذا المناخ الذي كان مطبوعا بفكرة الانحطاط، وبالضغوط الغربية المتزايدة، برز في أواخر القرن التاسع عشر، مفكرون مسلمون ينادون بضرورة التجديد الديني وبقراءة حديثة للنصوص القرآنية، ومنهم على الخصوص جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، اللذان دعيا إلى تفسير جديد للنصوص الدينية ينسجم مع  متطلبات الحياة الاقتصادية والسياسية الجديدة، هؤلاء المصلحون الدينيون، لم يسمّوا أنفسهم أبدا سلفيين، بل إن هذا المصطلح اعتمده الباحثون الغربيون، فيما كان هؤلاء المنادون بالإصلاح الديني، يعتبرون أن الواجب، هو العودة إلى المنابع والمصادر الأولى للإسلام التي تخلى عنها المسلمون بفعل تأثرهم بملامح الحياة العصرية ومستجداتها.

في محاولتهم لإنقاذ الإسلام، حسب منظورهم، انخرط هؤلاء المصلحون في حركة ثقافية وسياسية ودينية سميت “النهضة”، ولكنهم، وربما عن غير قصد، ساهموا في نوع من الانحراف التاريخي، لأن مفهوم الأمة والأفكار الرئيسية للإسلام، لم تعد هي المعيار الأول والمرجعية الكبرى للمسلمين، بل أصبح الحكم على إنجازات الحضارة الإسلامية، يعتمد فقط على قدرتها على مسايرة التطورات الغربية والتشبه بها.

في نفس الوقت، عرف الشرق الأدنى نشأة كيانات وطنية جديدة على أنقاض الإمبراطورية، وتأسست فيها أنظمة ملكية وجمهورية لم تكن نابعة من زعامات إسلامية محضة، بل ما كانت في الحقيقة إلا استنساخا لأنظمة الاستبداد العسكري التي عرفتها أوروبا في القرن التاسع عشر.

هذا التحول الجذري الذي عرفه الفكر الإسلامي، مقارنة مع المصادر الأولى، ترك أثارا بالغة، في بداية القرن العشرين، استقطبت فكرة الحركة السياسية الإسلامية كثيرا من الزعماء والمثقفين المعارضين لتنامي النفوذ والتأثير الغربي وكل الرافضين لمشاريع الإصلاح التي تنادي بضرورة التكيف مع الحداثة.

هذا التسييس للإسلام، نتج عنه تحول الإيمان إلى أداة للكفاح ولمقاومة الاستعمار والإمبريالية، ونشأ من جراء ذلك جيل جديد من المناضلين الذين يعتبرون أن الإسلام ليس في حالة تأخر وتخلف عن العالم الغربي، بل أنه يشتمل على نموذج مضاد للتطور يمكنه تحرير المسلمين من تخلفهم الـمزعوم، ويكون هو الدرع الواقي من تأثير الثقافة الغربية، ومن ثم أصبحوا ينادون بضرورة قراءة ودراسة  النصوص الدينية الـمقدسة، قراءة جديدة.

أنجبت هذه التطورات في الحركة الإسلامية إيديولوجية تمزج بين الدين والسياسية بقدر أكبر من الأدبيات الكلاسيكية التي كانت تتناول الشريعة الإسلامية ولو أن هذا المنظور الجديد الذي يخلط الدين بالسياسة كان يزعم أنه يستلهم المبادئ الكبرى من التراث الإسلامي القديم، وعلى خلاف تلك المرونة التي طبعت علاقة الدين بالسياسة في القرون الإسلامية الأولى، فإن حركات الإسلام السياسي الجديدة، وخصوصا جماعة “الإخوان المسلمين” التي تأسست في مصر وأرادت أن تفرض نموذجا جامدا للفرد المسلم، فلم يكن على المؤمن، حسب رؤية هذه الجماعة، أن يتساءل إلى أي صنف من المسلمين ينتمي، بل إنهم ضربوا بعرض الحائط تلك التقاليد الإسلامية الأصلية والمجهودات الفلسفية التي يزخر بها التراث الإسلامي، واكتفوا بالانتباه إلى التمييز بين المؤمن وغير المؤمن، وأعادوا إلى الوجود مفاهيم ومصطلحات مثل “الجهاد” (وخصوصا جهاد النفس)، و”التكفير” من أجل توظيفها مع مفاهيم أخرى من الفقه الإسلامي في المعركة التي يعتبرونها أكبر الأولويات، وهي معركة الإسلام ضد الهيمنة الغربية، والنتيجة، هي أن هؤلاء المناضلين الإسلاميين، لم يعودوا يعتبرون الدين كخيمة جامعة للأمة الإسلامية تخترق الزمان والمكان وتمنح تصورا للخلق وللعلاقة بين البشر وخالقهم، ولكن هدفهم أصبح بدون تردد، هو الاستيلاء على السلطة السياسية والوصول إلى الحكم.

خلال النصف الثاني من القرن العشرين، ساعد تراجع القومية العربية، كإيديولوجية سياسية مهيمنة، على الانتشار الواسع النطاق لحركات الإسلام السياسي، وخاصة بعد هزيمة المعسكر العربي في حرب 1967 ضد إسرائيل التي كانت قاصمة لكل المثل العليا القومية والوحدوية، ثم جاءت الثورة الإيرانية عام 1979 لتجهز على ما تبقى من هذه النزعة القومية العربية، ولتظهر للعالم أن مجموعة من الشباب المتشبعين بالفكر الديني، يمكنهم إسقاط نظام الشاه الإيراني الذي كان مسنودا بأكبر القوى الغربية.

 

+ التجربة المصرية الكارثية

 

لقد فشلت الحركة الإسلامية اليوم في تحقيق الوعد الوهمي الذي قطعته على نفسها، فالحركات الإسلامية، ما عدا في بعض البلدان مثل تونس، إما وقع تحييدها أو أفلست إفلاسا كاملا، أما في الجزائر، فإن الحرب الأهلية الجزائرية خلال فترة التسعينات من القرن الماضي، لم تنتج إلا خيبات، وأعطت إشارة لما سيأتي فيما بعد من تحولات أعقبت الربيع العربي عام 2011.

لقد حكمت جماعة “الإخوان المسلمين” بلاد مصر بطريقة كارثية قبل أن يطيح بها الانقلاب العسكري عام 2013، والذي نهج سياسة القمع الشديد ضد أعضاء جماعة “الإخوان المسلمين”، أما في العراق وسوريا واليمن، فإن القوى الإسلامية قد لعبت دورا هامشيا في مسار تعزيز الديمقراطية، وقد توارت إلى الخلف في مشهد تطبعه مكافحة التطرف العنيف، أما في المغرب والأردن والكويت، فقد عرفت الأحزاب الإسلامية، المعترف بها قانونيا، بعض النجاحات الانتخابية،  ولكن في ظل برلمانات محلية تتحكم فيها السلطة تحكما شاملا، لأنها بلدان تعيش تحت السلطة الملكية المطلقة، ولذلك، فهي قوى سياسية لا حول لها ولا قوة، ولا تأثير لها في صنع القرار.

 

+ إن فشل نموذج الإسلام السياسي يتجلى في ثلاثة طرق:

 

أولا: لقد أخفقت هذه الحركات في تطوير الحلول الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة التي تتجاوز الشعارات، لأن الصراخ بأن “الإسلام هو الحل” و “القرآن دستورنا”، لا يقوم مقام السياسات العمومية التي تساعد على حل مشاكل الناس والتي أخفقت الأنظمة الاستبدادية في معالجتها: الفقر المتزايد والبطالة ونظام التعليم الفاشل والفساد المستفحل. على سبيل المثال، ففي المغرب وصل حزب العدالة والتنمية الإسلامي إلى قيادة الحكومة، لكنه اعتمد الاستراتيجيات الاقتصادية التي طورها التقنوقراط تحت أعين المؤسسات المالية الدولية، وهو ما يبرز أن النظرية الإسلاموية في الحكم لا تتوفر على نموذج للإنتاج الاقتصادي، ولا تتضمن رؤية عن دور الدولة في تنظيم الدورة الاقتصادية والإشراف عليها وتأهيلها.

ثانيا: إن أحزاب الإسلام السياسي، وباستثناء تونس، لم يستطيعوا أبدا ممارسة الحكم، فتبين أن انفتاحهم على التيارات الأخرى ما هو إلا خديعة، ففي مصر، ظهر جليا أن هاجسهم عندما تولوا رئاسة الدولة، كان مقتصرا على الهيمنة المطلقة بدل تشجيع التعددية السياسية في البلاد، ومن ثم فإن الفكرة القائلة أنهم لم يمروا عبر تجربة الحكم ليبرهنوا على انفتاحهم، قد سقطت. لقد برزت أيضا معاداتهم للتيارات العلمانية التي تنادي بالدولة المدنية، وهو ما أعطى للجيش ذريعة مناسبة لينقض على السلطة بانقلابه العسكري على الرئيس محمد مرسي.

ثالثا: لقد برهن الإسلاميون في العالم كله، أنهم لا يترددون في ممارسة المناورات السياسية، وفي التحالف مع القوى الاستبدادية، وهو ما أفسد صورتهم كتيارات تقاوم الفساد، ففي مصر وبعد سقوط نظام الرئيس حسني مبارك عام 2011، لم يتردد “الإخوان المسلمون” في التحالف مع العسكر، وفي رفض الحوار مع الأطراف السياسية الأخرى.

وفي المغرب، لا يكترث حزب العدالة والتنمية إلا بالحفاظ على علاقة طيبة مع الملكية، لأن هذه العلاقة هي التي توفر له الموارد الجديدة والحضور في المشهد السياسي، لذلك، فهو لا يسعى لإصلاح المنظومة السياسية بكاملها.

بعد نجاحه في انتخابات 2011، برهن الحزب على تشبثه بالولاء المطلق للنظام الملكي، ومن أجل ذلك قام بتوظيف مفاهيم قديمة من الفقه الإسلامي، مثل النصيحة لأولياء الأمر، وواجب الطاعة للإمام لكونها فضيلة من الفضائل، أما المبادئ التي كانوا يدافعون عنها من قبل، مثل حماية حقوق الإنسان، فقد اختفت من أدبياتهم.

لا يستطيع هذا الحزب الدفاع عن التحول الديمقراطي والإصلاح الدستوري، وفي نفس الوقت، الاستمرار في قبول السيطرة الملكية المطلقة على كل مجالات القرار السياسي، لقد وضع الحزب نفسه اليوم في خدمة القصر الملكي، ولكنه سيقبل غدا، إذا اقتضى الحال، أن يتحالف مع العسكر أو مع فلول النظام المتبقين إذا ما سقط النظام يوما ما، لأن ما يهمه، هو الحفاظ على الرصيد الانتخابي، فقد انتقل من وضع حزب معارض إلى حزب حكومي، لكن المشهد السياسي، لم يتغير فيه أي شيء.

والإسلاميون على العموم، منخرطون في استمرار الانقسامات والنزاعات السياسية والطائفية التي تعصف بالعالم العربي، وهو ما يضرب في الصميم زعمهم الوقوف على مسافة من التجاذبات السياسية، وزعمهم التدثر برداء الطهرانية السياسية والتوفر على استقلال القرار.

+ التعصب الأعمى للدولة

 

توضح حالة لبنان هذه المشكلة. لقد بدأ حزب الله هناك كجناح مسلح للثورة الإيرانية، واختار أن ينتهج سياسة جذرية لها بعد إيديولوجي في خدمة الطائفة الشيعية، وبعد فترة وجيزة من تأسيسه، تحول الحزب إلى حركة قومية تكافح من  أجل تحرير الأراضي اللبنانية من الاحتلال العسكري الإسرائيلي، وقد كان ينظر إليه بصفته حركة إسلامية من بين حركات الإسلام السياسي الأخرى، ولكنه ذو قاعدة شعبية واسعة، أما اليوم، فإنه لا يخفي حمايته ورعايته من طرف السلطة الإيرانية، ولازال يزعم أنه حزب يقاوم نيابة عن الشعب اللبناني، ولكن في الممارسة العملية، كرس نفسه للعمل المسلح في سوريا ضد الطائفة السنية، بل كل الطوائف السنية. في هذا البلد حزب الله تولى دور المقاتل في ساحة المعركة التي يحكي عنها سفر الرؤيا، لذا، فإن حزب الله، ليس حركة إسلامية منشغلة بالمستقبل السياسي والاقتصادي اللبناني، بل هو كيان عابر للحدود الوطنية ينتظر رجوع المهدي المنتظر على أرض أجنبية.

غالبا ما يصف الإسلاميون أنفسهم كضحايا القمع الاستبدادي والاضطهاد الغربي، ولكن في الوقت نفسه، يدعون المؤمنين إلى تدارك هذه الشرور عبر الاستيلاء على السلطة، فما هم في الحقيقة إلا نتاج الأنظمة الاستبدادية التي يدعون مكافحتها، وما خطابهم الإيديولوجي حول الحكم الديمقراطي أو التنمية الاقتصادية، إلا خدعة عندما نقارنه بخطابهم الذي يدعو المواطنين لاستعمال العنف أو لمعاقبة غير المؤمنين، والسعي نحو تأسيس الدولة الإسلامية المثالية.

إن تونس، هي النموذج الوحيد من بين البلدان العربية التي نجح فيها حكم الإسلاميين إلى حد ما، وهو نجاح نسبي إذا ما نظرنا إلى السياق العام الذي يعرف الركود الاقتصادي ومشاكل الهجرة وعودة الجهاديين، وغيرها من مشاكل هذا البلد، إن “حركة النهضة” ونظيراتها العلمانية، مثل حزب “نداء تونس”، تعاونوا على أرض الواقع لضمان السلم المدني والحفاظ على المكاسب الديمقراطية، و”حركة النهضة” قوة إسلامية لا بأس بها من حيث الحجم، ولها قاعدة شعبية عريضة وقيادة متماسكة، بينما “نداء تونس” وبعض الأحزاب الأخرى غير الدينية، تستجمع حولها تيارات اليسار والقومية وممثلي المجتمع المدني ورجال الأعمال، ناهيك عن فلول نظام الرئيس المخلوع، زين العابدين بن علي.

ولكن حالة تونس، ما هي إلا الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، و”حركة النهضة” ما استطاعت أن تنجح، إلا بفضل سياق معين دفعها إلى التخلي عن بعض توجهاتها الإسلامية، فبعد ثورة شهر يناير 2011 ونشأة الديمقراطية التونسية، اندمجت “حركة النهضة” في المنظومة السياسية واستفادت من دعم دولي قوي دون تكبد الكثير من الخسائر التي كان من الممكن أن تنجم عن تدخل أجنبي، لقد كان حزب السيد راشد الغنوشي محظورا من قبل على مدى عدة عقود، وعرف كيف يتطور ويستوعب بعض الأفكار الجديدة التي لم تكن نابعة من صميم الشريعة الإسلامية،

فجاءت مكاسبه الانتخابية في الانتخابات التشريعية لعام 2014 والبلدية لعام 2018، دون أن يسقط في فخ الغرور الإيديولوجي وحب الهيمنة المطلقة، بل أفلح في التخفيف من ثقل الجانب الديني، للانسجام مع المعايير الدستورية وتعلم التعاون مع القوى السياسية الأخرى غير الإسلامية، وهو ما يعني أنه حزب تعَلْمَن شيئا ما مع مرور الوقت بعد أن رأى أن كل محاولاته لفرض الخطاب الديني تواجه بالمقاومة الشعبية العريضة، يبدو وكأن المثال الكارثي للتجربة المصرية في حكم الإسلاميين، والتي أجهز عليها الانقلاب العسكري، قد أعطت درسا بليغا للتونسيين، عن ضرورة الحذر واللجوء إلى الحلول الوسطى والتسويات التوافقية.

في نهاية المطاف، اقتنع الإسلاميون في تونس أنه لا يوجد تأويل لتعاليم الإسلام يعلو على الشرعية الانتخابية عندما يتعلق الأمر باختيار السياسات العمومية الوطنية والخارجية، بل على العكس من ذلك، أدركوا أنه لا يمكن للممارسة السياسية السليمة أن تكون عائقا أمام الامتثال إلى تعاليم الإسلام بطريقة سلمية ولو في الفضاء العام، وهذا معناه أن حركات الإسلام السياسي، يمكنها أن تعيش هذا التسامح المزدوج الذي عرفته تجارب أديان أخرى غير الإسلام، والشرط هو التخلي عن التحجر والتكلس الفكري والتحلي بالمرونة التي تنادي بها العديد من الأصوات للمشاركة في الحياة العامة الوطنية.

على الرغم من رفض هذا التوجه من طرف الكثير من الإسلاميين، فإن هذه  الديناميات التوفيقية، كانت حاضرة في تجارب الحضارة الإسلامية الأولى، حيث ساد الاقتناع بأنه حتى لو كانت النصوص القرآنية مقدسة، فإن تأويلها وتطبيقها عمل بشري قابل للنقاش، والأخذ والرد، وقابل لتعدد الأفهام، وهو ما يؤدي إلى التفاعل المستمر بين المقدس والبشري، وهذا من المميزات الدينية والسياسية للإسلام، التي لا يجب أبدا أن تتحول إلى رغبة هذا الطرف في تدمير الطرف الآخر ومحوه من الوجود.

 

+ إذا كان الحل لا يكمن في الحركة الإسلامية.. فأين هو إذن؟

 

لقد قدم الربيع العربي مشروع جواب عن هذا السؤال، في شكل سياسة ديمقراطية وسيادة الشعب والمطالبة بالكرامة، وقد عاد جزء كبير من المنطقة العربية ليعيش تحت حكم الاستبداد، وأصبح من الواضح أن الإسلاميين، لا يمكن أن يلعبوا وحدهم دور المنقذ، لأن وهمهم القديم الذي كان يعد الناس بالخلاص مقابل العضوية اللامشروطة في الحركات الإسلامية، قد فشل فشلا ذريعا، ولكن الوهم الآخر الديمقراطي الذي بشر به الربيع العربي، فشل بدوره أيضا.

لقد حافظ المواطنون العرب على تمسكهم بالإيمان، على الرغم من أنهم أصبحوا ضد هيمنة رجال الدين، وضد كل من يدعي امتلاك سلطة دينية تخول له احتكار تفسير النصوص المقدسة، لأنهم (المواطنون) يشعرون بالاشمئزاز إزاء كل من يوظف الدين والقداسة لتكريس سلطته السياسية، وفرض الطاعة على البشر، من ملوك ورؤساء وجماعات الإسلام السياسي ومؤسسات العلماء الذين توظفهم الدولة، وهذا الرفض الشعبي، لا يعبر فقط عن استنزاف إرث الثورة الإيرانية، ولكن تجسيدا لنهاية الحركات الإسلامية برمتها.

لقد عدلت الأنظمة استراتيجياتها من أجل الحفاظ على السلطة، فهي اليوم تحاول ملء الفراغ الناجم عن الضغوط المتزامنة الثلاثة القادمة من الأسفل: أولا، رفض الخطاب الديني والبروباغندا الإسلامية، ثم الرغبة المستمرة في العيش تحت سقف الحرية الديمقراطية، وهي الرغبة التي أججها الربيع العربي، وأخيرا، التشبث بالتدين في الحياة اليومية، ولذلك، استثمرت الأنظمة هذا الفضاء المعياري عبر فرض تأويلها الخاص لمفاهيم الإيمان والتقوى، والأمثلة على ذلك تكاثرت خلال السنوات الأخيرة في بلدان المغرب العربي، والمشرق العربي على السواء، منها الحرص على الالتزام بالصيام خلال شهر رمضان، وكذلك ترسيخ مكانة المرأة في المجتمع وفي الفضاء العام وفقا للأنماط التقليدية.

وعبر سن هذه القواعد الاجتماعية، حسب تقديرها الخاص، فإن الأنظمة الأوتوقراطية المحافظة تستجيب للرغبة في المحافظة لدى قطاعات واسعة من المجتمع، وفي نفس الوقت، تستمر في قمع الرغبة التحررية لدى الشباب، ولكن إخضاع الفضاءات الدينية لسلطة الدولة، من شأنه أن يدفع السلطات السياسية إلى إعادة إنتاج أخطاء الإسلاميين.

إن لمثل هذه التدخلات في المجال الديني، أثار عميقة على المدى الطويل، ليس فقط في مجال الدين، بل على مستقبل الديمقراطية والاستقرار في المنطقة، وفي كثير من الحالات، طورت الدول سياساتها الخارجية بناء على الإسلام الرسمي الذي تدافع عنه.

في الآونة الأخيرة، قام حزب العدالة والتنمية التركي، الذي يمسك السلطة منذ عام 2002، باستغلال الشبكات الروحية التابعة للزعيم فتح الله غولن من أجل تعزيز سلطته السياسية وتصدير تأويله الخاص للإسلام السياسي، ثم قرر أن هذه الشبكة الصوفية خارجة عن القانون، لكي تصبح إيديولوجية النظام التركي وكل سياساته، متمحورة حول شخص الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان.

إن الملكيات بدورها، لا تفلت من هذه الميولات: فالمغرب والمملكة العربية السعودية، مثالان متعاكسان لهذا التوجه: ففي الحالة الثانية، تتناول وسائل الإعلام على نطاق واسع، المبادرات الاقتصادية والسياسية التي يطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان (MBS)، ولكنها لا تنتبه بما فيه الكفاية لمبادراته في المجال الديني، الذي ظل مبنيا على نوع من التوازن والتحالف بين عائلة آل سعود وطائفة العلماء الوهابيين السلفيين المسخرين من طرف السلطة، حيث تحتكر العائلة السعودية النفوذ السياسي، ويتكلف العلماء والفقهاء بتأطير الجانب الديني حسب تأويلهم الخاص للشريعة الإسلامية.

إن الرؤية الإسلامية الجديدة للنظام السعودي، تكسر هذا التوازن، وهي التي يقودها الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، فالسلطة تريد إحكام هيمنتها على الخطاب الديني والقرارات الدينية، وهو ما يشبه تصرف السلطات المصرية مع جامعة الأزهر خلال القرن العشرين أيام حكم الدكتاتوريات العسكرية المتتابعة. لقد أراد اليوم الحكام السعوديون لأن يصبح الخطاب الفقهي نسخة من خطاب الدولة وسياستها، وهذا يكاد يكون النجاح الوحيد لسياسات الأمير بن سلمان بالمقارنة مع مبادراته الاقتصادية الأخرى، الرامية لتحديث الاقتصاد الوطني السعودي ومقارنة مع مغامراته السياسية، مثل حصار دولة قطر والحرب على اليمن، كما أن عملية اغتيال الصحافي جمال خاشقجي في بداية شهر أكتوبر، تعد دليلا صارخا على مدى انتهاك حقوق الإنسان من طرف الدولة السعودية، وهو الفعل الذي سوف يلطخ صورتها الخارجية على المستوى الدولي.

من جانبه، يحبذ المغرب اتباع نهج أكثر مرونة في مجال الاحتكار الديني من طرف الدولة، وفي مجال الدبلوماسية الدينية، يحاول أن يروج لخطاب ديني على امتداد محور الشمال – جنوب: ففي اتجاه أوروبا، يروج المغرب لخطاب الاعتدال الذي يقاوم التطرف ويحارب الإرهاب، كما أن المغرب يتكلف بتكوين خطباء الجمعة والأئمة الفرنسيين، ومن جانب آخر يسعى ليروج لصورة المملكة المغربية كمركز للثقل السياسي والاقتصادي على مستوى القارة الإفريقية، وفي نفس الوقت، يريد تحجيم النفوذ الجزائري في القارة السمراء.

إن الدبلوماسية الدينية التي تنهجها الرباط، لها هدف ثالث، وهو إحكام السيطرة السياسية على الجالية المغربية القاطنة في أوروبا، ولذلك أنشأ عدة مؤسسات تتكلف بالجانب الديني لهذه الجالية بالتنسيق مع السفارات والقنصليات المغربية والأجهزة الأمنية التي تراقب حركات وسكنات هذه الجالية.

وبالموازاة مع المجهود الرامي لترويج صورة الإسلام المعتدل في الخارج، ينتهج المغرب في الداخل، سياسة دينية يطبعها التزمت والتشدد تحت مبرر الحفاظ على الأمن الروحي للمواطنين وعلى الأخلاق العامة، ومن ملامح هذه السياسة، احتكار النقاش الديني من طرف المجالس العلمية الرسمية، والتشدد مع ما يسمى الردة ومظاهر الإلحاد، ويبلغ هذا النفاق ذروته عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع حالات المثلية الجنسية أو حالات العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج الشرعي الرسمي.

وأبعد من هذه الأهداف الثلاثة المباشرة، تبقى في نهاية المطاف، الوظيفة الرئيسية لهذه الاستراتيجية، تعزيز أسس السلطوية التقليدية، لأن الإسلام المغربي يرسخ الموقف الدستوري لمؤسسة إمارة المومنين كأعلى سلطة دينية في البلاد، ولكن هذه السلطة التي يمسك بها الملك بوصفه هو أمير المومنين، يمارسها بالموازاة مع مسؤوليته السياسية، مما يسمح له بالحفاظ على الوضع الراهن والسيطرة على الفاعلين في الحقل الديني ومراقبة وتحجيم تحركات القوى  المطالبة بالديمقراطية التي تريد وضع السلطة السياسية القائمة في موقع المساءلة، ولكن هذه الترتيبات كلها، تصطدم بثلاثة عوائق كبيرة:

أولا وقبل كل شيء: هناك الاختبار الاقتصادي، لأنه في غياب توزيع عادل للثروات، لا يمكن للفاعلين الاجتماعيين أن يتعاملوا دائما بالطاعة العمياء مع السلطة السياسية.

ثانيا: هذه الترتيبات، لا تقوم إلا على أفكار دينية لا يربط بينها إلا الفاعل السياسي، ولذلك يمكن في أي وقت أن يبرز على الساحة فاعلون دينيون يحملون معارف إسلامية منسجمة فيما بينها وقوية أكثر مما تحمله السلطة، ويعرفون جيدا التاريخ الإسلامي.. ولا يتعلق الأمر بالضرورة بنزعة لائكية، ولكن بمسألة احتكار الحقل الديني في حد ذاته، وهنا يجب القول أن مفهوم الاعتدال بنفسه، يصبح ذا طبيعة استبدادية، وأخيرا، فإن إصرار الملك محمد السادس على الترويج لصورته الشخصية كملك عصري غير تقليداني، يضرب في الصميم هذه الاستراتيجية.

في غضون ذلك، يصبح الاعتدال هنا ذا طبيعة استبدادية، لأنه هو الذي يرسم حدود الخطاب الديني بنفسه، بينما الهدف لا يجب أن يكون هو الإسلام المعتدل، بل الإسلام المتنور الذي يحتاج أولا وقبل كل شيء، إلى تشجيع الفكر النقدي، وهو العدو اللدود للاستبداد السياسي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!