في الأكشاك هذا الأسبوع

خلف الحدود المغلقة.. عمال مغاربة في الجزائر ينسجون علاقات أخوية بعيدا عن السياسة

الرباط. الأسبوع

حدود برية مغلقة وعلاقات تصل حد البرودة.. ذلك هو حال العلاقات بين الجارين، المغرب والجزائر، غير أن ذلك لا يحول دون تسجيل العمالة المغربية في البلد الشقيق، لحضور لافت، ولكن، هل درب المغاربة هناك مفروش بالورود؟

فقبل نحو أربع سنوات من الآن، لم يكن يفكر أبدا “رشيد” (اسم مستعار)، الشاب المغربي الخجول الذي يطرق أبواب عقده الثالث من العمر، في أن يترك بلده المغرب، ويحزم حقائبه صوب الجزائر بحثا عن فرصة عمل لتأمين مستقبله، فطالما كان حديثه مع أقرانه وأبناء حيه عن الخلافات التي كانت وما تزال تعصف بين البلدين الجارين، المغرب والجزائر، لكن التجارب الناجحة في سوق العمل التي يرويها مغاربة عائدون من هناك، شجعته على خوض التجربة.

“رشيد” ابن مدينة وجدة، روى في مقابلة مع القناة الألمانية “DW”، التي التقت به في إحدى الشقق بحي الشراقة ضواحي العاصمة الجزائر، كيف كتب له القدر أن يغادر مقاعد الدراسة مبكرا ليتجه إلى ورشات البناء، ويتعلم فيها فن الزخرفة على الجبس، الذي برع فيه سريعا.

ولأن هذا الفن أصبح هوية معمارية للمغاربة، حتى باتت هندسة الزخارف في البيوت والمنازل، علامة مغربية بامتياز، فإن “المنافسة اشتدت في سوق العمل المغربية، لأجل ذلك، يغادر كثيرون بلدهم على أمل الحصول على فرصة في بلد آخر لبناء مستقبلهم”، ولأن السفر إلى بلد تجهله يعتبر مغامرة محفوفة بالمخاطر، فإن السفر نحو الجزائر حسب رأي “رشيد”، “فكرة يحسب لها ألف حساب، بسبب المشاكل السياسية العالقة بين البلدين منذ سنوات”، لكن الذي شجعه على التفكير في الأمر، هو “زوج شقيقته الكبرى الذي سبقه لخوض التجربة قبل ذلك بسنوات”.

زوج الشقيقة الذي كان بجانب “رشيد” وجدناه منهمكا في تقطيع حبات البصل لإعداد طبق المعقودة المغربية كوجبة عشاء، حكى لـ “DW”عربية، كيف أن “السبع سنوات التي قضاها في الجزائر، شجعته على دعوة رشيد للالتحاق به”، ففي الجزائر يقول، “توجد فرص كثيرة للعمل في مجال البناء، وبشكل خاص الزخرفة في أعمال البناء، والجبس تحديدا”، والسبب في ذلك، أن “المغاربة يتقنون ويبرعون في هذا الفن، والدليل إقبال الجزائريين الواسع على خدماتهم”، يؤكد المتحدث.

“رشيد” وزوج أخته، هما جزء من فريق يضم أكثر من عشرين مغربيا، ينتشرون في مدن جزائرية عدة، هي العاصمة الجزائر وعنابة ووهران وقسنطينة، ويعملون تحت مسؤولية وقيادة شخص واحد اسمه وحيد، مهمته الوحيدة هي التنسيق بينهم واقتناص الفرص المعروضة في مختلف المدن الجزائرية الكبرى، وتغص مواقع التواصل الاجتماعي بمئات الإعلانات تتضمن أرقام هواتف ومعلومات الاتصال بجباسين مغاربة يعرضون خدماتهم على الجزائريين.

قبل أشهر عبرت السلطات الجزائرية عن انزعاجها من الانتشار الواسع للمهاجرين المغاربة غير الشرعيين الذين يتسللون عبر الحدود البرية المغلقة منذ سنوات، وطالبت السلطات الجزائرية من نظيرتها المغربية في يناير 2017، بالعمل على وقف تسلل هؤلاء نحو التراب الجزائري، خاصة وأن البعض منهم، يتخذ الجزائر منطقة عبور نحو ليبيا، على حد تعبير السلطات.

زوج شقيقة “رشيد”، اعترف في حديثه أنه يعمل وباقي الفريق، بطريقة غير قانونية لعدم امتلاكهم لرخصة عمل، لكنه يؤكد أنه “مقيم بطريقة شرعية، ولا يتجاوز المدة القانونية الممنوحة في تأشيرة دخوله الجزائر المحددة في 90 يوما”.

ويعد القانون الجزائري من بين القوانين المتشددة في منح تراخيص العمل للأجانب، ويكشف المحامي كريم مونة لـ”DW” عربية، أن “قانون العمل الجزائري، يحدد شروطا واضحة لكيفية توظيف العمالة الأجنبية، من خلال إيداع ملف على مستوى مديريات التشغيل المتواجدة في مختلف الولايات الجزائرية”.

وأوضح مونة، أن “التراخيص لا تمنح إلا للأجانب الذين يقيمون بصفة قانونية في التراب الجزائري”، ويعاقب بالغرامة المالية أي جزائري ينتهك هذا القانون، في حين يتم سجن العامل الأجنبي الذي ينتهك قوانين العمل لمدة قد تصل إلى شهرين.

هذه الوضعية، تدفع بالعمال المغاربة إلى مغادرة الجزائر مع نهاية صلاحية تأشيرة الدخول الممنوحة لهم، ورغم أن مقر إقامة “رشيد” وزوج شقيقته في المغرب، لا تبعد عن الجزائر إلا بحوالي مائة كلم، إلا أن الحدود المغلقة بين البلدين منذ شهر دجنبر 2005، تدفعهم إلى السفر جوا عبر الطائرة، ما يتسبب لهم في أعباء مالية كبيرة تأتي على ما ادخروه في الأشهر الثلاثة.

ويأمل زوج شقيقة “رشيد”، لو كانت الحدود مفتوحة بين البلدين حتى يتمكن هو وآلاف المغاربة، والجزائريين أيضا، من التنقل والعمل بحرية في كلا البلدين، ومما زاد من معاناتهم خلال العامين الأخيرين، يقول فضيل، هو “التراجع المستمر لقيمة الدينار الجزائري مقابل مختلف العملات”، ما يفسر حسب حديثه، “مغادرة الآلاف من المغاربة مؤخرا للجزائر”.

وعما إذا كانت الخلافات السياسية بين الجزائر والمغرب قد أثرت على تعامل الجزائريين تجاههم، أكد “رشيد” أن “مشاعر الخوف التي اعترته حينما حزم أمتعته صوب الجزائر، تلاشت مع أولى أيامه هناك”، وروى قصصا عن “متاجر لم يقبض أصحابها ثمن مشترياته فقط حينما علموا أنه مغربي”، ورغم عملهم بدون تراخيص، إلا أن “رشيد” يؤكد أنه “يتحصل على مستحقاته كاملة”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!