في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | عندما يحيط رجل السلطة نفسه بالمحتالين والمرتشين

بقلم: مصطفى العلوي

روى المؤرخ السلاوي محمد شماعو، أن أجدادنا قالوا قديما: “يلا كانوا الناس خرفان حكامهم تيكونوا ذياب”، والحكام.. كما عرفتهم كل الدساتير الجديدة، والقوانين العديدة هم.. هم، لم يتغيروا، هم الوزراء والنواب، والبوليس، والجدرمية، والولاة، والعمال، والقياد، والشيوخ، والمخازنية.

ورحم الله الملك الحسن الثاني، الذي صنف “مقدمين الحومة” في عداد أعداء الشعب(…)، فقال متحدثا إلى الشعب المغربي: ((بالأمس، لم تكن القنابل ولا فرنسا، ولا مقدم الحومة(…) ولا ظالم ولا أي شيء أيام الاستعمار، يزعزع المغاربة)) (خطاب 31 يناير 1984) رغم أنه يعرف أنه عندما كان ينطق بهذا الحكم، فإن رقاب الشعب كانت محنية أمام سيوف مقدمين الحومة.

مقدم الحومة الذي هو مفتاح تقارير المخابرات، وصانع الأغلبيات، وموجه الانتخابات.

وكان مقدم الحومة والشيخ، أدوات الباشا والقايد عبر الشواش، تسميات موروثة فيما يتعلق بالمقدم والشيخ، من ديكتاتورية الطرق والزوايا، التي كانت منذ قرون أدوات لتوجيه الشعب وتأطيره وتطويعه، كما كانت تسميات الباشا والشاوش نماذج حكم من أيام الديكتاتورية التركية، تفرعت عنها عندنا تسمية القايد، الذي كان أصلا سوط السلطان على رأس الجيش (قايد المائة وقايد الرحى) فجاء الاستعمار ليجرد القايد من سلاحه، ويجعله سوطا سياسيا إداريا في يد الحاكم الفرنسي.

واحد من الحكام الفرنسيين للمغرب في عهد الاستعمار، كتب عن سر استعمال الاستعمار لهذه الأجهزة: ((الشاوش تسمية تركية في إدارات المدن، مكلف بالمكاتب، يقومون بدور الدركي، ويستعملون في مهام بوليسية تحت تغطية موزعي البريد، وقد أخذ بعض الشواش مهام كبرى رغم صغر مستواهم، وفي بعض الحالات حصلوا على مهام أكبر من رؤسائهم.

أما الباشا، ولا أعرف لماذا أخذنا هذه التسمية، هي أيضا من الأتراك، فهم في الواقع يمارسون مهمة القايد في المدينة، رغم أن مهمتهم أكبر من مهمة القايد، لأن الباشا يرأس المحكمة العصرية، وقد رأيتم كيف أصبح الباشا البكاي رئيسا للحكومة، حيث يعلن بأن الحكومة الأولى للاستقلال يرأسها الباشا البكاي.

المخازنية، هم خدام المخزن، الذي هو الحكومة(…) لأن مجموعتهم تسمى المخزن (المخزن موبيل) المخزن المتحرك)) (معلومات من كتاب: سيد الحاكم. الضابط أندري هاردي).

لا تعديل دستوري، إذن، ولا تقرير برلماني، ولا دراسة مفكر سياسي، ولا اقتراح حزب إصلاحي، مس هذا الإطار الإداري الذي نصبه الفرنسيون وحكمونا به، والذي لم يكن في الواقع، إلا أداة وجدت فيها كل الحكومات على اختلاف مجاريها(…) هذه الظاهرة يفسرها في عصرنا الحاضر هذا الخوف الأزلي الذي يساور المواطن المغربي من المقدم، في المدينة، ومن الشيخ في البادية، تطبيقا للدستور الحقيقي(…) الذي ينطلق من مقولة (مخزن جاير، ولا بلاد سايبة) ومن دستور هؤلاء الأسياد(…) البسطاء، الشيوخ والمقدمين الذين يمارسون في حق كل متعامل معهم، فلسفة موروثة عن الأجداد في معاملة الشعب (كيف الدجاجة.. ما تنكال غير لما تريش).

وباستثناء تسمية القايد التي كان السلاطين القدماء يطلقونها على ضباط الجيش حسب التقاليد العربية، فإن التسميات الأخرى الموروثة عن الاستعمار، لم يطرأ عليها تغيير باستثناء إطلاق تسمية الوالي، التي شجعها الوزير القوي(…) إدريس البصري، عندما قرر ابتداع طبقة أعلى من رجال السلطة.

فاستمرار تعبير المخزني الذي تنظم إطارها في نفس العهد، وأصبح جيشا يسمى “القوات المساعدة” ولا ينطق به القدماء إلا بتسمية “المخزن موبيل”، فإنه في الواقع، هو الجيش الثاني(…) الذي يفرض هيبة المخزن، اسما على مسمى، كان كسلاح في يد المخزن، منذ سنين.. مادام المخزن ولد قبل الاستعمار.. حتى أن أحد المخازنية في زمن مولاي حفيظ أصبح وزيرا أولا: ((كان محمد بن الكبير الدمناتي هاربا من دمنات، وأصبح مخزنيا في باب مكتب عامل القصبة القايد إبراهيم بن سعيد الجراري، ولما غاب كاتب العامل يوما، سأل العامل عمن يعرف كتابة بطاقة(…) فتقدم المخزني الذي أصبح كاتبا للعامل، ثم تزوج بربيبة العامل السيدة البتول، وبعد أن ماتت تزوج بابنة العامل ثم أصبح بعد أن ترقى في كتابة الخليفة السلطاني الذي ولاه شؤون المطبخ ثم صار كاتبا بالبنيقة، ثم كاتبا في بنيقة وزير الحرب، واستعمل نائبا عن وزيرها، ومنها ولي باشا على القصبة وأعمالها، وبنى بذلك دورا عديدة ودنيا عريضة، ثم صحب السيد عبد الله السنوسي ليصبح الكاتب الأصيل، صاحب الخط الفائق.. ولما بويع السلطان مولاي حفيظ سلطانا بمراكش، جعله وزيرا كبيرا (وزيرا أول))) (الإعلام بمن حل بمراكش. العباس بن براهيم).

هذا المخزني الذي وصفه التاريخ بالشرطي، لا تجمعه بالنموذج المعروف، الحاج المديوري، المهنة ومراكش فقط، وإنما تجمعهما حاجات أخرى، فيها ما خفي وفيها ما ظهر، لأن الحاج المديوري لو بقي الملك الحسن الثاني حيا، لعينه وزيرا أولا.. أو لانتحر(…) كما أن إدريس البصري الذي بدأ حياته شرطيا هو أيضا، كانت له حظوظ كبرى في أن يصبح وزيرا أولا لو لم تكن الدنيا تدور.

ضابط الاستعلامات الفرنسي “أندري هاردي” الذي كان خليفة لحاكم الدار البيضاء “بونيفاس”، كتب أشهرا قليلة بعد حصول المغرب على الاستقلال، تقريرا للإقامة العامة جاء فيه: ((بعد أن عين المغاربة عاملا على ضواحي مراكش ضابطا في الجيش الفرنسي وابن عم السلطان، الكولونيل مولاي حفيظ، عينوا فقيها هو المهدي الصقلي عاملا على مراكش (6 فبراير 1956) بعد موت الكلاوي مباشرة، وتعيين هذا الفقيه في عمالة مراكش، ليس بالشيء الحسن، ورغم أنه يلبس الكسوة الأوربية ومعها الطربوش، فإنه مسلم متطرف(…) وهابي المذهب، بدأ عمله بالرغبة في إغلاق جامع الفنا وحذف مظاهرها وطرد الحلاقي ومروضي الأفاعي، فهو إذن يرغب في القضاء على مراكش والسياحة فيها)) (سيد الحاكم. الضابط أندري هاردي).

لقد تبرم الحكام الفرنسيون في المغرب أنفسهم من جبروت الإطار الإداري الذي احتفظوا به من عهود السلاطين القدامى، وحاولوا استعماله لترويض المغاربة، وبقيت مذكرات ضباطهم الذين كان لهم – على خلاف ضباطنا – ميزة كتابة المذكرات، وإغناء التاريخ، بقيت هذه المذكرات تقدم نماذج قياد متمردين على التاريخ، وعلى المنطق، كقصة القايد السفياني في منطقة الغرب ((الحاج بوسلهام الرموش، الذي كان مجرد مخربق(…) جمع أصدقاءه وجمع منهم تبرعات، وذهب إلى الرباط واشترى(…) منصب قايد لمنطقة سفيان، فأخذ يجمع الفلوس ويملأ السجون، وعين ولده خليفة له، وكان الولد سكيرا فاجرا سرعان ما قدم به السكان شكاية للسلطان، ورغم ما صرفه الأب من أموال على الوسطاء في دار المخزن، فإن السلطان أصدر في حقه حكما بإرسال الجيوش لتوقيفه وهدم بيته، حيث صرف العسكر أياما كثيرة في تقليب أحجار البيت المهدوم بحثا عن الكنوز، واعتقلوا القايد السفياني وأولاده في الحديد إلى مراكش، حيث مات القايد غما، وتبعه ولده موتا، أما الولد الثالث فقد وجدته – يقول المؤرخ – يوما وأنا أتجول في ضواحي وزان، وهو يسرح الأغنام)) (والتير هاريس. كتاب المحلات).

قايد آخر، شغل أول مقيم عام فرنسي للمغرب، المارشال ليوطي، الذي كان منظر الاستعمار وأكبر عارف بشؤون المغرب، والمغاربة الذي كان يسميهم “ليزاندجين” وكان يعرف أن استقرار حكم الحماية، لا يمكن أن يتعايش مع الفوضى، وكتب مرارا أن المسؤول الأول عن البلاد يجب أن يكون فاتحا عينيه على تصرفات رجال السلطة.. مبكرا إذن، كتب المارشال ليوطي رسالة إلى مستشاره الخاص، “بيير دوسوربيي” بتاريخ 18 أبريل 1924 يقول في سطورها: ((إن الحاج التهامي الكلاوي يقلقني كثيرا من ناحية تصرفاته المالية، فقد انطلق في حماقات شراء ممتلكات الأمريكي بيرديكاريس بطنجة، اشتراها بمائتين وخمسين مليون فرنك، ولم يدفع له إلا خمسمائة ألف فرنك، واشترى 33 دارا بطنجة، وأنت تعلم ماذا فعله بملك الدولة الذي أعطيناه في مراكش. إن هذا الرجل يفيض بالغرور، لا يعرف الحساب، ولا يحيط نفسه إلا بالمحتالين والمشبوهين كصديقيه التونسي واليهودي الذين يستغلونه ويدفعونه إلى ارتكاب الحماقات، ويتعامل في الدار البيضاء مع الزاكي في المحلات السفيهة وأخشى يوما أن يتسبب في كارثة مالية، وقبل أن أستقبله لأكلمه كلاما موجعا، فإنني أكلف “أوربان بلان” أن يبلغه تحذيرا ويرغموه على طرد التونسي عبد الحكيم، واليهودي بن كموح رجال الأعمال الغير مشروعة.. وأن تأخذوا منه كشفا بممتلكاته وتعينوا عليه مراقبا فرنسيا بصفة دائمة)) (كتاب بيير دوسوربيي. تأليف برتران دومارييز).

هكذا كانت بداية الكلاوي، نموذج كل جبار، ولو بقي ليوطي حيا، لما استطاع الفرنسيون أن يوافقوا على مشروع الكلاوي في نفي الملك محمد الخامس.

لا أعتقد أنه حصل في خمسين عاما من تاريخ المغرب، أن كتب مسؤول رئيسي من مستوى المارشال ليوطي، الذي كان على مستوى رئيس الدولة في المغرب، تقريرا كهذا عن رجل سلطة قوي، ولا كتب وزير تقريرا كهذا عن أحد مندوبيه أو مساعديه، ولا كتب وزير أول تقريرا كهذا عن واحد من وزرائه.

وإنما تاريخنا المعاصر، يحفظ لنا نماذج أبشع في الاستهانة بتصرفات رجال السلطة، والأعوان، وحملة الظهائر والتابعين، آخر ما كتبه التاريخ المعاصر(…)، ما حصل لأحد الولاة الذي نزل بالمظلة على ولاية كبرى، وبعد أن غادر بيته الجميل واكراه، اكترى بيتا آخر تدفع الدولة كراءه، ثم كتب للوزير الأول رسالة يطلب ميزانية تناسب أهمية المدينة التي هي ولايته، وأخذ قسطا هاما من تلك الميزانية، صرفها لإصلاح بيت ثانوي للوزير الأول، فما كان من هذا الأخير، إلا أن يجازيه بتعيينه وزيرا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!