في الأكشاك هذا الأسبوع

تحليل إخباري | الوجه الآخر لعائلة الخاشقجي.. رجل استخبارات ومقرب من تاجر سلاح في ثوب صحافي

مخطط هدم الكعبة.. ومعاقبة السعودية والمغرب على مشاركتهما في “عاصفة الحزم”

إعداد: سعيد الريحاني

((أصدق أو أكاد أصدق، أن إنسانا عربيا، أصبح له وزن كبير للغاية، في العالم اليوم، حتى أن قتله يهز العروش والأمم المتحدة في النحيب على جثته الغابرة.. أصدق أننا أصبحنا كعرب ومسلمين، غير قابلين لنسيان العالم بعد أن كان لعملية اغتيال خاشقجي البشعة والحيوانية حقا، حتى الدولة المتهمة نفسها، وولي العهد المتهم نفسه، عن طريق الصحافة وعن طريق العواصم، استبشعاها ورفضاها رفضا مطلقا، بعد التباس في التصريحات والرواية “كان لها صدى”، صدى يفوق التصور، يفوق حزننا ويفوق هول الصدمة.. لكن أن ينتبه العالم بأن القتل العربي يمكن أن يصل إلى فؤاده، فذلك أمر لم نتعود عليه حقا، ربما لأننا تعودنا على الموت جماعات، وطبقات، وشعوبا كاملة، كما في فلسطين مثلا..)).

هكذا تحدث عبد الحميد الجماهيري القيادي في حزب الاتحاد الاشتراكي، وهو يصف الضجة الإعلامية الكبرى التي رافقت مقتل كاتب عمود على صفحات “واشنطن بوست”، ويتعلق الأمر بجمال خاشقجي الذي دخل إلى مبنى القنصلية السعودية بتركيا يوم 2 أكتوبر 2018 ولم يظهر أي أثر لطريقة خروجه منها إلى حدود اليوم.

الجماهيري مثل كثير من المواطنين، لم يكن بإمكانه تصديق هذا التعاطف العالمي مع مقتل “صحفي سعودي”، بينما طائرات الـ “إف 16” ودبابات “أبرامز” تقتل كل يوم آلاف المسلمين، هل يعقل أن يتعاطف الغرب كله لمقتل شخص واحد ولا يتحرك لمقتل آلاف المواطنين، إذا كان الدافع إنسانيا؟

إلى حدود اليوم، اجترت وسائل الإعلام العالمية، مئات القصاصات الإخبارية المتشابهة، التي تتحدث عن “تقطيع جثة الخاشقجي داخل مبنى القنصلية السعودية في تركيا”، وذهبت قصاصات إخبارية أخرى إلى الحديث عن “تقطيع جثة الخاشقجي بمنشار في سبع دقائق”، رغم أن الجثة لم يظهر لها أي أثر إلى حدود اليوم.

بغض النظر عن الدعاية القصوى، الموجهة للاستهلاك(..)، من يكون خاشقجي الذي تقدمه قصاصات الصحف والمواقع الإلكترونية بأنه صحافي؟

جمال الخاشقجي، هو كاتب عمود في جريدة “الواشنطن بوست”، ولم يلتحق بها إلا سنة 2017، غير أن مسيرته مطبوعة أكثر بعمل كمستشار لدى الأمير تركي بن فيصل بن عبد الـعزيز آل سعود، واحد من العائلة المالكة آل سعود وابن الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود، ملك المملكة العربية السعودية وحفيد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، المعروف بعمله كرئيس للاستخبارات العامة الـسعودية بمرتبة وزير بين سنوات 1977 إلى 2001.

الراحل المختفي جمال الخاشقجي، هو أيضا واحد من عائلة الخاشقجي غير السعودية الأصل، وهو ما يجعل اسمها غريبا في التداول العربي، لأن أصل التسمية قد يكون من تركيا أو يهوديا.. و”الخاشقجي” اسم لواحدة من أشهر الماسات في العالم، توجد داخل متحف بإسطنبول، وقد سميت “ماسة الخاشقجي” (Kaşıkçı Elması) بهذا الاسم حسب القصة المتداولة، ((فإن صيادا فقيرا في إسطنبول كان يتجول خالي الوفاض، فوجد حجرا لامعا على الشاطئ بين القمامة، وحملها في جيبه لبضعة أيام ثم ذهب إلى سوق الصاغة وأراها لأول صائغ فأمعن الصائغ النظر في الحجر وأبدى عدم اهتمام بها وقال “هذه قطعة زجاج، خذها بعيدا إذا شئت، أو إن شئت سأعطيك ثلاثة ملاعق مقابلها، قيمة تعبك على الأقل”. شعر الصياد بالأسى ووافق على العرض، ومن ذاك اليوم أصبح اسم الألماسة “الخاشقجي” ((The Spoonmaker’s Diamond – Kacic، وفي وقت لاحق، تم شراء الألماسة من قبل الوزير نيابة عن السلطان (وتذكر مصادر أخرى أن الوزير تعامل مباشرة مع الصياد..)) (المصدر: وكالات).

الخاشقجي، تعني باللغة التركية أيضا الملعقة، لكن أشهر من كان يستعمل ملاعق الذهب في عائلة الخاشقجي، هو الملياردير الراحل عدنان الخاشقجي، وقصته لا تقل من حيث المأساوية عن قصة جمال، فعدنان هو الملياردير وتاجر السلاح السعودي المشهور الذي توفي السنة الماضية في لندن عن سن 82 عاما، وكان قد جمع ثروة كبيرة قدرتها الصحافة بـ 40 مليار دولار، جمعها نتيجة العمولات الهائلة التي تلقاها عن صفقات السلاح الكبيرة بين الدول الخليجية والشركات الأمريكية والبريطانية، وتبقى أشهر صفقات السلاح التي توسط فيها خاشقجي هي صفقة “اليمامة”، التي تقوم على مبادلة السلاح بالنفط بقيمة 20 مليار دولار، مع الحكومة البريطانية.

عرف عدنان بحفلات المجون والقمار، وعلاقته مع المشاهير، وكان يمتلك أكبر يخت في العالم، غير أن دخوله في دوامة الصراعات القضائية والمالية، جعله يبيع يخته لسلطان بروناي الذي باعه بدوره لاحقا للرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب في ثمانينيات القرن الماضي بمبلغ 29 مليون دولار، وها هو ترامب يعلق اليوم على اختفاء جمال، وكل علاقته بعائلة الخاشقجي كانت هي التجارة(..)، من يدري ربما هو يتاجر اليوم في شيء أكبر من الخاشقجي(..).

هل يفترض أن نصدق دونالد ترامب الذي يحمل المسؤولية المباشرة في مقتل الخاشقجي مباشرة لمحمد بن سلمان؟ هل نصدق أنه موقف أمريكي سياسي مجاني، والحال أن مجرد تتبع بسيط لتصريحات الزعماء السياسيين الأمريكيين، يؤكد أن حلمهم الأول، هو هدم الكعبة، ألم يقل السيناتور الأمريكي الأشهر، جون ماكين: ((لوكان الأمر بيدي لهدمت الكعبة))؟ ألم يقل الرئيس الأمريكي السابق كلينتون الذي يوصف بالرئيس الرخو: ((إن العرب ينتظرهم مستقبل شديد السواد))، في إشارة إلى مبدإ استمرارية السياسة الأمريكية الذي ينساه عدد كبير من المتتبعين، الذين انطلت عليهم حيلة التقارب الأمريكي مع العالم الإسلامي، منذ صفقة انتخاب الرئيس السابق باراك أوباما(..)؟

لماذا لم تأخذ وكالات الأنباء العالمية بعين الاعتبار، تصريحات المسؤولين في السعودية، رغم العقوبات الصادرة في حق مسؤولي جهاز المخابرات؟ ولماذا لم يتم اعتبار هذه الجريمة، جريمة شطط في استعمال السلطة؟ لماذا هذا التزامن بين اعتبار مقتل الخاشقجي جريمة إرهاب دولة، وإطلاق حملة دولية لمحاكمة بن سلمان على حرب اليمن وجرائم داخل البلاد؟ لماذا هذا الإصرار على صناعة تحالف دولي ضد السعودية(..).

بغض النظر عن حلم هدم الكعبة، وحكاية جر العالم إلى تقسيم السعودية بين الأماكن المقدسة المخصصة للمسلمين، والاستفراد بآبار النفط، فإن التحركات الدولية الاستراتيجية التي رافقت قضية الخاشقجي الغامضة، تؤكد أن ما يحاك في الخفاء، أكبر بكثير، ولعل المسؤولين السعوديين على دراية بهذا الموضوع، فها هو مدير قناة “العربية” السعودية، وهو لا ينطق عن الهوى بكل تأكيد، يقول: ((إن المملكة العربية السعودية، لن تقبل أن يصفعها أحد على وجهها، مؤكدا أن فرض عقوبات على الرياض من قبل الدول الغربية، أمر غير مقبول، لا تحاول أن تهددني وتستفزني وتطلب مني أن أكون أليفا، والرياض ليست لقمة سائغة، والمملكة سترد على أي إجراء ضدها بإجراء أكبر.. إن تلويح واشنطن بفرض عقوبات اقتصادية أو ضغوط سياسية على المملكة على خلفية اختفاء الصحفي والكاتب السعودي جمال خاشقجي، قد يؤدي إلى تقارب بين السعودية وإيران)).

هكذا لم تعد قضية الخاشقجي مجرد بحث عن الحقيقة، بل تحولت إلى محاولة لتغيير خريطة العالم(..)، وربما لا يعرف كثير من المتفائلين لمعاقبة السعودية، أن سلة العقاب والتقسيم، تشمل أيضا دولة مثل المغرب، فمعاقبة المشاركين في “عاصفة الحزم” يعني معاقبة المغرب أيضا، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، علما أن ما تتعرض له السعودية والدول الخليجية عموما، يتعرض له المغرب، ما يستدعي التحالف أكثر من أي وقت مضى، وهذا هو ما دفع الملك محمد السادس إلى دق ناقوس الخطر، حول المستقبل، في القمة المغربية الخليجية التي انعقدت بالرياض سنة 2016، حيث قال: ((إن هذه القمة، تأتي في ظروف صعبة، فالمنطقة العربية تعيش على وقع محاولات تغيير الأنظمة و تقسيم الدول، كما هو الشأن في سوريا والعراق وليبيا،  مع ما يواكب ذلك من قتل وتشريد وتهجير لأبناء الوطن العربي.. فبعدما تم تقديمه كربيع عربي، خلف خرابا ودمارا ومآسي إنسانية، ها نحن اليوم نعيش خريفا كارثيا، يستهدف وضع اليد على خيرات باقي البلدان العربية، ومحاولة ضرب التجارب الناجحة.. ولسنا هنا لنحاسب بعضنا على اختياراتنا السياسية والاقتصادية.. غير أن هناك تحالفات جديدة، قد تؤدي إلى التفرقة، وإلى إعادة ترتيب الأوراق في المنطقة، وهي في الحقيقة، محاولات لإشعال الفتنة، وخلق فوضى جديدة، لن تستثني أي بلد، وستكون لها تداعيات خطيرة على المنطقة، بل وعلى الوضع العالمي)) (المصدر: خطاب الملك محمد السادس في قمة الرياض 2016).

هكذا إذن، فالوجه الآخر لقضية الخاشقجي، هو “الخريف المدمر”، أما الحقيقة التي لم تظهر إلى حد الآن، فيظهر أنها غير مطلوبة، بقدر ما يكون المطلوب هو ترتيب أثار عن ذلك(..).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!