في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | الدارجة بالمغرب رسالة يهودية.. رحم الله علال الفاسي الذي سماها زنقاوية

بقلم: مصطفى العلوي

بعد أن خرج رئيس الحكومة سعد الدين العثماني عن صمته بخصوص استعمال الدارجة في المقررات التعليمية، وصرح بأنه “لا مشكل في التراجع عن هذه المقررات التي تطرح إشكالا”، مؤكدا على أنه “لا يمكن أن نسمح باستعمال الدارجة وهذا قرار نهائي(…)”، سارعت وزارة سعيد أمزازي إلى الرد على رئيس الحكومة، ودافعت وزارة التربية الوطنية عن إدخال الدارجة في الكتاب المدرسي.

ليظهر أن هذه المواجهة بين رئيس الحكومة ووزير التعليم قد انتهت بانتصار(…) أمزازي على العثماني، مادام التراجع عن المقررات المذكورة لم يتم، وبقيت مفردات من قبيل “البريوات” و”البغرير” وغيرهما جاثمة على صفحات الكتب المدرسية، وشاهدة على اختيارات أمزازي البيداغوجية.

مصطفى العلوي، مدير “الأسبوع”، كتب منذ خمس سنوات، قبل هذا الجدل الذي أربك الحكومة وشوش على الدخول المدرسي لهذه السنة، وقال في عدد “الأسبوع” الصادر يوم الخميس 12 دجنبر 2013 أن “الدعوة إلى الدارجة رسالة يهودية”.

((سمعتي يا خاه دي مولاي، واحد النهار، ربعة ديال النصارى، حافو على بيت المال دالمليك، مولاي سماعيل، باش يسرقوه، وقبضوهم اللاغذا، حب المليك يتفرج عليهم، ويعطيهم للسبوعا ياكلوهم، وطلع المليك فوق الصور باش يتفرج عليهم، وهبطوا النصارا بربعة لعند السبوعا، ولا كلاوهوم شي، وكان واحد النصراني هدر مع واحد السبع، بالعجمية قالو نقز فوق الصور، وطيح المليك وكولو)) (كتاب التواريخ اليهودية. تأليف بن دنان).

وهو نموذج من الأدب اليهودي المغربي المكتوب، بلهجة الدارجة، التي كان المرحوم علال الفاسي في كتابه “رأي مواطن” يسميها اللغة “الزنقاوية”، والتي تنطلق من الرفض اليهودي المتأصل، للغة العربية، وتطابق هذا الرفض، مع البروتوكولات التي تكاد تكون دستور العصر بالنسبة للإسرائيليين، والتي تنص على منع وسائل المعرفة عن كل من هو ليس يهودي: ((نحن نعرف من تجارب قرون كثيرة، أن الرجال يعيشون ويهتدون بأفكار وأن الشعب إنما يلقن هذه الأفكار، عن طريق التربية، وأننا سنراقب ما قد بقي من ذلك الاستقلال الفكري، الذي نستغله استغلالا تاما لغايتنا الخاصة منذ زمن مضى، بإخضاع عقول الناس لنجعل الأميين، غير قادرين على التفكير باستقلال، ليبقوا كالحيوانات الطيعة)) (البروتوكول 17 من بروتوكولات حكماء صهيون).

فالشعب لا يجب أن يتعلم، وإذا كان التعليم هو الذي يفتح عيون الناس، فيجب إغلاق آفاق التعليم، وإلزام الشعب على الاكتفاء بلغة الزنقة، الدارجة، أو ما سماه الفرنسيون “الدياليكت”، وفسره مختلف الفلاسفة بأوصاف أقرب إلى الفوضوية، منها إلى أي شيء آخر.

وبالرجوع إلى القواميس، نجد الفيلسوف “كانط” يصف الدياليكت: “إبراز تماسك المتناقضات” وعند هيكل: “تفاوت الأفكار” وعند أفلاطون: “استدلال على وجه الاحتمال” وأرسطو يفسر الدياليكتية بـ “منطق الوهم”، لأنه مادام علمانيو العصر، يقدرون الخطر الذي يتهددهم عندما يتطاولون على الدين(…) فإنهم – وباتفاق مؤكد مع الصهيونيين – يريدون المساس بوسيلة التعليم، التي هي أساس العلم، بينما، فطن كبار العلماء لهذا الخطر، وكتب واحد منهم: ((الدين والعلم كتوأمين متلاصقين، فصلهما يؤدي إلى هلاكهما معا، لهذا يشترط في المدارس أن يكون الأدب الديني والأدب الوطني، أول ما يتربى عليه التلميذ)) (العالم أبو عبد الله السليماني 1880. كتاب اللسان المعرب عن تهافت الأجنبي حول المغرب).

ومادامت الدارجة، هي لغة الأميين، وقد ظهر بالصوت والصورة، أن المدافع عن الدارجة، هذه الأيام، هو المسمى عيوش، أميا “مكلخا” عاجزا عن تبرير خرجته المدرحة(…) بالنكهة اليهودية(…) مكتفيا بترديد “الدارجة زوينة” حتى شبهه أحد الصحفيين بالممثل المصري “يونس شلبي”، بطل مسرحية “مدرسة المشاغبين” فإن وصف عيوش بالنكرة(…) كما جاء على قلم السيدة أمينة ماء العينين التي عتبت على الأستاذ العروي، نزوله لمناظرة عيوش، فإن الخطر الحقيقي، هو أن حكاية التلويح بالاكتفاء بالدارجة، حصلت مع وصول الاستعمار للمغرب وشكلت أساس محاربة المغاربة للاستعمار، منذ أن اكتشفوا أن المغرب قبل احتلاله، كان مرتعا للمبشرين المسيحيين، الذين كانوا يبلغون رسالتهم باللهجة الدارجة، التي تعلموها في مدرسة المبشر المخطط لفتح الطرق أمام جيوش الاحتلال “شارل دوفوكو” (1858-1916) ولازال من بقي حيا ممن عانوا من حكام الاستعمار، يذكرون أن الحكام الفرنسيين كانوا يستعملون لغة “دوفوكو”: “انت يدوز من هنا”، “آجي كردف لمسيو”.

وكانوا في الواقع يمهدون لتطبيق سياسة المارشال ليوطي، الذي تشهد كل مؤلفاته، وكان مثقفا راقيا، أنه كان يخطط بمنتهى الدقة، فشكل لجنة بمجرد إمضاء عقد الحماية، في شتنبر 1912 قدمت له مشروعها في يناير 1913، أربعة شهور من بعد، ولاحظوا الجدية، وكان رئيس هذه اللجنة، يسمى المسيو “بيل” أحضره ليوطي مؤقتا من إدارته للتعليم في تلمسان، ليقسم المدارس في المغرب، على أساس التركيبة البربرية في البوادي ((البرابر ليس لهم حرف كتابة وعند الاضطرار يستعملون الحرف العربي، لذلك علمنا الراغبين منهم في القراءة، بالحرف اللاتيني، وقسمنا المدارس إلى مدارس لطبقة “الأنديجين”، ومدارس أولاد الشعب ومدارس المرفحين، أبناء الأعيان. ومادامت لم تكن هناك مدارس قبل ليوطي، فإنه يجب الإبقاء على الدارجة والبربرية للمرور رأسا إلى الفرنسية)) (l’œuvre Française d’Enseignement. R. gaudefroy – demombyns. Paris 1928).

وكان كل ذلك انطلاقا من القاعدة الاستعمارية التي تقول: ((إن المغربي الذي يعرف القراءة والكتابة يمثل خطرا على فرنسا)) (Revue des Temps Modernes. Avril 1951).

وقد لا يكون مكان للاستغراب، ففي ذلك الزمن كان هناك أقطاب مغاربة، يساعدون على نشر ودعم هذه الأفكار الفرنسية، وربما لازال هناك فاسيون أحياء، ممن كانوا أيام إعلان فرنسا للظهير البربري، يذكرون تواجد مفكر فاسي، كان يدعم اتجاه المحافظة على الدارجة، وكان هو أيضا يسمى عيوش، وقد أورد صاحب الكتاب العظيم، حاييم الزعفراني، في كتابه “ألف سنة من تاريخ اليهود” وهو يسرد أسماء اليهود وكتب ((من الأسماء المأخوذة من الكتاب المقدس: عمرام، وعيوش)).

وربما كان عيوش هذا المعروف في فاس نتاجا لمرحلة الظهير البربري التي أعطت ((زمرة من الشباب ممن كانوا كلهم أو جلهم قرؤوا في مدارس فرنسية ولعبت بعقولهم تعاليم الفلسفة غير المنقحة، فأفسدت نظرهم في التدين)) (الفكر الإصلاحي في المغرب. تأليف د. سعيد بنسعيد العلوي).

حقا إنها ضجة أثارها هذا العيوش(…) وهو يلعب بالنار، محاولا بها أن يحرق الكيان العلمي والديني في المغرب، ومن يدري.. ومن يدري، وهو الذي عندما كان يذيع خزعبلاته الانفصالية في التلفزيون المغربي في ذلك المساء نفسه، كان ولده نبيل عيوش، يتلقى تحت قصف من تصفيقات الجزائريين، ومن أيدي المسؤولة الجزائرية “زهيرة ياحي” جائزة تكريمية في مهرجان الفيلم الجزائري.

نفهم إذن، لماذا استنجد الزعيم المرحوم علال الفاسي بالفأس، الآلة الحادة، لكسر المخطط الاستعماري الكامن وراء فكرة تجريد المغاربة من وسيلة الثقافة، فخطب رحمه الله في المجلس الوطني لحزب الاستقلال سنة 1956 وقال: ((أسسنا لجنة الفأس(…) لهدم ما يلزم هدمه، لأن نظام التعليم الذي خلفه الاستعمار يقسم اللغة العربية، ليصبح جهاز التعليم يشمل قسم “الزنقاوية” وحزب الاستقلال لا يبرر استمرار ذلك التقسيم ونطالب وزير التربية، إلغاء ما يتعلق بمناهج العامية)) (رأي مواطن. علال الفاسي).

وعندما ظهرت بوادر العجز الحكومي المغربي، عن إصلاح ما خطط له الاستعمار، وجعلنا بعد خمسين عاما من التربية والتعليم نمارس تخبطنا فيها، على أيدي مجموعة من الجهلة المكلفين بالتعليم، حتى إذا هزلت سامها كل مفلس(…) من قبيل نماذج عيوش، ليقترح علينا الرجوع إلى أيام ليوطي، وهو ما شعر به قبل وقوعه، قطب الحركة الأمازيغية الدكتور محمد شفيق، الذي كتب: ((إننا نوجب على أنفسنا تعلم اللغة العربية، وإتقانها وتحبيبها إلى الناس، بل ونقدسها، لأنها إحدى اللغات التي نزل بها الوحي، وهي بذلك لغة الفرقان.. إننا نحن الأمازيغ نقدر العروبة ونؤاخيها بالإسلام والمواطنة)) (حوار مع صديق أمازيغي. عبد السلام يس).

وكان شفيق يحاور في رسالة له القطب الخالد(…) الشيخ المرحوم عبد السلام يس، الذي كتب محللا خطأ هؤلاء الذين يقترحون الاحتفاظ بلغة العامية، لغة الطفولة، لنتوقف بها عن الخوض في المستقبل، كما توصي بروتوكولات حكماء صهيون، وكتب: ((قضية حياتي ومماتي، إيماني بالله ورسوله واليوم الآخر، فلا يضير قضيتي الكبرى، ولا يخدش في إيماني، أن تعلق بذاكرتي لغة طفولة(…) وأهازيج جدة، ونكهة لهجة، وتركيبة حكمة، صاغتها عبقرية جدودي الشلوح وجدودي الأمازيغ، وجدودي الريفيين إلا كما يتنازع فرع الشجرة، جذع الشجرة)) (نفس المصدر).

ورحم الله القطب علال الفاسي الذي حكى يوما: ((إنه جاء عنده الشاب أحمد بلافريج، بعد رجوعه من الدراسة بفرنسا وقال له: إن العلم إذا أخذته بلغتك أخذته، وإذا أخذته بلغة غيرك، أخذك)) (النقد الذاتي. علال الفاسي).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!