في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف الأسبوع | “الأسبوع” تنفرد بنشر التقرير الهولندي عن الزفزافي وحراك الريف.. وخلاصات مثيرة للسفيرة بونيس ديزيريه

إعداد: عبد الحميد العوني

بواسطة زوجها المستعرب، صاغت السفيرة الهولندية في المغرب بونيس ديزيريه، رالتفاصيل الدقيقة عن حراك الريف، ومحاكمة الزفزافي ورفاقه، ولأنها عملت في وقت سابق، مديرة في خارجية بلادها لقسم دول جنوب الصحراء، تمكنت من صياغة محترفة لمعطيات الحسيمة، بما جعل وزير الخارجية الهولندي، يتبنى كامل فقرات التقرير المعد والمستوفي التفاصيل، لحضور وفد من السفارة الهولندية لكل جلسات المحاكمة في الدارالبيضاء.

وقدمت بونيس ديزيريه، صياغة موقف، لخبرتها السابقة من 2013 إلى 2016، منسقة للأوضاع الدولية في خارجية بلادها، ولأن هولندية من أصل تركي (ياسمين سيغيريك) عوضتها في هذا المنصب، فإن السفيرة ديزيريه، بقي لها النفوذ الكبير في الخارجية الهولندية، لأنها جدية ودقيقة في نقل الوقائع، و”سفيرة قلوب” أيضا كما قال عنها وزير الخارجية، ستيفان إبراهيم بلوك، المنتمي لحزب الحرية والديمقراطية، ولقاء الخلفيتين، العمالية للسفيرة ديزيريه لاندلاع حراك الريف إثر الوفاة المأساوية لتاجر الأسماك، محسن فكري، والخلفية الليبرالية المنافحة عن التظاهر السلمي لوزير الخارجية بلوك، وحد هولندا، وأنتج موقفا قويا ومختلفا عن باقي دول الاتحاد الأوروبي، ولموازنة هذا الموقف المستجد من الأراضي المنخفضة، قام ناصر بوريطة بزيارة دول البلقان، قصد تشكيل هامش آخر حول المركز الفرنسي ـ الألماني ليكون في صالح سياسة الرباط التي تواجه عملا دوليا يقوده مستشار الأمن القومي الأمريكي، جون بولتون، ويسعى إلى حل في الصحراء يطابق عمل أمريكا في كوسوفو.

ومن المخيف عند ساسة الرباط، تحريك ورقتين: الصحراء والريف دفعة واحدة، فاختاروا استعمال الحد الأقصى لصلاحيات الملك، وهي رؤية خلفت صعوبات مباشرة على المشهد الحزبي، المطالب حاليا بإطلاق حزب باسم أمازيغي (تامونت) للحريات، أمام الفراغ المهول الذي خلفه الموت التدريجي للأحزاب الوطنية ونفاذ صلاحية الإسلاميين في الساحة، وتعول الجهات الغربية على بناء أحزاب يمينية أمازيغية مستمدة من حراكات مرتقبة بعد الريف، في باقي المناطق الأمازيغية الأخرى.

ولن يختلف السيناريو “الأمازيغي” في المغرب عن السيناريو “الكردي” في سوريا، إن زادت القبضة الأمنية في إدارة الشأن الحزبي في علاقته بالاحتجاجات، فاليسار الموحد، كاد أن يحتوي احتجاجات الريف، ولم ترغب وزارة الداخلية في حوار المحتجين أو حوار حزب تعترف به السلطات، ويطرح التقرير الهولندي أجوبة دقيقة على هذه الأبعاد.

+++ الحراك الذي تحول إلى ثورة في الأدبيات الهولندية، رغم تصحيحات السفيرة ديزيريه والزفزافي

قبل أقل من شهر، وفي 30 غشت الماضي، صدر كتاب تحت عنوان “ثورة في الريف”(1) باللغة الهولندية بكلمة تقديمية لناصر الزفزافي، بسطت المشكلة في الريف، لكن بعض الأدبيات تحاول تحريف المسار، رغم تصحيحات السفيرة ديزيريه والزفزافي، لأن الأحكام الثقيلة نقلت الوضع العام من خانة إلى أخرى، والتيار المتشدد في السلطة، وفي الشارع الهولندي متفقان على المزيد من التوتير بتصويرهما الحالة، على أنها حالة ثورية وانفصالية في شمال المغرب، وتحاول الدبلوماسية الهولندية نقل الملف خارج المتشددين، وإبداء علامات انفراج في الملف، بعد العفو عن 180 معتقلا في عيد الأضحى.

وجاءت قراءة إريك ديميستر على كتاب ابتسام أكركاش، دقيقة أكثر، أمام ما دعاه “جوع الأفكار” الذي أحاط بأزمة الريف.

وانتصرت السفيرة ديزيريه لخلاصة تقول: هناك حراك اجتماعي في المملكة دون تصويره “ثورة شعبية”، فالمسألة تتعلق بحقوق جماعية في مستشفى لمعالجة السرطان وجامعة وباقي المطالب “المشروعة” في نظر حكومة العثماني، قبل وبعد تفكيك الحراك السلمي في الحسيمة، الكابوس الذي قض مضجع النخبة المغربية، لذلك، جاءت التصريحات التالية:

1 ـ أن الحراك، حراك الحسيمة وليس حراك المنطقة الجغرافية أو التاريخية للريف، وجرى عزل الناظور عن الحسيمة أمنيا ولأسباب قبلية أيضا، كي لا تتوحد المنطقة، لكن الأدبيات السياسية في الغرب، وحدت الصورة.

2 ـ أن إثارة محمد عبد الكريم الخطابي وأدبياته من طرف المحكمة المغربية، غيرت زاوية النظر بالنسبة للمراقبين الهولنديين.

3 ـ أن حراك الريف، حولته المحكمة في الدارالبيضاء إلى تنظيم سري.

4 ـ أكثر من 800 متابع في حراك الريف و53 قائدا أدينوا بـ 360 سنة.

5 ـ عشرة كتاب حاولوا مقاربة حراك الريف مع مقدمة لناصر الزفزافي.

وبعيدا عن ديمقراطية وليدة أو شابة، هناك ديكتاتورية مطلقة في نظر الكتاب العشرة، والأمر يتعلق باستنتاجات صادمة:

أ ـ أن حراك الريف، استمرار للمعركة ضد إسبانيا منذ أول القرن العشرين، وهي أول معركة مناهضة للإمبريالية رفضت وترفض “الثمار المرة” لاستقلال المغرب، وترغب في بناء قواعد وبنيات جديدة لاستقلال وطني حقيقي.

وإحياء الذاكرة الشعبية والاعتراف بالماضي، عنصر مركزي في ما شهدته الحسيمة، وأخطأ التقدير الرسمي عندما تساءل عن الرموز التاريخية والثقافية للمنطقة، فالمحكمة حاكمت الشعارات، وهي نفس ما جرى تحليله في الأدبيات الهولندية.

ب ـ أن الوصف الذي قدمته الصحافة المواطنة في الحراك، تحول إلى الصحافة الدولية في محاكمة الزفزافي ورفاقه، وهو ما جعل الصورة واضحة بالنسبة للمراقبين، وتدخلت السفيرة ديزيريه لإنصاف الرأي الرسمي أكثر من مرة في تقريرها، لأن المسألة لم تتعلق بـ “مطالب سياسية”، لكن الأحكام كرست هذا البعد.

ت ـ حدث تحول قوي في المجتمع الريفي لخروج المرأة للتظاهر والاحتجاج، وهو ما قلل من التسييس، وقدم المطالب الاقتصادية عن غيرها، لكن المحاكمة وانعكاساتها، أعادت الملف إلى الإطار السياسي.

+++ 300 تظاهرة تضامن لـ “دياسبورا” الريف في الخارج، خصوصا في هولندا وبلجيكا

16 ألفا في شوارع بروكسيل في تظاهرة تضامنية، وهو رقم يعكس تأثير “الديا سبورا” في القرار السياسي والحزبي، وهنا تدخلت السفيرة ديزيريه لتؤكد على متانة القنوات بين المملكتين المغربية والهولندية، فـ 50 في المائة من الريفيين في هولندا تظاهروا تضامنا مع ساكنة الحسيمة، وهو رقم قياسي يجب التعاطي معه بروية، فالمسألة تنموية في الريف يمكن أن تشارك فيها هذه “الديا سبورا”، وهي ليست مع الزفزافي مسألة سياسية.

+++ في هولندا.. بعض القادة من “غروين” وأيضا في “بي. في. دا” مشاركون في حراك الريف؟

أبدت السفارة الهولندية خلاصتين:

1 ـ أن عمل الدولة الهولندية، لا ينفصل عن الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي.

2 ـ ليست هناك سياسة هولندية أحادية الجانب تجاه إقليم الريف، شمال المملكة.

ورغم عتاب هولندا على زملائها الأوروبيين في مراقبة محاكمة الزفزافي ورفاقه، فإن السفيرة ديزيريه نبهت إلى:

1ـ عدم تأثر العلاقات الثنائية الهولندية ـ المغربية بهذه التطورات، فالرباط لا يمكن أن تقوم بأي تصعيد لافت، كقطع العلاقات، لأن الموقف في الصحراء وإمكانية الذهاب بعيدا في الاعتراف بـ “الخصوصية الصحراوية”، يعيد إلى الأذهان تقييم اللاجئين وعودتهم إلى ديارهم.

وذهبت النرويج والدنمارك إلى تناول هذا الجانب، فيما انفردت هولندا بـ “المكون الريفي” لدمقرطة المملكة الشريفة.

2ـ أن ما حدث في بلجيكا، وقليل في هولندا، بخصوص تهميش التغطية الإعلامية العمومية المواكبة لحراك الريف، في صالح الهدوء.

وقد أكدت المصادر على خلاصة ثالثة، تقول بـ “ضرورة تقليل تأثير القادة من أصول ريفية في الأحزاب الهولندية، كي تكون السياسة الرسمية بعيدة عن أي ضغط من الرسميين المغاربة أو من يعارضهم”، خصوصا وأن قادة في تنظيمي “غروين” و”بي. في. دا” مشاركين في حراك الريف، و”غروين” أو “الخضر”، حزب بلجيكي يتحدث الهولندية، يدعو إلى “الإيكولوجية الشبابية” ترأسه مريم ألماسي ذات جنسية بلجيكية تركية، ترى منذ انتخابها في 15 نونبر 2014 قائدة لـ “الخضر الفلامان” في بلجيكا، أن قضية الريف قضية حقوقية، كما ترى باقي القضايا الخلافية من هذه الزاوية(2).

والشأن نفسه مع “بي. في. دا” أو الحزب العمالي الذي تنتمي إليه السفيرة بونيس ديزيريه، ويحمل هذا الحزب شعار “الناس أولا وليس المصالح”، ولذلك، فإن موقف الحزب من حراك الريف، موقف مبدئي، وتعاملت معه السفيرة الهولندية في المغرب بكثير من البراغماتية.

ويبدي مؤلف “ثورة في الريف” الذي أعدته للنشر ابتسام أكركاش من مساهمات عشرة كتاب (محمد البدوني وكوين يوغارييت ونجاة بولفضل ومريم أوراغ ورشيدة لمرابط وحبيب القدوري وأسماء ولد عيسى وابتسام أكركاش وجمال الخطابي ونورا كاروش) نتيجة مفادها: “وجود فجوة أخرى بين الموقف الرسمي والحزبي في هولندا وبلجيكا، البلدان الداعمان لحراك الريف، تحت ضغط “الدياسبورا”، وفجوة أخرى بين الموقف الهولندي وموقف الاتحاد الأوروبي.

وجاء تبني الماركسيين واسعا للحراك منذ بداياته، وبعد رفض الزفزافي لخطبة الجمعة، كما رفضها أنصار الحراك في كل المساجد بالحسيمة، ولم يحاكم الزفزافي بهذه التهمة، بل بتهم أخرى تمس “الأمن الداخلي للمملكة”.

وحسب الملاحظات التي أوردها الهولنديون، فإن ما حدث:

ـ هو رفض لتسييس الجوامع وأماكن العبادة، ولأول مرة، في بلد مؤمن بأمير المؤمنين، ينتفض مؤمنون ضد الخطاب الرسمي على المنابر، وقد انتقل الزفزافي بعد هذه الحادثة إلى مناضل يساري في اليسار الموحد بالداخل والخارج أيضا(3)، بعد تبني الحزب الليبرالي له، وقبل أن يواكب الإسلاميين في تظاهرة الرباط، احتجاجا على الأحكام التي صدرت في هذه القضية، وجاء هذا السياق، لعدم النضال من خندق واحد، تمسكا بالبعد الحقوقي لهذه القضية.

ـ الريفيون صياغة تاريخية لعبد الكريم الخطابي على 34.631 كيلومتر التي قاتل عليها المستعمر، ولأول مرة، تضع الأجهزة النسب التي شاركت بها القبائل الريفية في الحراك:

1 ـ أيت عمارت، قبيلة صغيرة لم يكن لها تأثير في الاحتجاجات.

2 ـ أيت بويحيى، ولم تشارك هذه القبيلة التي تمتلك أكبر مساحة بين القبائل الريفية، خصوصا في العروي وتيزتوتين وساكا، وكان احتجاجها سيقلب المنطقة.

3 ـ أيت أوريسك، وتوجد في مدينة بن الطيب.

4 ـ أيت ورياغل، وهي أكبر وأقوى قبيلة في الريف صنعت تاريخ المنطقة السياسي والثقافي، وهي العمود الفقري لحراك الريف، وقبلها لمعارك الخطابي، وتستوطن جنوب الحسيمة تحديدا، إمزورن وبني بوعياش، وأيضا تماسينت وأجدير.

5 ـ أيت سعيد في الكبداني وتزاغين وأميجاو.

6 ـ أيت تامسمان، ولم ينخرطوا فيما حدث، بنفس ما قاموا به في عهد الحسن الثاني، خصوصا في 1984، وفي مدن بودينار، وكرونا وتارغوت، ولم تعرف هذه المناطق تظاهرات احتجاجية كبيرة.

7 ـ أيت توزين في شمال أزغنغن.

8 ـ غزينايا في باقي أزغنغن، وهذه القبيلة إلى جانب أيت واعز وأيت توزين وأيت تمسمان، هم نواة الريف ولا يكونوا في مقدمة أحداثه، لكنهم يدفعون الأحداث بالاتجاه الذي يريدونه.

9 ـ البقويين، وشاركوا بكثافة في حراك الريف، وهو ما نقل الحراك إلى “الإجماع الريفي”، لأن ساكنة الحسيمة من أيت وياغر وباقي النواة الريفية، تحركت، وبقيت الاحتجاجات في الحسيمة غير قبلية، ومثل حراك الريف حراكا لكل قبائل الريف، لأنها ممثلة في هذه المدينة المنتفضة.

10 ـ إبدارسن، لم تشارك بالحراك على صعيد تواجدها وجغرافية انتشارها.

11 ـ أشبدن، لم تصل الاحتجاجات إلى منطقتها.

12 ـ أقبراليين التي توجد بكثرة في الناظور، لم تشارك في الحراك، كما منعت نقله إلى مليلية، ووقفت إلى جانب استراتيجية وزير الداخلية لفتيت، المنتمي لنفس المدينة.

13 ـ أيت إيطافت، وهي في جزيرة باديس.

14 ـ أيت بوفراح، ووقع فيها حادث أمني تجاوزته الساكنة.

15 ـ أيت يزناسن، لم توسع رقعة الحراك.

ومن خلال هذه الخارطة القبلية، يكشف المراقبون الغربيون، أن قدرات الحراك لم تكن مدعومة، لأن مطالبه لم تكن سياسية، كما لفتوا إلى حديث معظم المعتقلين باللغة العربية بشكل فصيح، بما سهل الترجمة للوفد الهولندي الذي عمل بحرفية استثنائية، وأتى بتقرير ترشيح الزفزافي لجائزة “ساخاروف”، مؤكدا على أن كل البيانات التي قدمها الزفزافي ورفاقه “غير انفصالية”، وسمح هذا التقصي الذي قامت به المحكمة، بتسريع العفو عن الصف الرابع والخامس من الحراك، الذين لهم أحكام مخففة مقارنة بعشرين سنة للقادة.

+++ الأزمة حقوقية مع الريف

تقود المغربية خديجة عريب رئاسة الغرفة الثانية في هولندا منذ 13 يناير 2016، وهي التي اعتقلت، وأفرج عنها بتدخل الخارجية الهولندية بسبب “رأي”، وقد اشتغلت مع المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان قبل أن يصبح المجلس الوطني.

وحاليا، تجمدت القناتان (الخارجية الهولندية والمجلس الوطني لحقوق الإنسان)، لأن وثائق المجلس في المحكمة، شابها “الطعن”، كما أن الخارجية المغربية رفضت أي معالجة للملف يشارك فيها الهولنديون، فتأزمت العلاقات بشكل مفرط بين أمستردام والرباط.

ولم يتمكن رئيس مجلس المستشارين المغربي والمجلس الثاني في المملكة الهولندية، من عقد أي جلسة حوار، رغم انتماء الرئيس المغربي لمنطقة الريف وقيادته أخيرا لحزب الأصالة والمعاصرة (حكيم بنشماس)، كما لم يتمكن الأخير من لقاء نظيرته خديجة عريب التي جدد فيها الهولنديون الثقة بـ 111 من أصل 122 صوتا معبر عنه(4).

ويعتقد المراقبون، أن الرباط أغلقت كل القنوات مع الهولنديين، وأثبتت ديزيريه، أنها عاملة على خفض التوتر بين البلدين، فديركيي إليزابيث (الاسم الحقيقي للسفيرة)، تحاول أن تعزز الحوار مع الرباط، وبخصوص هذا الملف تحديدا، وقد انفجر بعد أسابيع من قدومها، وتابعته بشكل مكثف، وهي حاليا ضمن المجلس الاستشاري الاجتماعي “أنيمار” ورئيسة البرلمانيين الأوروبيين مع إفريقيا، وقادرة على بناء حل لأزمة حقوقية عاشها المغرب، ولا تريد هذه الدبلوماسية الهولندية، أي فجوة بين الحاملين للجنسيتين (الهولندية والمغربية).

وتحدثت السفيرة علنا، في يونيو الماضي، عن أزمة الريف في حوار من ساعة ونصف، أكدت من خلال التسجيل الذي نقله موقع “أمازيغ انفرماسي سنتروم”، على “أن الأزمة حقوقية والسيطرة عليها ممكنة”.

وتحول الريف إلى مشكلة في هولندا، ويلاحظ عدد الأنشطة الخاصة حول الموضوع هذا الشهر فقط (شتنبر 2018)، حيث ركزت كل الحوارات على الريفيين ومستقبل المنطقة في شد الحبل بين الزفزافي ورفاقه وبين الدولة، خصوصا وأن التحليلات المعتمدة، أكثر دقة من كل الجوانب، خصوصا في موضوع الهوية الوطنية في المغرب.

وفي سؤال المشاركين، في نقاش 22 شتنبر الجاري بديبالي بأمستردام، ما يؤكد أن المسألة معقدة، وخرجت عن طابعها الحقوقي، لاستجلاء الأبعاد الأخرى، مقترحا مقاربة سؤال: هل “الفكرة الرومانسية” لحراك شعبي، مطابقة للواقع؟

وبحضور الفيلسوف مارتين دورمان، يكون البعد المثالي في هذه الحركة، زاوية قائمة، خصوصا وأن البحث “الريفي الأوروبي”(5)، يتطور مع الهجوم على مقولة “الريفي المغربي”، فالمصالحة مع تراث عبد الكريم الخطابي، لم تكتمل، وليس التدقيق في قراءة تاريخية منصفة هما، ولا شغلا أكاديميا أو مدنيا، وبالتالي، فإن المصالحة الحقوقية كإجراء مواز، ليس في صلب مقاربة الدولة، لأن فلسفتها: إطلاق عنان المقاربة الأمنية وتبريد نتائجها بالعفو الملكي، وهو تكتيك معمول به منذ استقلال المغرب إلى الآن.

ويقترح الهولنديون، “بناء الريفي المغربي” في هذا الظرف الدقيق، المؤطر بوسائل الاتصال والأنترنيت، وقد تداخلت حركتهما بحراك شعبي في شمال المملكة.

+++ لعبة التنمية تدفع إلى افتحاص مشاريع الاتحاد الأوروبي، كما يحدث في الصحراء

لا تخفي مداخلات الساسة الهولنديين، الدعوة إلى نقل ما يحدث في الصيد بشواطئ الصحراء مع الاتحاد الأوروبي إلى باقي المشاريع التي تعول عليها المملكة، وسيسعف هذا القرار العاصمة الرباط، لأنها تريد ضرب أي تمييز للصحراء عن باقي جهات المملكة، وهذه الفرصة ذهبية لافتحاص مشاريع ومساعدات الاتحاد الأوروبي في الريف، وباقي جهات المغرب غير النافع.

إن هولندا ترفض الفجوة بين الريفي والمغربي، انطلاقا من الموضوع التنموي، وترى ليليان بولمان، أن الريف أزمة، ويصعب على الاتحاد الأوروبي التعاطي معها، وقد انتقلت إلى جانب زميلتها، كاتي بيري، إلى المغرب لزيارة الحسيمة، دون أن تتمكنا من ذلك(6).

وجاءت هذه الضربة ضد الحزب العمالي الهولندي، لتزيد من صعوبة التواصل مع العاصمة أمستردام، فحزب السفيرة ممنوع من الوصول إلى الحسيمة، وهو ما دفع إلى تصريح خطير يقول: “إن الثورة الريفية التي بدأت منذ عقود، وصلت ذروتها، وقادة الحراكات السلمية يدانون بعقوبات ثقيلة، والريفيون الذين وصلوا إلى مسقط رأسهم في زيارة إلى بلدهم الأصلي، يساهمون في مقاطعة المواد باهظة الثمن، وقد أعلن هذه المقاطعة ريفيون”.

هذه الفقرة بليغة، وتكشف عمق الأزمة الهولندية ـ المغربية، وبالتالي، “أزمة الريف”، ولا تختلف، حسب “أمازيغ تايمز”، الأزمة الحالية عن أزمة 1984 “الاقتصادية”.

وبين البعد الحقوقي، انطلاقا من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والبعد الاقتصادي للأزمة في المغرب، يصل الوضع إلى حافة الانفجار، بما يخضع التنمية إلى التدبير الخارجي المباشر في متابعة البرامج والمساعدات، ولن يعارض أحد منع الفساد، أو التقليل من معدلاته بأدوات داخلية وخارجية.

ويرغب الهولنديون في مراقبة المشاريع والمساعدات التي يقدمها الاتحاد الأوروبي، خصوصا في الريف، ولوح المغرب أنها مساس بسيادته.

وخارج الحوار المتواصل بين الجانبين، الأوروبي والمغربي، لا يمكن الوصول إلى تفاهمات جديدة، فيما تزيد الأزمة الحقوقية تعقيدا، إن لم يتمكن المغرب من حل عقدته مع الريف بـ “سرعة وفعالية” كما أوضحت أمستردام، وهي تعرف أن العفو عن قادة حراك الريف لا يزال معقدا، فبعد الطلب الإسباني الصريح بطي الصفحة بإطلاق كل معتقلي الريف في بداية الأزمة، لاقت هولندا صدا لنفس المقترح، بعد استفحال الأزمة.

+++ الزفزافي والسفيرة ديزيريه، يرفضان “الثورة” ويقولان بـ “الحراك الشعبي” و”المظاهرات السلمية”

“كلما تقدمت الأزمة بين الريف والمغرب، حسب وزارة الخارجية الهولندية، ستستمر الثورة في الريف”، وهذا الاصطلاح يخالف “ثورة الريف”، بما يؤكد أن الأزمة اقتصادية، وخرج المتظاهرون في الحسيمة لحلها، وبناء مشاريع يستفيد منها المصابون بالسرطان، أو الطلبة ببناء جامعة، وغيرها من المشاريع التي تدخل في إطار التنمية البشرية، وليس في التنمية الشاملة كما يحددها مشروع “الحسيمة منارة المتوسط”.

ورفض الزفزافي والسفيرة الهولندية، في المغرب، أي انزياح يؤسس لسوء تفاهم إضافي بين الساكنة المحلية والنظام السياسي، وبين القادة الـ 53 والريفيين بالخارج، فالكل ينتظر تحولا راديكاليا في السجون، فيما تنصح ديزيريه بإيداع الحل المناسب بين الساكنة والمركز، وتجاوز ما حدث من أخطاء سببت في أزمة حقوقية لا تزال متفاعلة إلى الآن.

+++ إلى الآن، لا يوجد في هولندا رأي عام يدعم وجود “أمة بربرية أو أمازيغية”، وكما كتب الهولندي أسيس أينان، بعد لقاء مؤرخ: “قبل أن تكون وطنيا بربريا، وجب أن تكون هناك أمة بربرية قبل كل شيء”

يرى مقال لسوزان أينان(7)، أن المسألة تتعلق بـ “أزمة بربرية أو أمازيغية” لإعادة تكييف ومقاربة ما يجري في شمال المغرب، أو يكون الجانب الحقوقي ودمقرطة المغرب كله، جزء من إعادة تشكيل الرؤية الجديدة، وإلى الآن، لا تزال النظرة معتدلة في أوساط الريفيين في الخارج، وكما أكدت “بارلومونتير مونيتور”، فإن القدرة على التعاطي مع المشكل، “يجب أن تنزل إلى مستويات أدنى في سلم القرار المغربي”.

ولا تسيطر الحكومة على الملف، لأنه بين القضاء الذي يرأسه والملك والعفو الذي يصدره القصر، وأي مواجهة مفتوحة، ستسبب في كوارث، لأن الوضع في الريف دائما ساخن، ولو ظهر عكس ذلك، كما يقول ستيفان أدولف(8).

ولا يمكن في كل الأحوال، القول أن كل شيء انتهى، لأن تحت السطح لا يزال مشتعلا، وإن بنسب أكدت أن المسألة ستنتهي بعفو ملكي، كما حدث مع أكثر من 180 شخصا في مناسبة دينية واحدة.

وفضل الملك المغربي العفو عن الريفيين بصفته أميرا للمؤمنين في مناسبة دينية، وليس بصفته رئيس الدولة، ولذلك لم يختر مناسبة وطنية لإطلاق سراح هؤلاء، بل قرر أن يغلب موقعه الديني على غيره.

ومن المخيف، أن يؤكد الإسبان أن تسارع الهجرة ارتفع في أوساط الشباب المغربي، فأكثر من 30 محاولة محبطة من طرف مختلف أجهزة الأمن المغربية في شهر غشت وحده.

ولم يعد ممكنا الحديث عن تغيير سلمي عبر الشارع أو تغيير اقتصادي عبر المقاطعة، ولذلك، فنسبة اليأس مرتفعة في هذه الأوساط، وبين التجنيد العسكري والهجرة، لا يزال الأمر معلقا في نفوس الشباب، وحسب الهولنديين، فإن الهجرة العكسية التي يطمح إليها البعض في الانتقال من الدول الأوروبية إلى البلدان الأصلية، انتهت، وينتظر الأوروبيون هجرات متوالية، اضطرت المغرب للتدخل ضد الأفارقة ونقلهم إلى مدن الجنوب المغربي، لأن الرقم الوطني في أوساط الهجرة السرية، ارتفع بشكل كبير وصادم.

+++ الحوار الهولندي ـ المغربي، يبدأ من الهجرة التي سبب فيها الوضع العام للشباب

لم يعد ممكنا الحديث عن حراك الريف، بمعزل عن الهجرة التي قررها معظم الشباب الذين ساهموا بشكل واسع وجدي في تغيير المشهد المحلي، وقبله الوطني، دون طائل.

ومن المهم القول أن خلاصات السفيرة بونس ديزيريه، جاءت معتدلة، وتخدم بعض المبررات الأمنية، رغم انتقاد الأسلوب الذي أقصى به المغرب هذه الاحتجاجات، يقول نيلز ريغتر في “التلغراف”(9)، ورسالة وزير الخارجية إلى المغربية التي ترأس مجلس الشيوخ الهولندي، أثارت ضجة لانتقادها الأحكام الثقيلة ضد قادة حراك الريف، المنتفضين فقط ضد البطالة والرشوة.

وهذه الرسالة الموقعة في 5 شتنبر الجاري، أكدت أن 800 شخص أوفقوا، نصفهم أدينوا في هذه الأحداث بين سنة واحدة و20 سنة.

وعبر وزير الخارجية الهولندي، بلوك، بالقو: ويظهر على هذه العقوبات، أنها مرتفعة، جازما أن هولندا تبقى الدولة الوحيدة التي أثارت الوضعية في الريف.

ولا تزال مشكلة شعو بين لاهاي والرباط، عالقة، وقد علق الصحافي، أن الموقف المغربي “متعنت”، لكن القنوات لا تزال مفتوحة، لأن التعليق على الأحكام القضائية وبعض العبارات في التقرير واردة عن تقرير “أمنستي” الدولية، و”هيومان رايتس ووتش”، ولم تصل إلى حدتها مطلقا، لكن الوزير عبر عن تقاسمه مع خلاصات هذه المنظمات الدولية.

وحسب المصادر، فإن التقرير التفصيلي عن المحاكمة والمرفوع من الرباط، هو الذي خلق الفجوة بين الأحكام والوقائع.

ومن الدقيق، الإشارة إلى اعتماد دول الاتحاد الأوروبي على التقرير الهولندي المفصل عن محاكمة الزفزافي ورفاقه، وقد نقل التفاصيل بشكل زاد عن تقارير المنظمات الدولية.

وبالرجوع إلى تصريحات وزير الخارجية، بلوك، فإنها أقل كثيرا من تصريح وزير  حقوق الإنسان، مصطفى الرميد، وهو ما أكدته السفيرة ديزيريه.

+++ الحوار الهولندي ـ المغربي متواصل..

لا يمكن للحوار الهولندي ـ المغربي، أن يتوقف، حسب مصادر دبلوماسية، لأن أمستردام تحاول أن تؤكد على مسألتين:

1 ـ توسيع المساءلة على المشاريع التنموية والمساعدات الموجهة إلى المغرب من الاتحاد الأوروبي.

2 ـ تشجيع الديمقراطية الداخلية في المغرب، لمنع هجرة الشباب إلى أوروبا، وخصوصا من الريف، واختارت الرباط حلا أمنيا آخر: التجنيد الإجباري لصالح الفئة الشابة بين 19 و25 سنة.

وأيا يكن الوضع الدبلوماسي الحالي بين الجانبين، الهولندي والمغربي، فإن أمستردام لم تتخذ أي خطوة داخل البرلمان الأوروبي أو على مستوى الاتحاد، وما عبر عنه المغرب، “هو لفت انتباه لكبح التصعيد أو اتخاذ خطوات أخرى”، فيما لان الجانب الهولندي أكثر للرؤية النرويجية ـ الدنماركية بخصوص ملف الصحراء.

وتعرف أمستردام، قبل العاصمة الرباط، أن انتقاد القضاء المغربي، هو رفع للغطاء عن المحاكمين في “إكديم إزيك”، وهناك ضغوط متواصلة لمناقشة هذا الموضوع.

وفي خلاصتين صادمتين للتقرير الهولندي، يتأكد إن التزمنا حرفيا بالنص، أن وزير الخارجية بلوك، لم يدع إلى الإفراج الفوري عن الزفزافي ورفاقه، وإنما قال بعدم ملاءمة الأحكام للوقائع فقط، ومن جهة ثانية، فإن الموقف الهولندي المتقدم على الاتحاد الأوروبي، يؤكد على عدم وجود أي ضغوط مرتقبة من الأوروبيين على المغرب بخصوص ملف الريف.

ودفع وزير حقوق الإنسان في المغرب بـ “عدم الملاءمة” أيضا، في أول تعليق له على الأحكام، لذلك، فإن أمستردام اختارت سقف مصطفى الرميد في بناء موقفها، وهو ما جعل ناصر بوريطة، يلغي في آخر لحظة، نشر خبر استدعائه رسميا للسفيرة الهولندية في الرباط، واعتبرت الأوساط شبه الرسمية، أن الحوار بشأن هذا الموضوع مع ديزيريه، هو إجراء دبلوماسي ردا على مناقشة مجلس الشيوخ الهولندي لتقرير مفصل عن محاكمة الزفزافي ورفاقه، وإن لم تحدد جلسة لمناقشته، لكن تطورا لافتا ستعرفه الأيام القادمة، حسب مصدر موثوق.

هوامش

  • Btissam akarkach, opstand in de rif – met voorwood van nasser zefzafi, geschreven door, erik demeester, gepubliceerd, 30 augustus 2018.
  • Meryem almaci, casse tête autour de foulard, revue de débats, Bruxelles, n° 55 juin 2008.
  • Morokko: de rif komt weer in opstand, marxist.com 6/6/2017.
  • Arib herkozen als voorzitter, nrc.nl,30 maart 2017.
  • Europese riffijn.
  • Opstand in rif: hoe nu verder? amsterdam, 22 september 2018. organisatie de balie, europ. nu .nl.
  • Opstand in de rif (essay bundel), susan aynan, 19/7/2018.
  • Een eeuwig hete zumer, steren adolf, de groene amsterdammer, 28 juni 2017.
  • Ambassadeur in morokko op het matje, niels rigter, de telegraaf, 9 sep 2018.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!