في الأكشاك هذا الأسبوع
????????????????????????????????????

عبد العزيز بنعبو| في خاطر ناس الصحافة…

الرباط. عزيز بنعبو

1997 … بعدما إستنشقنا انا والزملاء القلة رائحة “الصباغة” الطرية، التي كان مقر المنعطف يزين بها جدرانه. نزلنا في جولة رباطية، نتفحص تلك الشوارع التي بدت لنا مثل أريكة مريحة خاصة بعد يوم كامل من العمل دون قصاصات أو أنترنيت. فقط القلم وما يجود به وتلك الاخبار المتناثرة هنا وهناك التي حاولنا ان نصنع منها شيئا. المهم كتبنا الصفحات كاملة واعددنا المخزون لإطلاق العدد الاول من اليومية..

من “مارشي النوار” بحلته القديمة طبعا، إلى مقهى “موناليزا”، مرورا بمحطة القطار الرباط المدينة وقبلها مقهى “هاواي” وتلك الحانة الصغيرة التي إنقرضت مثل العديد من الاماكن المميزة.

على يسار شارع محمد الخامس وانت متدحرج من المقر الكبير للقرض الفلاحي، يوجد البرلمان وقبته الشهيرة، لكن على يمين الشارع، توجد مقهى “باليما” التي إنقرضت بدورها انهارت امام الحداثة ووهنت عظامها ولم تستطع متابعة المسير.

الروبيو مازال هنا، منذ ذلك الوقت يبيع الجرائد والكتب والكثير من الدردشات الجانبية البليغة ياخد منك بعض اخبار ويعطيك أخرى. هكذا هو الروبيو ورواده الذي يتجاوزون عتبة الجريدة إلى فضاء المؤانسة. امامه تنتصب مقهى “بول” بترخيم الباء اما إن فخمتها فعليك بمقهى في اكدال وله صنو في الرياض.

نحن نكتفي بالباء مرخمة وبقهوة جميلة رخيصة لم تمتد لها يد قوارير الماء التي ضاعفت ثمن القهوة إلى حد يجعلك تفكر في ارتياد مقاهي السوق افضل.. كل تلك الخطوات تكون مثقلة بعد وجبة دسمة من العمل الدؤوب والشاق فعلا، فالصحافي وحده يعرف ماهية كتابة أربع صفحات من صفحات الجرائد طبعا، كل صفحة يلزمها اكثر من ثلاثة ألاف كلمة إضافة إلى الصور لتملأ بطنها الراغب في المزيد دائما وابدا…

على ضفاف هذه الجولة نلتقي بعض الزملاء الكبار في المهنة والسن، انذاك كنا نتحين الفرصة لنغرف من معينهم بعض قطرات المهنة، واليوم نتحين الفرصة لنغرف من معين المحنة بعض المرارة الاخيرة. كنا نلتقي بعضهم وقد تدلت ملامحهم ما عادت مشدودة إلى الحياة، إنحنت رغباتهم وإنطوت امالهم خلف كأس قهوة وسيجارة وبعض المشروبات إن وجدت، فهي وحدها كفيلة بإزالة هم السنين وتعب المهنة ووزر المحنة وغدر اللحظة. ساعتها كانت تبدو كلماتهم شاردة وباهتة لا لون لها، ألسنتهم تعبت مثل اقلامهم، كنا نتساءل كيف ولماذا… كيف يصير الصحافي مجرد شبح، والاهم لماذا يصير الصحافي أكثر من شبح يصير عدوا لمن خدمهم امس وقدم لهم الكلمات تلو الكلمات والخدمات تلو الاخرى والحوارات تلو الحوارات والأخبار و التعليقات… كيف يصير من صنع اللحظة امس مجرد همسة في اذن الريح اليوم..

كل تلك التساؤلات طرحت نفسها بقوة الخوف من الأفق، لذلك تجاهلنا كل تفاصيلها وواصلنا المسير في حياتنا. اليوم بعد انقضاء أزيد من عقدين وبالضبط واحد وعشرون سنة منذ اول قهوة في موناليزا وبول والمثلث الأحمر. يلتقيني بعض الشباب يجدونني مثلما وجدت السابقين. اليوم في سنة 2018 يجدني صحافيون شباب مثل وجدت أسلافنا سنة 1997. بمعنى أن الحطب لا يمكنه أن يغير مصيره فهو إلى رماد.. اليوم وبعد كل هذه السنوات امر خلسة من شارع محمد الخامس، أشرب قهوتي وعند الدفع اجد شخصا ما قد تكفل بالمهمة لا أعرف من أو لماذا أسأل النادل فيقول لي “واحد السيد”. اليوم وبعد أن صار العمر مضطرا لجهد اخر ولبداية أخرى، مضطر لترويض الحلم وتكييفه مع تأخر القطار… مضطر لأن تصبر على مكالمات غير مجابة، مضطر أن تقبل تحية هاربة ومضطر أن تبقى صحافيا لا تستطيع تغيير مصيرك إلى بائع “زريعة او كاواكاو” أو صاحب مقهى او مالك “حانوت” أو أن تصبح طبيبا أو أستاذا أو حتى لا شيء، مضطر لأن تبقى أنت، فالحطب حطب و الحمد لله ان النار لازال لها مرتع في جسده..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!