في الأكشاك هذا الأسبوع
?

أحمد إفزارن : ضغطٌ اجتماعي بين السياسةِ والمالِ والدّين!

هذا ليس ربيعا ولا خريفا..

إنه صيفُنا السياسي الساخن..فإما أن نتعامل معه بسياسة تهدئة، مع حل المشاكل الاجتماعية المطروحة، وبفعالية، أو تشتدُّ السخونة، وقد تعقُبُها تفاعلاتٌ أسخَن..

– وهذا احتمال وارد..

وجَبت التهدئة..

ومع التّهدئة، حكمةٌ وتَعَقُّلٌ وانفراج..

انفراج في واقِعِنا الاجتماعي المترَدّي..

إنّ مجتمعَنا الحالي يختلفُ عن مجتمعاتِنا السابقة، وعن طريقةِ تفكيرِ آبائنا وأجدادِنا..

المجتمعُ المغربي الجديد يختلفُ كُلّيّةً عن مجتمعِ فجرِ الاستقلال، ومجتمعِ الستينات والسبعينات والثمانينات وحتى عن مجتمعِ ما بعدَ عامِ ألفَيْن…

الأجيالُ الجديدة لا تقبل أيَّ تبرير لأيِّ فشَلٍ حكومي في تدبير وتسييرِ الشأنِ المحلي والعمومي..

والتبريرُ الديني غيرُ مقبول..

والتبريرُ الاقتصادي غيرُ مقبول..

وحتى التبريرُ السياسي غيرُ مقبول..

فإما أن تنجحَ الحكومة في حل المشاكل المطروحة، أو يكونُ مآلُها السقوطُ والمحاسبةُ القانونية..

– ضرورة تفعيل الدستور الذي ينص على ربط المسؤولية بالمحاسبة..

وغيرُ مقبول بتاتا، في منطقِ عصرِ الشبكة العنكبوتية، أن يقفَ رئيسُ حكومةٍ أمام الناس، ويقولَ لهم: «عفا اللهُ عما سَلَف!»..

والأطفالُ أنفُسُهم يرُدّون عليه: «إنّ اللهَ شديدُ العقاب»..

وقد أصبحَ الهاتفُ المحمولُ لا يقتصرُ على المكالمات، فيه تطبيقاتٌ تسمحُ بتفحُّص ملاييرَ من الكتب، بكل اللغات.. وما لا يحصى من المنشورات والفيديوهات…

ويعرفون كلَّ شيء عن الكيفيةِ التي يجبُ أن تُدارَ به الشؤونُ السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعن دورِ السلطات: التشريعية والتنفيذية والقضائية..

وهذا المجتمعُ الجديد هو ابتَكرَ الحراكَ الاجتماعي المسالِم..

وعندما وجدَ العُنفَ الرسمي في شوارعِه، ووجدَ أن القضاءَ سلاحٌ طيّعٌ في قبضة الحكومة، وأن الدولة تتعامل مع الحقوق الاجتماعية بالزجرِ والسّجنِ والأحكامِ القضائية المبالغِ فيها، اكتشَفَ طريقةً أخرى، وهي المقاطعة..

والمقاطعة لم يَبتكِرْها الراشِدون فقط، ساهمَ في ابتكارِها أطفالُ الأنترنيت!

والأطفالُ يعلّمون أُمّهاتِهم وآباءَهم كيف يجبُ أن تكون المقاطعة..

ولن تستطيعَ أيةُ دولة في العالم، مقاومة الطوفان المسمَّى «مقاطعة»، مهما امتلكت من قوانين القمع، ومن أشكال «تازمامارت»، ومن أساليبِ تضييعِ الوقت، ومن طُرقِ تفويتِ ثرواتِ البلد إلى أيّ كان..

ولا تنفعُ إلا حمايةُ بلدِنا من تبِعاتِ الخلَلِ الحكومي الذي يرافق طوفانًا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وحقوقيا ومن كلِّ المستويات..

والحماية تكمنُ في طريقةٍ واحدة، لا ثانيةَ لها، ولا ثالثة..

طريقةٌ واحدة، هي إنقاذُ السياسة من الاختلاط بالدين والمال!

الدينُ والمالُ إذا اختلَطا بالسياسة، أفْسَدَا السياسةَ إفسادًا قد يأتي على الأخضرِ واليابس..

لم يعُدْ لنا متّسَعٌ من الوقت..

يجبُ الإسراعُ في إنقاذ السياسة من تُجّارِ الدين، وأباطرةِ الاقتصاد..

المالُ يُفسِدُ السياسة عندما يكونُ لها شريكًا..

والاتجار في الدين يُفسِدُ المال.. ويُفسِدُ كلَّ شيء، لأنه يخلطُ بين الدنيا والآخرة..

الدينُ والمال، عندما يتحوّلان إلى سلاحٍ ضدّ النزاهة، يكونان وبالاً على البلادِ والعباد..

ويظهرُ على الخطّ «رجالُ ونساءُ الدين»، فيُكفّرُون كلَّ من يدعُون إلى الفصلِ بين الدين والدولة..

وما يقعُ حاليا لما يُسمَّى بالإسلام السياسي، قد وقعَ لأديانٍ أخرى أقدمَ من الإسلام: الكنيسةُ المسيحيةُ – على سبيل المثال – كانت تحكم باسمِ «الإنجيل».. وكم من ضحايا اغتالهم رُهبانٌ بفتاوَى من الكنيسة.. وقد أحرقُوا عُلماءَ كثيرين.. وأدخلوا العالَم المسيحي في حروبٍ متتالية..

ولم تهدأ الدولُ المسيحية إلا بعد أن ثارت على سياسة الخلطِ بين الدين والدولة، ووضعت لنفسِها قانونا مدَنيًّا أسمتْهُ «اللائكية»، ولها تسميةٌ آخرى هي «العِلمانية»، أي سيادة قانونٍ مدَني يفصلُ بين الدين والدولة، ويُمَكّنُ كلَّ الأديان بالتعايُش على أرضٍ واحدة، تحت نظامٍ سياسي يحكمُهُ قانونٌ مشترَك، هو القانونُ العِلماني، أي المستقلّ عن كل الأديان..

ونجدُ اليوم أن كل أوربا وأمريكا وكندا وأستراتيا وآسيا، وغيرها، تتطوّرُ أكثرَ فآكثر، وتتعايشُ بسِلمٍ وسلام، حتى وهي تتعبّدُ بأديانٍ مختلة، ولها آلهةٌ كثيرة..

ولو رجعَت بلادُنا إلى القرآن، لاكتشَفت أن التعايُش واردٌ في الرسالة المحمدية: «لكم دينُكم وليَ دين»..

وأنّ الدينَ لله، لا للبشَر..

وجبَ الانتِباه إلى ضرورة الطلاقِ بين السياسةِ والدين، أي بين معالجةِ شؤون الدنيا بتأويلاتٍ من فُقَهاءَ لا يفقَهون لا في السياسة، ولا في الدين..

ويعتقدون أنهم قادرون على التأويل.. والقرآنُ يقول: «لا يعلمُ تاويلَهُ إلا الله»..

أما إعمالُ العقل في شؤون الدنيا، فالقرآنُ به آياتٌ كثيراتٌ في هذا المسار: «لعلكم تعقلون»، «أفَلا تعقلُون»، «كنتم تعقلون»، «إنْ كنتم تعقلُون»…

– وجبَ الفصلُ بين الدين والدولة..

وإذا لم نفعل، فحتمًا سيقَعُ ما وقَع لغيرِنا..

وحتى لا يتكرّرَ التاريخُ الفرنسي في بلادِنا، يتوجبُ أن تتحررَ سياستُنا عن سِندانِ المال، ومِطرقَةِ الدين..

وفرنسا لم تتحرر من التواطؤ بين السياسةِ والدين والمال، إلا بعدَ «الثورة» التي كان لها ضحايا كثيرون، وتطلَّبَ الأمرُ زمنًا طويلا، لكي تعيشَ الأجيالُ الحالية ما كانت تحلمُ به أجيال قديمة..

وليس عيْبًا أن نتَداركَ الموقف..

العيبُ هو تجاهُلُ الصراعِ اللاّمرئي بين المثلث: السياسة والمالِ والدين..

هو مُثَلّثٌ ضاغطٌ ومضغُوط..

ضغطٌ مُتبادَل.. في كلّ اتّجاه..

ويجب أن ننتبِهَ لمخاطرِ الضّغط..

وأن نستوعبَ أنّ التاريخ لا يعودُ إلى الخلف..

ولكنه يُكرّرُ نفسَه في بُلدانٍ لا تسفيدُ ممّا وقَع لآخرين..

وعلينا بوضعِ الدين في مكانهِ الصحيح، أي تمكينِ الآخرين من حقِّهم في عيشٍ مشترَك..

والدينُ ليس هو التَّبَجُّح بتبرُّعات إحسانية، وبالتصدُّق، وإعانةِ المعوِزين، أمامَ عَدَساتِ التّلفزيون..

الدينُ هو تجنُّبُ الْعُمرةِ والحجّ في بلدٍ لا يستطيعُ إليه سبيلا، لأن الأولويةَ للاستطاعة، وبلدُنا في حالةِ فقرٍ مُدقِع..

التبذيرُ حرام..

والقرأنُ واضح: «المبذّرون… إخوان الشياطين»..

بلادُنا بحاجةٍ إلى أيّ درهم، لبناءِ اقتصادِنا الوطني..

ـ كفى من استغلالِ الدين!

كفَى من التظاهُرِ بالتّديُّن، ونحن بلدٌ لا يُفَرّقُ بين الحلال والحرام..

أمامَ التلفزيون، نحنُ دولةٌ إسلامية..

وفي الواقع، نحنُ نُنتِجُ الخُمُور، ونحنُ نَعصِرُها، ونحن نُصدّرُها، ونحن نبيعُها، وأموالُها تدخلُ في ميزانيةِ الدولة..

ما تفسيرُ هذا؟

كفَى من التظاهُر!

في الشكل، نحن دولة إسلامية..

وفي الواقع، لنا قانون مدَني عِلماني..

وإذا أردنا أن نتعايشَ مع العالم، فلتكُنْ سياستُنا الاقتصاديةُ ذاتَ وجهٍ واحد، مع أنفُسِنا ومعَ غيرِنا..

أما ازدواجيةُ الشّخصية، فهي انفصام..

والانفصامُ تكديسٌ للمشاكل النفسيةِ والعقْليةِ والعَصَبية..

وهذا التكديسُ والتشحين ما هو إلا ضغطٌ سيقوُدُ حتما إلى انفجار..

ـ الضغطُ يُوَلّدُ الانفجار!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!