في الأكشاك هذا الأسبوع

تحليل إخباري | قصص عاملات ذهبن للعمل بشروط قانونية فتحولن إلى رقيق أبيض في أوروبا “الديمقراطية”

هكذا سمحت حكومتنا بتمريغ كرامتنا في وحل الضيعات الإسبانية..

إعداد: رشيد بغا

كن تسابقن الزمن للتسجيل في لوائح العاملات بحقول جني الفراولة جنوب إسبانيا، حالمات بضفاف الورد هناك، وراغبات في رؤية شوارع أوروبا مغسولة بالرفاهية.. مغربيات صدقن الأساطير وتخاريف العمال والعاملات المهاجرين الباحثين عن الأورو، و”عسل” حقوق الكادحات والكادحين في بلاد الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان؟

نساء عاملات، ذهبن من كل أنحاء الوطن، ليكتشفن بعد رحلتهن وشقاء سفرهن بين ضفتي المتوسط، الجنوبية والشمالية، أن الأمر يشبه كذبة أبريل، وسقوف آمالهن اندثرت وتحولت إلى أوهام شيدوها كقصور من الثلج أذابتها شمس التخلف الذي لا زال يعشش في عقول أصحاب الضيعات الفلاحية، وأصبحت بسرعة البرق كالسراب،  ليكتشفن الحقيقة المرة في جحيم حقول الفراولة الحمراء، التي حولت الحلم الوردي إلى كابوس أسود، وفي غفلة من أمرهن، تحولن إلى “لحم طري صنع بالمغرب” ليباع في أسواق الرقيق الأبيض والنخاسة في خيام العبودية الديمقراطية بمنطقة “هويلفا” جنوب إسبانيا(..).

بدأت القصة/ الفضيحة، عندما شرعت الوكالة الوطنية لإنعاش الشغل والكفاءات بالمغرب، في تسجيل بيانات وأسماء آلاف النساء الراغبات بالعمل في حقول جني الفراولة (التوت) في إسبانيا، بلغ عددهن زهاء 17 ألف امرأة مغربية، منهن حوالي 10 آلاف عاملة سيتم تشغيلهن في الحقول والمزارع الإسبانية لأول مرة في الفترة بين أبريل ويونيو الماضي، وفق عقود عمل موسمية.

هذا العمل الموسمي في شبه الجزيرة الإيبيرية،لا يشبه الأعمال الأخرى في شيء، وعنه تحدثت عاملات كن ضمن المسجلات، ومن اللواتي سبق لهن أن جربن العمل هناك قبل سنتين، وقلن أن “الاشتغال في المزارع لا يتأتى لجميع العاملات، لأن هناك شروطا يجب التحقق منها، مثل السن الذي يتراوح بين الثلاثين والخامسة والأربعين، علاوة على الحالة العائلية للمرشحة”.

الشروط التي قالت العاملات السابقات يجب توفرها في الوافدات الجديدات على خيام الوحل والبلاستيك و”الصهد”، لم يكشفن لبنات جلدتهن، على أن من بينها أيضا، ممارسة الدعارة (..)، كوجه مختفي لقرص الضوء الدعائي للعملية، وأن هذه الممارسات كلها مجتمعة تأتي في مقدمة مواصفات الرضى عن العاملة لتشتغل في عملية الجني مقابل براكة تحميها من لهيب الشمس وشر الليل وذئابه الآدمية، بأجر استعبادي زهيد يتراوح بين 5 أو 6 أورو لا تكفي لتسديد لقمة العيش وسد رمق الحياة، على العكس تماما من الحقوق التي تضمنتها عقود الشغل المبدئية، سواء تعلق الأمر بالأجر أو السكن والعطل… إلخ، حيث تجد الضحية نفسها بين فكي مافيات الاتجار بالبشر والرقيق الأبيض.

الظاهرة السوداء، بدأت تعاني منها المغربيات في صمت، وفي ظل الخوف من الكلام والتعبير عما يروج في حقول التوت، خوفا من فقدان عملهن، إلى أن أزاحت اللثام عنها منظمة نسائية إسبانية تسمى “موهيرريس” بعد تحقيق لها، كشفت من خلاله “تعرض مغربيات لظروف عمل غير قانونية، واعتداءات(..)”؟

وفضح التنظيم النسائي النشيط جنوب إسبانيا الأفعال “المتوحشة”، وقال بأن “العدد الحقيقي للمغربيات، اللائي كن موضوع معاملة سيئة في المزارع الإسبانية، سواء على مستوى انتهاكات حقوقهن كعاملات، أو تعرضهن للتحرش، أو العنف الفعلي، ليست مضبوطة، ولا يمكن تعميمها، ولكن بالتأكيد هناك حالات، وهي كافية للمطالبة باستجابة عاجلة من الحكومات والنقابات، لفتح تحقيق رسمي في الموضوع”.

وأضافت الهيئة في تقرير عممته على الصحافة بمدريد، أنه “بغض النظر عن واقعة الاعتداءات، التي خرجت مغربيات بأوجه مكشوفة للحديث عنها لوسائل إعلام أوروبية، فإن العاملات المغربيات يتعرضن للتمييز من بداية انتقائهن، حيث تنتقى النساء من غير الرجال للعمل في الحقول الإسبانية، وغياب ظروف العمل التي يوعدن بها في المغرب، إضافة إلى الانتهاكات المرتبطة بالأجر، وتناسبه مع ساعات العمل”، وقد فسرت المنظمة الحقوقية عدم إقدام المتضررات على تسجيل شكاوى ضد المعتدين عليهن، بـ “معايير انتقائهن، حيث إنهن في الأغلب، متحدرات من مناطق ريفية، وبمستوى متواضع مع القدرة على القراءة، والكتابة، ولا يعرفن سوى اللغة العربية، وهي عوامل تجعلهن غير قادرات على التواصل بشكل جيد”، كما طالبت هذه المنظمة الإسبانية، بـ “مساعدة طارئة للعاملات المغربيات، ضحايا الاعتداء، وسوء المعاملة، وتفعيل الإجراءات الإدارية والجنائية ضد المسؤولين عن هذه الاعتداءات، بالإضافة إلى التزامات من جانب النقابات، ورجال الأعمال لعدم تكرار مثل هذه المظاهر”.

 في الوقت الذي بدأت فيه الصحافة تكشف المستور، والحركة النسائية الإسبانية في جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية تحتج وتدق طبول الخطر المتربص بالنساء المغربيات هناك، اكتفت وزارة الشغل والإدماج المهني المغربية، التي يترأسها محمد يتيم عن حزب العدالة والتنمية، بالقول إنها “لم تتلق أي شكوى رسمية من المغربيات عن تعرضهن للاعتداء في الحقول الإسبانية”، واختارت الصمت “حلا مريحا لها” في البدء، إلى أن صرخت النائبة البرلمانية، إيزابيل سالود، عن تجمع اليسار الإسباني، وعرت معطيات صادمة بخصوص وضعية العاملات المغربيات في حقول الفراولة، حيث وجهت رسالة “عار” مستعجلة إلى الحكومة الإسبانية بشأن فتح تحقيق في الوضع المأساوي الذي تعشنه هناك، وبالأخص العدد المرتفع لحالات الإجهاض في صفوفهن.

بعد ذلك مباشرة، بدأت أجهزة الدولة المضيفة، تتحرك متكاسلة من باب در الرماد في العيون، وبناء على شهادات 4 عاملات مغربيات، أكدن أن الاعتداء الذي تعرضن له، وصل لحد القتل، فقامت الشرطة الإسبانية بإيقاف مواطن إسباني يعمل مشرفا على أحد الحقول، وقررت النيابة العامة الإسبانية بعدها متابعته في حالة سراح، وهو الاسم الذي ورد ذكره على لسان المغربيات الأربعة اللائي كشفن ما تتعرض له العاملات المغربيات بحقول الفراولة اللعينة.

في خضم ذلك، تحركت الصحافة الوطنية والمجتمع المدني المغربي بكل أطيافه، وبدأت الهيئات الحقوقية المغربية تتفاعل بشكل جدي مع الموضوع، بمطالبة الحكومة بتحمل مسؤوليتها كاملة والتدخل الفوري، لأن ما يحدث، يفوق الخيال في بشاعته، ويعد من الخروقات الفظيعة لحقوق المرأة العاملة، حيث سجل الحقوقي عبد الإله الخضري، رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، أن السبب يكمن في الناحية القانونية، وفي طبيعة التعاقد الذي لا يوفر حماية كافية للعاملات الموسميات، إذ أن الأيام التي لا يشتغلن فيها في أغلب الحالات، ليست مدفوعة الأجر، ولا يحق لهن التمثيل النقابي للدفاع عن حقوقهن في ظل ظروف عمل غير مناسبة.

كما أن هذا النظام الموسمي للهجرة يضيف المصدر ذاته، ينطوي على انتهاكات جسيمة لحقوق عاملات الفراولة، اللواتي يجدن أنفسهن في ظروف عمل غير إنسانية، بسبب انتشار ظاهرة التمييز وظروف السكن غير اللائق، وعدم مراقبة أجواء العمل، كما أن مقتضيات عقود العمل هذه، تجعلهن رهينات كليا لمشغلهن، ولسماسرة متخصصين، يتسببون لهن في الكثير من المعاناة والاستغلال.

واسترسل الخضري تنديده بما يجري في حقول إسبانيا، أن “المغرب لا يجد حرجا في الموافقة على مثل هذه الأساليب، رغم تسجيل العديد من الاعتداءات الجسدية والجنسية على عاملات بمزارع الفراولة بإسبانيا، نظرا لكون مدة إقامتهن محدودة، تترتب عنها صعوبة الولوج إلى القضاء، وبالتالي، لا يستطعن الدفاع عن حقوقهن”.

ولم يفوت رئيس المركز الحقوقي المغربي الفرصة لاتهام الحكومة الإسبانية بـ “الانتهازية الرخيصة لكونها بحاجة إلى هؤلاء العاملات المغربيات المقهورات، لتحقيق مردودية كبيرة في مجال الفلاحة، لكنها ترفض أن تتحمل مستحقاتهن الاجتماعية ومطالبهن الحقوقية الأخرى، خاصة عامل الاستقرار”.

وأكثر من ذلك، ذهب مرصد الشمال لحقوق الإنسان بعيدا، وطالب بإيفاد لجنة للتحقيق الميداني، إلا أن “القنصلية الإسبانية بتطوان، امتنعت عن منح تأشيرات الدخول إلى التراب الإسباني للجنة مكونة من ثلاثة أعضاء لإنجاز تحقيق في ادعاءات بالاستعباد والابتزاز والاستغلال(..) للنساء المغربيات العاملات في حقوق الفراولة بمنطقة هويلفا”.

وحمل المرصد، في بيان صدر وقتها، الدولتين الإسبانية والمغربية، المسؤولية المباشرة والكاملة للاعتداء واستغلال النساء المغربيات وهضم حقوقهن، على اعتبار أن أولئك النسوة، توجدن في تلك الحقول في إطار برنامج شراكة يجمع كلا من الحكومة المغربية والحكومة الإسبانية، وكذلك الاتحاد الأوروبي.

وجدد الإطار الحقوقي الوطني “تضامنه المطلق مع النسوة المغربيات ضحايا الفقر والتهميش والتوزيع غير العادل للثروات، وضحايا الاستعباد والاستغلال الجنسي”، داعيا المجتمع المدني بمختلف أطيافه، إلى تأسيس تنسيقية من أجل الدفاع عن النساء المغربيات في الحقول الإسبانية(..).

وبينما اكتفى الوزير يتيم بتصريحات “خشبية” نفى من خلالها ما حدث(..)، ولأن كرامة المغاربة قد تم تمريغها في وحل حقول الفراولة بإسبانيا، فإن ما يسمى بـ “الجالية المغربية المقيمة في مواقع التواصل الاجتماعي”، شنوا حملة قوية على وزير التشغيل، يتيم، الذي اكتفى بتصريح صحفي مستفز، تجاوزته الظروف البشعة للضحايا، عندما قال بأن “لجنة من وزارته، زارت العاملات في وقت سابق، وفندت هذه الإشاعات”، واستطرد قائلا: “بعد ظهور معطيات جديدة، فإن البرلمان مطالب بإرسال لجنة برلمانية للوقوف على الأمر”.

هذا التصريح، أو بعبارة أدق، الهروب السياسي إلى الأمام، زاد من شدة الضغط الدولي والوطني على حكومة سعد الدين العثماني، كما أحرجه البرلمان الإسباني من جهته عندما تداول الأمر وفتح نقاشا في ما يجري ليتخذ مواقف من شأنها وضع حد للتمييز والاستعباد الذي تعانيه المغربيات، وتحت ضغط الرأي العام المغربي والعالمي الذي أصيب بجرح عميق في أرهف مكامن الحس الوطني  والإنساني في ضميره، تحركت حكومتنا، ونطق – بعدما تكلم الحجر – مصطفى الخلفي، الناطق باسم الحكومة، في ندوة صحفية عقدها بالرباط، وقال بخصوص ما تعرضت له العاملات المغربيات في إسبانيا: “هناك متابعة دقيقة للموضوع من طرف الحكومة، بما يحقق الإنصاف وصيانة الكرامة، ويضمن الوفاء بالحقوق المنصوص عليها في القوانين الدولية”.

وأضاف الخلفي، مؤخيرا، أن “كرامة المرأة المغربية خط أحمر، وأي شكل من أشكال الاستغلال لهؤلاء النسوة، لا يمكن القبول به أو التساهل معه، والدفاع عنهن مسؤولية الحكومة، التي تقوم بتواصل مكثف مع الطرف الإسباني حول هذه القضية، التي باتت تهم الرأي العام وليست بسيطة”.

تصريح جاء متأخرا، لأنه أتى بعد الضجة الإعلامية التي عرفتها قضية أصبحت عالمية بكل المقاييس الحقوقية، وكان الجدل في برلمان مدريد قد بلغ أوجه، فيما فتحت السلطات الأمنية الإسبانية، تحقيقا في الواقعة، بعد استماع لمشتكيات تعرضن لاعتداء جسدي، كما ظهرت مرة أخرى، حالات جديدة لمشتكيات تتهمن فيها مشغليهن، بمحاولة ترحيلهن قسرا من إسبانيا، قبل أسبوع من انتهاء عقود عملهن، لمنعهن من تقديم شكاوى ضدهم بالاعتداء وسوء المعاملة(..).

وكانت الصحافة الإسبانية قد كشفت حينها، عن هروب بعض العاملات المغربيات للغابات المجاورة، خوفا من الترحيل القسري، بعد شهادات موثقة بالصوت والصورة لعاملات مغربيات، تتحدثن عن ظروف احتجاز زميلاتهن من طرف أرباب عملهن، في إحدى ضيعات منطقة ألمونت بهويلفا، تقول واحدة منهن، أن كلام المشغلين معهن لا يخلو من مصطلحات نابية يندى لها الجبين(..) و”كنخدمو في ظروف صادمة نعيشها كل نهار، بلا سكن وبلا أجر وبلا استحمام.. دايرين لينا بحال العبيد وأكثر.. وكاينين منهم أصحاب الشركات الفلاحية الإسبانية، وزيدو عليهم وسطاء مغاربة كيشربو دم خواتاتهم المغربيات والمسلمات”.

تناقلت الصحافة والتلفزيونات الدولية، قصة العبيد الجدد في حقول السيطرة والسخرة التي بدأت صامتة، فتحولت إلى صوت صادح يهز البشرية في القرن الواحد والعشرين، بوجع الشعور بالمرارة والخذلان التاريخي، بعودة العبودية ثانية إلى أوروبا “الديمقراطية”، وليكتشف من تبقى في قلبه شيء من قيم الإنسانية، أن الفواكه الحمراء والفراولة الإسبانية، كلما وضعت على طاولة الأكل عبر العالم، فهي مزودة بطعم الاستخفاف بكرامة العاملات المغربيات، ومروية بدموع فقيرات من دولة جنوب البحر الأبيض المتوسط.. من المغرب!؟

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!