في الأكشاك هذا الأسبوع

“مداويخ” السلطان محمد الخامس

عبد الغاني بوز

ما أشبه اليوم بالأمس. أمس المغرب القريب منا، حين كانت الفوضى تتلاعب به يمينا وشمالا، قبائل تتطاحن فيما بينها، أعيان وقواد وباشوات ينهبون خيرات البلاد، والطبقة المطحونة من الشعب تؤدي الثمن.

كان عزل السلاطين وتوليتهم، أشبه بشربة ماء، يخضع لمنطق النزوات، ففي بلد يحكمه الأعيان، كل شيء فيه ممكن ومباح.

يخبرنا ابن خلدون في مقدمته، بأن لكل شيء دورته، فحتى الكون يخضع لمنطق الدورة، ما معناه، أنه مهما وصلت الحضارات للقمم، فلا محالة سيصيبها الانحطاط والذل والهوان، خاضعة بذلك لمنطق الدورة.

وإذا كان بن خلدون صادقا في كلامه، ويتضح ذلك من خلال تجارب الحضارات في صعودها وانحطاطها، فإن مالك بن نبي، يعضد هذا القول، حينما يقول بأن الأمم وبشكل غريزي، تتعاطى إلى ما يسبق بداية أفولها واندحارها، فتنغمس كل الانغماس في الملذات وتتكاسل عن العمل والعلم، ويتسلل الهوان إلى كل مفاصلها.

هذا بالضبط ما حدث لبلاد المغرب، مثله كمثل العديد من الحضارات، حيث سلم زمام أموره بعد أن انفلتت منه، إلى دول استعمارية كانت خارجة لتوها من الانحطاط باحثة عن الإقلاع والسمو، لكن على حساب الغير، خاضعة بذلك لمنطق ابن خلدون.

قسمت الدول الاستعمارية المغرب فيما بينها إلى عدة أقسام، وكان لفرنسا وإسبانيا القسط الأوفر، خاصة بعد توقيع عقد الحماية، ولأن الزمان كان زمان توسع وبحث عن التفوق والسمو، فإن النوايا كانت ظاهرة من أجل طمس الهوية المغربية بشكل كلي.

كان عقد الحماية بمثابة السند القانوني لتواجد الدول الاستعمارية في المغرب، ولإضافة المزيد من الشرعية على تواجدها، اعتمدت على الأعيان والقواد والباشوات، ومنحتهم كل الصلاحيات لفعل ما يرونه مناسبا وفق مصلحتها، فقد كتب جيل بيرو، صاحب كتاب “صديقنا الملك”، أنه حينما تقدم الباشا الكلاوي ورئيس الزوايا الدينية، الكتاني، بطلب إلى المندوبية الفرنسية، يلتمسان فيه خلع السلطان محمد الخامس، كان يوجد بالمغرب وقتئذ، ثلاثة وعشرون قائدا، كلهم وافقوا على طلب خلع محمد الخامس ما عدا اثنين منهم.

ولأن هدا ليس وليد اليوم، بل هو بمثابة قانون وليد طبيعة معينة، فإن التاريخ يحكي لنا على أنه حينما تمت تولية محمد الخامس على العرش، كان يتم إجباره على توقيع الظهائر. حينها كان جميع المغاربة، قد تم إخضاعهم بشتى الطرق والوسائل إلى درجة جعلهم مثل العبيد، فحدث ذات يوم، أن سمع الملك محمد الخامس بعض المغاربة يصيحون بشعار “عاش الملك”، آنذاك تقوت شجاعته وعادت له جرأته، ليضرب عن توقيع الظهائر، وأحدها يمنح الفرنسيين، وهم أقلية صغيرة جدا بالنسبة لشعب المغرب، الحق في انتخاب أعضاء المجالس البلدية مساوي لعدد الأعضاء المغاربة في المدن السبعة عشر الكبرى.

يقول صاحب كتاب “صديقنا الملك”، أن فرنسا، حينما أطلقت على محمد الخامس لقب “سلطان المقالع المركزية” نسبة إلى سكان دور الصفيح، أي الطبقة المغربية المعدمة، كانت بوصفها ذاك تحتقره وتقلل من شأنه، لأن كل الأعيان والبورجوازية الكبيرة، في صفها، لكنها كانت خاطئة في تقييمها، إذ أكسب هذا التحالف وهذا التعاطف بين محمد الخامس وبين هؤلاء “مدوخي زمانه” شعبية لم يحصل عليها من قبل أي سلطان في الأسرة العلوية.

وبعد أن وصلت شعبيته إلى عنان السماء، وأصبح كل “معدومي المغرب” وهم الأغلبية، على كلمة رجل واحد يدعون بحياة السلطان، لجأت فرنسا إلى أزلامها الأعيان والبورجوازية، من أجل إيجاد صيغة لخلعه، فكان لها ذلك بعدما تم تقديم طلب من قبلهم إلى المندوبية الفرنسية، يهدف إلى خلع السلطان، تحت مبرر قيامه بأعمال تضر بالدين الإسلامي.

كان نفي محمد الخامس، بمثابة الشرارة التي أدت لاندلاع حرب حامية الوطيس، أدت إلى حرق الأخضر واليابس، فتكبدت فرنسا إثرها خسائر لا تحصى ولا تعد، ووصلت شعبية محمد الخامس إلى عنان السماء، حتى بلغ الأمر بإطلاق هلوسة تقول بظهور صورته على القمر.

كانت فرنسا وبجانبها إسبانيا، مخطئتان في توقعاتهما حينما اعتمدتا على أعيان المغرب وبورجوازيته، التي لا هم لها سوى الحفاظ على مصالحها، في حين أن الملك محمد الخامس، لسبب ما، ربما راجع إلى ورعه وتقواه، اصطف إلى جانب الشعب، الطبقة الفقيرة المتضررة والمعدمة، فكان قراره صحيحا، حيث خضعت فرنسا لأمر الواقع وأعادته من منفاه، لينتصر الشعب أولا وأخيرا.

وها نحن اليوم، نرى أن التاريخ يعيد نفسه، فقد تبدلت الشخوص وتبدلت الأزمنة، وانسحبت فرنسا ومعها إسباينا، ورحل محمد الخامس، ورحل جيل بأكمله، ذلك الجيل الذي ضحى بالغالي والنفيس من أجل مغرب حر ومستقل، واستبدلت لفظة “المقالع المركزية” بكلمة “المداويخ” و”الخونة”، وبقيت تلك البورجوازية هي نفسها، وبقي سكان المقالع المركزية، هم أنفسهم، لكن بوصف جديد، إذ كانت فرنسا تطلق عليهم لقب “سكان المقالع المركزية، كاحتقار منها لهم، وقد أصبحوا اليوم يوصفون بوصف “المداويخ” و”الخونة”، فإن كان “سكان المقالع المركزية” و”المدوايخ”، استطاعوا أن يخضعوا إمبراطوريات بما تتمتع به من قوة تعجيزية، فإننا لا نستغرب فيما يفعلوه الآن، حينما شلوا شركات عابرة للقارات، وجعلوها تعتذر لهم مكرهة غير طائعة، وفي مقدورهم أن يفعلوا أكثر من ذلك، فحينما تقترن القضايا الصادقة بالإيمان، يكون النصر حليفا لا محالة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!