حوار| تركيت: لهذه الأسباب سنَجُرّ القنوات التلفزية المغربية إلى القضاء

حاوره: رشيد بغا

 مأساة تلفزيونية حقيقية، وكالعجلة التي تدور في “الغيس”، أصبحت منتجات وبرامج القطب التلفزي العمومي خلال كل شهر مبارك من كل سنة.. لا تغيير إلى أجل غير مسمى، ولا بديل عن الرداءة و”الحموضة” التي تقصف بسخافتها كل أوساط المشاهدين المغاربة أمام شاشات تلفزاتهم عند كل مغرب(..)، مأساة نقلنا أسئلتها القلقة إلى رئيس الجمعية المغربية لحقوق المشاهد وعضو المرصد الوطني لصورة المرأة في الإعلام، عبد العالي ترغيت، فجاءت أجوبته التحليلية صادمة وانتقاداته لاذعة وشرسة:

*كمختص، كيف تقيمون بتفصيل بعض البرامج وبعض المسلسلات و”سيتكومات” هذا الشهر؟

– أول ما يسجل كملاحظة قاتلة بالنسبة لـ”سيتكومات” الإفطار خصوصا، غياب السيناريو الذي يعد العمود الفقري الذي تستقيم به الأعمال كافة، حتى الفيديو كليب الخاص بالأغاني، لا يستقيم دون سيناريو. طبعا، فخلف هذا الغياب، مبرر أساسي راهن عليه من أنجزوا هذه التفاهات، وهي المراهنة على ترسانة من الكوميديين الذين نجحوا في خلق جمهور لهم خلال السنوات الماضية، لكن العمل الفردي بدوره يحتاج إلى سيناريو، أو على الأقل خارطة يسير عليها الكوميدي، أما أن نترك الممثل هكذا منه للمشاهد، فهذا يعتبر استخفافا بالجمهور أولا، وإرباكا كبيرا للطاقم المشرف.

 من جهة أخرى، إدارة الممثل غائبة وإن كانت حاضرة، فهي بالاسم فقط، أما الجانب المهم والأهم، فهو عدم العناية بالجانب الإبداعي والاشتغال بمنطق الفرصة كما في حالة “يا تديها يا تفلت”، الذي يراكم الأخطاء الفنية القاتلة ويجعل هذه الأعمال تغرق في وحل السرعة والارتجال البئيس، ومحاولة الإضحاك التي تحولت إلى مهازل.

كما أنه أيضا من ناحية المشاهد المقدمة على الإفطار مباشرة، هناك مشاهد عنف على القناة الثانية ولا ندري أي رسالة تريد هذه المشاهد إبلاغها للعائلات المغربية وهي مجتمعة على مائدة الإفطار.

وكما تتبعتم، لقد تم عرض حلقة من سلسلة مراكشية، تضم تدرُّب ممثلة على مشاهد ارتكاب جريمة وإخفاء معالمها من أجل الترشح لـ”كاستينغ” خاص بفيلم بوليسي، فيما تعمدت الحلقة إظهار مشاهد السكاكين ملطخة بالدماء عند محاولة الجارات البحث عن أثر لمرتكب الجريمة، خاصة بعد اختفاء جارتهم.

كما أن سلسلة “الدرب” التي تبثها القناة الأولى يوميا، أثناء فترة الإفطار، محشوة بأسلوب دخيل على المجتمع المغربي ويستهزئ بالمغاربة ويحتقرهم وينزع من الطفولة براءتها.

إلى ذلك، تم ظهور مجموعة من الوجوه، كلهم يقومون باعوجاج فج في وجوههم وأفواههم، لا علاقة لهم بالتمثيل ولا بالسيناريو ولا الإخراج، بحوار يضاهي لغة مراهقي أرصفة الشوارع وإدخال مصطلحات لا علاقة للمغاربة بها.

*في نظركم، ما هي الصورة التي تسوقها هذه المهازل عن المغرب وصورت في العالم؟

– الأعمال لا تشرف الإبداع الوطني نهائيا، وتتضمن احتقارا للمجتمع المغربي، فاللغة وطريقة الحوار، تمس بالأطفال وبالجمهور الناشىء، فلا هي بفكاهة ولا هي بجنس إبداعي أصلا، بل هي سخافة فقط بعيدة كل البعد عن الإبداع واحترام المشاهدين.

إن الأعمال المقدمة هي ضرب لهويتنا، وطمس لملامح بلادنا الفنية وتخييب مشبوه لآمالنا وتطلعاتنا، فهم لا يقدمون لا صورة ولا هم يحزنون، في الوقت الذي يفوز فيه فيلم مغربي في مهرجان “كان” بجائزة السيناريو، وفي الوقت الذي نجد فيه المغرب، بلد الكتاب والمبدعين والمخرجين والممثلين والموسيقيين، نجد أن المنظومة التي تنتج هذه المهازل، لا تمت بصلة لأي من هذا الإرث الكبير الغني والثري، بصراحة يا سيدي، هل تظن أن أحدا في العالم قادر على مشاهدة هذه المهازل؟ أبدا.. أبدا، وصورة المغرب إذا أسندناها لهذه الأعمال، فعلينا أن نصلي صلاة الجنازة على أمتنا.. أمة لا تستحق هذه البشاعة التي تبث ويشاهدها فنانون مبدعون مغاربة جلسوا منزوين في أركان العطالة، لأنهم لم يدخلوا في حسابات “مول الحانوت” مع كامل الأس..

*بصراحة، لمن تحمل جمعيتكم مسؤولية ذلك؟

– المسؤولية نتقاسمها جميعا أولا، كمهنيين في الإعلام وجمعيات، علينا التوقف عن التطبيل لكل ظاهرة لم ترسخ في التألق لمدة طويلة، كما أن المشاهد له نصيبه من ذلك، لكن المسؤولية الكبرى، تقع على عاتق “مول الحانوت” الذي يريد ترويج بضاعة غير صالحة، ناهيك عن اجترار نفس الأسماء ونفس الشركات ونفس الوجوه في غياب كامل لأي محاسبة، فلو كنا نقف عند كل المهازل منذ مدة، لما تكررت، ولو كنا نقف عند المسؤولين المباشرين وغير المباشرين على إنتاج هذه البشاعة، لما بقي لهم موطئ قدم في مشهدنا التلفزيوني مطلقا، السؤال الذي أطرحه باستمرار هو: هل يشاهد هؤلاء ما صنعت أيديهم، بمعنى أصح، هل يتذوقون من “طاجينهم” الحامض والمحترق بسبب سرعة الطبخ؟

 *هل بسبب هذا أنتم تفكرون في مقاضاة قنوات القطب العمومي ؟

– التفكير في رفع دعوى، ناتج عن طلب عدد كبير من المواطنين، وكذلك من بعض الإخوة داخل الجمعية، والمكتب، هو بصدد دراسة هذه الطلبات والجدوى منها، كما سيتم عرض الموضوع على محامين ومختصين في المجال قبل أن اتخاذ أي خطوة.

*ما هي الكلفة المالية لهذه “الحموضة” الرمضانية؟

– حقيقة، بالنسبة لهذه السنة، ليست لدي الآن الكلفة بالتدقيق، لكن يمكن أن أقول أنها جد مرتفعة، فالقناة الثانية مثلا، رصدت في سنة 2016، أكثر من 46 مليون درهم، أي حوالي 1.5 مليون درهم لليوم، وهذا المبلغ يزداد سنة بعد سنة.

 *كيف تصرف هذه المبالغ، وما مدى شفافية صرفها؟

– هذا الموضوع كان قد أثار زوبعة كبيرة ونوقش كذلك في قبة البرلمان، فوزير الاتصال آنذاك، صرح بأنه بناء على مقترح للوزير الأول، تقرر أنه سوف يتم اعتماد فحص شامل لصفقات الإنتاج المبرمة بين القطب العمومي والشركات، وكان بالتحديد، افتحاص 15 طلب عروض متوجهة إلى 60 مقاولة خلال سنتين منصرمتين، وذلك كما جاء على لسان الوزير مصطفى الخلفي لعدم استجابتها لتطلعات المشاهدين، وأن مساطر طلب العروض، سوف تأخذ بعين الاعتبار ابتداء من 2016 رأي المشاهد لتحسين جودة الإنتاجات.

وبحسب بعض المنابر الإعلامية، فقد كان هذا بمثابة أخذ وجر بين الوزارة والقطب العمومي، وقد حملنا في ندوة صحفية خلال رمضان الماضي، المسؤولية للوزارة بعدم الإفراج عن التقرير الخاص بالافتحاص المالي الذي تم الإعلان عنه.

*أليس تدني الوعي الإعلامي والثقافي للمشاهدين سببا مباشرا في ما يحدث؟

– من وجهة نظرهم، يعتبرون نسبة المشاهدة هي المعيار، ويسوقون لهذا بمغالطات في طريقة تقديمه للجمهور وطريقة احتسابه من الناحية الإحصائية، فهو مأخوذ لوحده بشكل مطلق لا يعني شيئا، اللهم إذا أردنا المغالطة.

المهم، هو أن البرامج وسياسة البث، تقرران من خلال وكالات الإعلان والتسويق، فبالنسبة للمسؤولين، لم تعد التلفزة لـ “الجميع”، بل فقط آلة منتجة لمستهلكين من أجل مستشهرين! يدفعون أموالا طائلة، ففي هذه السنة، بلغت 30 ثانية من البث الإشهاري، ما بين 70000 درهم و127000 درهم في وقت الإفطار، أما بعض الرزم الإشهارية، فقد وصلت في هذا الشهر العظيم، 770000 درهم.
إنهم ليسوا مسؤولين في قنوات القطب العمومي أمام أي شخص على خياراتهم التي أصبحت مبنية على مصلحة الأرباح التجارية، فهدفهم أصبح هو المبدأ القائل: “إذا كانوا يدفعون، فكل شيء جيد!” متناسين بذلك بأنهم ممولين من أموال دافعي الضرائب(..).

*وكيف لا يمكن اعتبار قياس المشاهدة معيارا حقيقيا؟

– إن قياس نسبة المشاهدة، لا يعكس بتاتا طلب المشاهدين ورغباتهم الحقيقية، والقول بأن المشاهدين هم الذين يريدون ذلك، وبأن المشاهد لا يستهويه غير الدم والجنس والغباء، وأنه لا يمكن فعل شيء حيال ذلك، كل ذلك خطأ وتضليل كبير.
المشاهد المغربي ليس له خيار، إنه يشاهد ما يقترح عليه، وقياس نسبة المشاهدة، مرآة للعرض المفروض على المشاهد، وليس لطلبه الحقيقي لمنتوجات تلفزية ذات جودة.

إن التلفزة تخلق إدمانا حقيقيا، وللأسف، فالمشاهد يستبلد في كثير من الأحيان أمام التلفزيون وهو جالس يشتم في نوعية البرامج المقدمة له(..)، والقول بأن نسبة المشاهدة تعني الطلب من طرف المشاهد، هو شطط يؤدي إلى تدني الجودة وتنويع العرض، ولهذا فإن الجناة الحقيقيين، هم المبرمجون وليس المشاهدون.

*ما هو المطلوب في نظركم لوضع حد لهذا “المسخ” مستقبلا؟

– سيكون المطلوب منا في إطار الجمعية، هو التبات النضالي طويل النفس، والإصرار على الدفاع عن حقوق المستمعين والمشاهدين، ليس فقط نتيجة لانعكاسات فلسفية ولعلم الاجتماع التواصلي فقط، بل هو نابع من دستور 2011، خصوصا المادة 6 والمادة 19، وهو كذلك، نابع من المواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب، خصوصا المادة 11 من الإعلان 1789، فضلا عن العديد من النصوص التي كتبتها نقابات الصحفيين بميثاق ميونيخ 1971 والذي اعتمده الاتحاد والمنظمة الدولية للصحفيين، والمبادئ الدولية للأخلاقيات المهنية للصحفيين، كما اعتمدت في عام 1983 تحت رعاية اليونسكو، والتي تثير حق الشعب والأفراد في الحصول على صورة موضوعية للواقع(..).

إننا في الجمعية المغربية لحقوق المشاهد، سنطالب بكل الأشكال المشروعة لاعتماد مكافحة المواد والبرامج في الاتصال السمعي البصري وجميع وسائل الإعلام التي تستخف بذكاء المشاهدين والمستمعين، مع بناء الاقتدار لديهم على ممارسة حرية اختيارهم دون أن تكون مصالح خاصة أو حكومية بديلا لقراراتهم.

*ما هي الأثار السلبية لهذه البرامج على جمهور المشاهدين وأذواق المغاربة؟

الدور الذي أصبحت تلعبه وسائل الإعلام وعلى رأسها التلفزيون، له تأثير على الجمهور، وتحتل هذه الوسائل مكانة كبيرة في التنشئة الاجتماعية لأطفالنا، وأصبح مركزا هاما من مراكزها، مما يجعلهم أقل حضورا في مختلف التفاعلات الاجتماعية الأخرى، ذلك أن التلفزيون له من الخصائص (الصوت والصورة) ما يجعله يفوق الوسائل الأخرى في تمثيل جزء من الواقع، وبناء صورة له وفق خلفيات مفروضة.

هذه الاعتبارات تطرح أبعادا جد متشعبة، تنطلق من تحديد نوع التأثير المتبادل بين القيم كنتاج مؤسسات اجتماعية ومراكز سياسية راسخة في حياة المجتمعات، وكونها تراكمية من حيث تكوينها التاريخي، وبين وسائل الإعلام التي تجاوزت تلك المؤسسات في أقدم وظائفها كمنتجة للقوانين الاجتماعية.

*وماذا عن تأثير هذه البرامج الرديئة على تكوين الناشئة المغربية؟

– تعمل وسائل الإعلام، خاصة التلفزيون لما يتمتع به من خصائص (الصوت والصورة والحركة)، على تثبيت القيم وترسيخها لدى الجمهور الواسع، وذلك من خلال عملية التكرار، فعرض وسائل الإعلام لقيمة معينة موجودة في المجتمع وتكرارها مرات عديدة، يجعلها تترسخ في ذهن المتلقي، خاصة الطفل الذي لا يزال في مرحلة الاستقبال دون تمييز، وهذه المرحلة تعد الأساسية في ترسيخ القيم وتثبيتها.

ولوسائل الإعلام القدرة على تغيير القيم، وذلك عن طريق دخول مضامينها، حياة الأفراد، الذي أدى بدوره إلى تغيير في النسق القيمي للمجتمع، عن طريق صراع بين القيم التي ينادي البعض بالتحكم بها وتأصيلها، وبين القيم المصطنعة من قبل وسائل الإعلام والتي تظهر- كما قلنا – كمسلمات عند البعض الآخر، مما يجعل ترشيد استخدام وسائل الإعلام، ضرورة ملحة لبناء غد مشرق ومجتمع متلاحم حول قيم إنسانية وحضارية متقدمة جدا.

*كلمة أخيرة

إن التأثير واضح من خلال المستوى الذي وصلت إليه مجتمعاتنا، فنحن مفلسون في نماذجنا الثقافية والتعليمية والاقتصادية، وإذا كان هناك نموذجا تنمويا جديدا، فلا يمكنه أن يكون بنفس الوجوه ونفس الأساليب ونفس المنظور.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box