في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة| إدريس البصري يفسر فلسفة المخزن: لا هيمنة لحزب واحد بالأغلبية

مصطفى العلوي

تجاوز تاريخ استقلال المغرب الخمسين عاما، ووضعيته السياسية في تقهقر، حيث يعتبر الوضع السياسي والحزبي والاجتماعي للمغرب، هو سبب المحن التي يعاني منها المغاربة هذه الأيام ليتشتت ما تبقى من المفكرين المحايدين، تائهين في واحات الفراغ، صادقين في توقعاتهم التشاؤمية(…) وإن كانوا مختلفين في مراميهم العقائدية، فإنهم متفقون على أن الوضع أصبح لا يطاق.

كذلك هذا التدني على مستوى المنتخبين، سواء في المجالس الإقليمية أو في الساحة البرلمانية، وهم لا يتفقون إلا على رفع تعويضاتهم ونفخ حساباتهم، فإن السبب واضح، مصدره هذه التركيبة الحزبية التي واكبت مسيرة ملكين، ورثا المغرب من محمد الخامس، الملك الذي أخذه الله عنده مبكرا حتى لا تتلطخ جلبابه بالدم كما قال.

ولقد بدأت المصيبة الكبرى، عندما اتفق الملك الحسن الثاني في أيامه الأولى مع صديقه الحميم أحمد رضى جديرة، على كسر طوق الهيمنة المخيفة للملكية، هيمنة الحزبين القويين، الاستقلال والشورى، اللذين كانت لهما اليد الطولى قبل الاستقلال وبعد الاستقلال، وقال جديرة لصديقه الملك، وهو إن تذكرون، كان الوزير الأول في كل شيء، وهو الذي جمع ثلاث أو أربع وزارات في حقيبة واحدة، أليس هو صديق الملك الذي كان يمتاز في ذلك الزمان بأنه كما قال عنه صديقه المحكوم سابقا بالإعدام، الصحفي حميد برادة، بأن جديرة الرباطي الذي يتكلم بالميزان، لم تكن له أوقات يضيعها، لا يكلم مكلمه أكثر من ربع ساعة، وقد قال عنه هذا الصحفي الذي كان من بين تلامذة المهدي بنبركة، بأن صديق الملك الحسن الثاني الذي كان معلنا حربه على الاستقلاليين والاتحاديين ((استقبل برادة صديق المهدي بنبركة ثلاث مرات في الأسبوع)).

وميزات المستشار جديرة الذي كان أول صديق للملك وأول مفكر في تأسيس حزب جديد كان يفكر سياسيا بطريقة فرنسية، وقد كان لحزبه الذي تطور من جريدة أسبوعية تسمى “ليفار”، كان الحسن الثاني يكتب افتتاحياتها، إلى تجمع استقطب النخبة المتميزة من أحزاب المعارضة، بعد أن ضم إليها أقطاب الحركة الشعبية ليشكل “جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية” المسماة بالفرنسية “لو فديك”.

وقد تجاوزت عبقرية الحسن الثاني، كملك، ومن شيم الملوك أنهم لا صديق لهم(…) لتطغى المصاهرة العائلية لصديق آخر للحسن الثاني يسمى أحمد عصمان، وقد وجد فيه الحسن الثاني البديل السريع عن تجمع الدفاع عن المؤسسات الدستورية، ليرمي صديقه جديرة في سلة المهملات وتصبح الثقة الملكية متجسدة في الصهر الأنيق أحمد عصمان، مؤسس حزب الأحرار الذي حضر مع الملك الحسن الثاني أسس الحزب الجديد الذي ولد فعلا، في جنبات صالونات القصر الملكي.

وإن كان هذا الحزب المولود بملعقة ذهبية بين شفتيه، مارس الحكم والانتخابات، ليحصل في أسابيعه الأولى على الأغلبية البرلمانية المطلقة بمائة وستين نائبا، وعلى رئاسة الحكومة عند تشكيل أية حكومة، ليصبح حزب الأحرار متحررا من الشراكة المشوهة مع الأحزاب المعارضة التي كانت تهيمن على حزب جديرة، وليصبح حزب عصمان عمليا ومعنويا هو حزب الوسط، وإن كان هذا الحزب عاجزا عن التخلص من طابعه البورجوازي، وعن تفادي تلطيخ بساطاته الحريرية، بأحذية الطبقة العاملة، أو خلط أجوائه الأنيقة بصداع المناضلين، فأحرى الطبقة الشعبية.

وتسمح الظروف الجادة التي واكبت اندلاع فكرة استرجاع الصحراء المغربية، بأن يخصص الحسن الثاني بعضا من وقته للتقرب من بعض الضباط العسكريين ويحتل الكولونيل الأنيق أحمد الدليمي، المجال الأهم في صداقة الملك مع صهره عصمان، رئيس حزب الأحرار، الحزب المفضل عند ملك البلاد، ورئيسه عصمان صهر الملك، أكثر من كونه الصديق الأنيق.

والدليمي الذي كان مديرا للأمن، مرتبطا ارتباطا متينا بمنظمة “السيا” الأمريكية، التي كانت في ذلك الوقت تتصرف في الشؤون المغربية أكثر من الآن(…)، وتسند الطبقة الكادحة المتمثلة في أكبر نقابة عرفها المغرب، نقابة الاتحاد المغربي للشغل، لينصح الدليمي رئيسه وصديقه الحسن الثاني بحتمية إدراج الطبقة الكادحة والوسطى في حزب الأحرار العصماني، وليذهب الملك الذكي أبعد من الدليمي ويقترح تقسيم حزب عصمان نصفين متعادلين، وبه مائة وستون نائبا، ليختار الدليمي واحدا من أصدقائه المقربين من الحركة العمالية، أرسلان الجديدي، وكان من أقطاب حزب الأحرار، وتسفر العملية عن كشف أرسلان الجديدي عن رسالة لتأسيس حزب ثاني من صلب حزب عصمان، لتدفع الأفكار التقدمية التي كانت تخالج الحسن الثاني، بين الفينة والأخرى، إلى تحمسه لتأسيس حزب جديد، تم الإعلان عنه عبر اختيار أرسلان الجديدي لنخبة من أعضاء حزب الأحرار، بلغ عدد الممضين على هذا الانفصال ثمانون نائبا برلمانيا جاهزين منتخبين واجدين، تطبعهم الشعبوية التي كانت تهيمن على أرسلان الجديدي الذي كان كلما اجتمع بمجموعة من الراغبين في الانفصال، يخاطبهم بقوله: “صيفطني صاحب الجلالة عندكم”.

وكان من بين المعارضين لهذا الانفصال أقدم أصحاب الملك الحسن الثاني، الوزير الشعبي عبد الله غرنيط، وقد تربى في القصر منذ أن كان صغيرا بجانب الحسن الثاني، حين كانت تخالجه، وهو وزير للصناعة التقليدية، فكرة تأسيس حزب من الصناع التقليديين، الذين كان عددهم في ذلك الزمان يدرك المليون صانعا.

لولا أن غرنيط هذا فوجئ يوما باستدعاء الملك الحسن الثاني لمكتب حزب الأحرار في القصر الملكي، ليفاجئهم الملك وهو يستقبلهم بعرض ورقة كتب فيها أرسلان الجديدي أسماء ثمانين انفصاليا عن حزب عصمان، لينتهز الملك هذه الفرصة ويقول لأعضاء المكتب كل الانتقادات التي كان يرغب تبليغها إلى صهره عصمان(…) لدرجة حكى غرنيط أن عيون عصمان سالت بالدموع، عندما قال الحسن الثاني: “انظروا إلى هذه اللائحة من الراغبين في الانفصال عنكم، إنها تضم النخبة التي أقسم لكم أني لو لم أكن ملكا، لأعلنت انضمامي إليهم وأضفت اسمي إلى هذه اللائحة”.

وكان الجنرال الدليمي واقفا بجانب الملك، رغم أن الاجتماع مخصص لمكتب حزب الأحرار، ليتسلح الوزير الصديق الآخر للملك، عبد الله غرنيط، بالجرأة المراكشية التي تربى في أحضانها، ويقول للملك: “نحن نعرف أن هذا مخطط لذلك  الواقف بجانبك(…)”، ويغضب الملك ويقول له “اسكت يا عبد الله، اخرج يا عبد الله”، لتكون تلك آخر مرة يرى فيها الملك صديقه غرنيط الذي تربى معه، ويتم الإعلان عن تأسيس حزب أرسلان الجديدي، ثمانون نائبا، ويبقى لعصمان ثمانون نائبا فقط، وهي اللحظة التي تم فيها الإعلان عن مولد حزب جديد وفي نفس الوقت اللحظة التي بدأت فيها نهاية حزب الأحرار الذي لن ينقذه لا أخنوش ولا بركوش.

صديق ثالث آخر للملك، ربما كان أقوى من الحاضرين جميعا، وكان أيضا يغار من صداقة الملك لعصمان وربما يخطط بدوره لحزب آخر، هو الوزير القوي إدريس البصري الذي كان حاضرا في هذه اللحظات التاريخية، وكأنه يراقب هذه العملية التي أشرف فيها ملك البلاد على تقسيم الحزب الذي أسسه، وطبقا للتقاليد المخزنية التي لا تسمح بطغيان حزب أو هيمنة حزب على الأغلبية، حتى ولو كان حزب الملك، تطابقا مع قاعدة الصداقة مع الملك، التي لا يمكن أن تطغى على تقاليد المخزن.

وهو ما حرص إدريس البصري على تدوينه(…) في تصريح جاء في أعقاب انقسام حزب عصمان، تصريح يبرر فيه حق الملك في تقسيم أقوى حزب مما كان يسمى حزب الملك، وكتب إدريس البصري: ((إن الأصول تقضي بأن أي حزب(…) مهما كانت أغلبيته، ليس من حقه أن يتوفر على أغلبية المقاعد في البرلمان، وأن أحزاب الأغلبية مثل أحزاب المعارضة، يجب أن يكونوا جميعا في وضعية متنافسة)) (مجلة لاماليف. أبريل 1984).

حكمة صادرة عن تجربة إدريس البصري مع النظام الملكي، توجز الأسس التي تقام عليها التقاليد المخزنية، لا أغلبية لأحد، ولعلها الحكمة التي قالها إدريس البصري، ولازالت قاعدة ثابتة ملازمة للتجارب الملكية الحالية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!