في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة| فشل حزب الأصالة يحتم إعادة الانتخابات

بقلم: مصطفى العلوي

قرأت افتتاحية لجريدة “المساء” المغربية، وهي تسأل رئيس الحكومة العثماني: “لفائدة من يطلب العثماني عفو المغاربة”، ولعلها المرة الأولى في تاريخ المغرب على عهد ملوكه الثلاث، يطلب فيها رئيس الحكومة، العفو من المغاربة، بصفته رئيس حكومتهم.. إن لم يحصل فعلا، أن أي واحد من المسؤولين المغاربة طلب يوما من المغاربة عفوهم، لأن تعبير العفو كان من اختصاص الملك وحده، لتكشف التجربة أن الملك نفسه، لم يستعمل هذا الحق المتميز، باستثناء بلاغات العفو بمناسبة الأعياد، رغم الانتقادات التي كتبت عن طريقة إصدار العفو، ونحن الذين كنا بين الفينة والأخرى في أيام الحسن الثاني، نسمع بلاغات العفو، في حق السياسيين، والمعتقلين السياسيين، الذين يعتبرهم الملك مسيئين.

والحقيقة أن الظروف التي يعيشها المغرب، وهو الذي يمارس، أحزابا ومنظمات، عملية اغتيال الديمقراطية وطقوسها، وتحويل البرلمان بغرفتيه إلى ما أشبه ما يكون، بمسرح من مسارح الأحياء المنتشرة في شوارع القاهرة، وكأن السادة النواب والمستشارين قد تحولوا إلى فرق استبدلت الانتماءات الحزبية بفرق من المتفرجين، أو الممثلين أو الغائبين، تكريسا للحكمة الغابوية: ((ضع الضفدع على كرسي من ذهب، ستجده يقفز إلى المستنقع)).

وقد سجل الرأي العام الوطني باحترام كبير القرارات الملكية الفريدة(…) بتعيين رئيس للنيابة العليا في شخص الأستاذ محمد عبد النباوي، ورئيس المجلس الأعلى للحسابات، الأستاذ إدريس جطو على رأس هاتين المؤسستين الاستثنائيتين، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بجانب تقوية نفوذ مدير الأمن الحموشي، وكأنه ثالث رجال المطافئ.

بينما التجربة الدولية، فيما يتعلق بالدول المحترمة(…) لم تعتمد قط في تسيير شؤون الدولة التي تعدى سكانها الأربعون مليونا، على ثلاثة أفراد، مادامت الدولة الديمقراطية المحترمة، والتي نطمع في أن يكون المغرب واحدا منها، تعتمد على برلمانها بالدرجة الأولى وأحزابها بالدرجة الثانية، بصرف النظر عن الثوابت والجيش.

أما الاعتماد الثلاثي(…) الجاري به العمل، فقد شاهدنا البوليس يقبلون على تجمع عمالي يتوسطه رئيس حزب الاستقلال السابق، شباط، وعلى رأسهم ضابط أمني بزيه الرسمي، حامل لميكروفون، يقف أمام جموع العمال المحتجين ليأمرهم بالانصراف، ليتضح أن ميكروفونه لم يشتغل، أو غلبت عليه أصوات العمال الصائحين لتنطلق أصوات المنتصرين(…) على الميكروفون الساكت، وهي تصيح: ((أجي تشوف التعليمات.. يا أمير المؤمنين)).

مظهر آخر للتغلب على الميكروفونات الساكتة(…) يضاف إلى نجاح عملية المقاطعة، المؤشرة إلى بداية ثورة ذكية في المغرب(…) في مواجهة دولة متفرجة(…)، ساكتة الحكومة، عاجزة الأحزاب، وقد فتح المجال لثرثرات المتدخلين بالوسائل الإلكترونية من فيسبوك، ويوتوب، ووات ساب.. آخر الأسلحة المجانية، والغير مراقبة، عبر تلفونات، تقول الإحصائيات إنها وصلت حد تلفون لكل مواطن ومواطنة، فهم إذن أقرب إلى المغاربة والمغربيات من حبل الوريد.

الخطر إذن على الأبواب، والتفكك إذن ليس في طريقه فقط، إلى قول كلمته الأخيرة، بل إنه ربما نخر هذا الجسم، وأصبح مثل مرض الإيبولا، الذي يستنشقه كل المتنفسين مع الهواء، وهذا النائب التقدمي بلافريج، يبتدع للجماهير المصابة(…) نشيدا يقول: “آش خاصك يا العريان.. الطيجيفي يا مولاي!”، تلميحا إلى هذا القطار الفرنسي السريع، الذي سجل الرقم القياسي في التهام الملايير، والاقتراضات الدولية، مقابل تخفيض زمن السفر من طنجة إلى الدار البيضاء.

بلافريج هذا، وربما عن حسن نية، وجه رسالة إلى رئيس البلاد، الذي هو ملك المغرب، رسالة ذكية، وكأنه يوحي للملك بضرورة حتمية إنقاذ الشعب من إيبولا الفوضى والفراغ بالرجوع إلى العناصر الجادة في الوطن المغربي، دون الخوف من المعارضة، وقد اندثرت وزال خطرها، وبلافريج يقول: هل تذكر أن إدريس البصري الذي كان وزيرا قويا ورجل ثقة الحسن الثاني عندما أطيح به في بدايات حكم محمد السادس، توجه إلى الجزائر وأدلى بتصريحات إلى الصحافة الجزائرية كلها هجمات على النظام المغربي، الشيء الذي لم يعمله المعارضون ولن يعملوه(…) مضيفا: ((لقد كشفت فرنسا مؤخرا عن أطراف من ملف اغتيال الشهيد بنبركة، وعلينا نحن أيضا أن نكشف ونتصالح(…))).

وكان الحسن الثاني، عندما تورط في أخطائه(…) وغرق في أخطاء أصدقائه ورجال ثقته(…) الذين كان إدريس البصري واحدا منهم، قد بحث عن حل، وهو الذي كان يبحث دائما عن الحلول لمشاكله، وقد تنبأ لحاضرنا الذي كان يعرف أنه سيكون غائبا عنه، حين قال سنة 1979: ((إن التسامح سيصبح منقرضا في العالم الذي سنعيشه(…) في السنين القادمة))، ناصحا بهذا الحل، والنصيحة طبعا لولده وخلفه محمد السادس، حين قال: ((إن التسامح هو الحضارة، التسامح هو فلسفة الإسلام)).

ومادام محمد السادس، وحسب فلسفة الإسلام، هو أمير المؤمنين، فإن الأمة المغربية في حاجة إلى مخطط جديد ينطلق من التسامح، ويأخذ من الإسلام ميزة أخرى، هي الإصلاح، ورحم الله الشيخ عبد السلام يس الذي حصر الإصلاح المطلوب في العدل والإحسان.

وإذا كان الإصلاح مستحيل الإنجاز، على يد أحزاب متفككة ومفبركة أبانت عن فشلها، وكان أول الفاشلين، مشروع الحزب المسمى حزب الأصالة والمعاصرة، وجلالته يعرف بالتفصيل المكونات(…) والجزئيات التي خربت هذا الحزب، الذي ختم أقطابه الكبار(…) تكريس فشلهم عندما أوحوا بكسر مسيرة حزب العدالة والتنمية وإبعاد رئيسه بن كيران، فإن المنطق يحتم أيضا تخليص الحكومة التي كانت من صنعهم(…) من الداء الذي نخر هياكل هذه الحكومة، مثلما نخر الكثير من الحكومات التي تساقطت كأوراق الخريف، في دول مثلنا سبقتنا، وهو داء الخلط الوزاري، بين التجارة والوزارة، كما قال الشاعر الذي رد على سعادة الوزير بوسعيد، الذي سمى الشعب بـ”المداويخ”، ونشر قصيدته في العدد قبل الماضي من “الأسبوع”:

لو كنت تسكن في الفيلات الباذخة

فالشعب مسكنه القصدير والكوخ

إن كنت تأكل ما قد لذ مطعمه

فالشعب ليس له في البيت مطبوخ

تناقض يسطو على العيون، ولا يمكن أن تشكل حكومة الشعب المغربي المتوسط الوضعية والفقير، من أصحاب الملايير.

الوضع إذن، وإن كان يحتمل، أو يحتاج إلى حكومة وسط من الأوفياء لكم(…) ولهذا الشعب، فإن الغطاء الديمقراطي لهذه الحكومة، ولمستقبل المغرب كله، يحتم إعادة خلط الأوراق الدستورية، وإعادة تشكيل برلمان جديد يعاد انتخابه بكل شفافية، لتخليص المستقبل من كل عيوب الماضي، وإفساح المجال الحقيقي عبر إعادة الانتخابات البلدية والقروية للأجيال الجديدة المتطابقة هويتها مع مغرب جديد.

كما أن إعادة هيكلة أطر وزارة الداخلية، وتخليصها من جيل القياد الذين وصف واحد منهم تلميذا يشتغل في متجر، وهو يستعد للاجتياز شهادة الباكالوريا، فنهره القائد المفتش بالكلب، ليسقط التلميذ مغمى عليه تحت ضغط الإهانة.

وفي نفس الفترة يضرب قائد آخر بائعة بغرير في مدينة القنيطرة، ويرسلها إلى المستشفى، وقائد ثالث يضرب امرأة أخرى في منطقة الخيايطة بالدار البيضاء، فيفقدها بصرها، فإن أمثال هؤلاء القياد، هم الذين يبنون روح الثورة في الوسط الشعبي ويجعلون الشعب يتآزر من أجل قلب النظام. أليس القياد الأقوياء هم الذين تآمروا على الملك محمد الخامس؟

وإذا كانت المصادفة قد شاءت أن يقول رئيس الحكومة الأسبق بن كيران في السنة الماضية، بأنه سينقطع عن تناول دانون لمدة عشرة أيام، فإن الشعب استلهم من هذا الالتزام بالتأكيد فكرة مقاطعة دانون، في السنة الموالية، فماذا سيجري في السنة الثالثة، وإلى أين نحن سائرون؟

وما هي الإمكانيات التي بقيت بين أيدي النظام لصيانة رمز النظام(…)، وقد بدأت الوسائل الإعلامية العصرية تخلط بين مكونات هذا النظام، وتخلط بين القدسية والدسارة، وأية دسارة أكبر من أن يهاجم مخبول جموع المصلين يوم الجمعة على بعد أمتار من الضريح المقدس لمحمد الخامس، فلا تفريق بين المقدس وغير المقدس، في الوقت الذي تكسر ذلك “البارشوك”(…) الحاجز الذي يفرق بين مكونات النظام، بعد أن قال القطب النقابي حميد شباط في أحد تصريحاته الأخيرة، متسائلا: ((من أزال بارشوك الاحترام، أليس المخزن نفسه؟)).

شباط من اليمين، وبلا فريج من اليسار، شباط يحذر من إزالة “بارشوك” الاحترام، وبلافريج يدعو إلى المصالحة، هما معا، ولكل منهما وزنه وأتباعه(…) ينطلقان من حتمية تغيير الأساليب.

وإذا لم يحصل هذا التغيير المؤمل عبر أسلوب التسامح الذي نصح به الحسن الثاني، وفي إطار الإسراع بإعادة خلط الأوراق، واتخاذ قرار مسؤول مدروس، يراعي المصلحة الوطنية العليا، فلنقرأ بعد الصلاة على المرسلين ما صدر هذه الأيام من مقالات كتبها في الصحافة الأجنبية(…) كتاب وصحفيون سبق لهم أن تنبؤوا بأخطار تشبه الأخطار المحيطة بنا، فكانت تنبؤاتهم بالنسبة لغيرنا كارثية، ما أغنانا عن كارثيتها.

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!