في الأكشاك هذا الأسبوع

قيادي في جماعة “العدل والإحسان” يسخر من نداء المساواة في الإرث

ورطة أمام الله وأمام التاريخ.. هل يمكن إلغاء الصلاة والصوم بدعوى التحضر؟

بقلم: عبد الصمد الرضى

————

تشهد الساحة السياسية مؤخرا، جدلا غير مسبوق حول الإرث، خاصة مع إطلاق عريضة تدعو للمساواة بين الرجال والنساء في الميراث وإلغاء “التعصيب”، وبينما أكد الفقيه أحمد الريسوني أن العرائض لا تلغي الفرائض، قال مصطفى بنحمزة، عضو المجلس العلمي الأعلى، أن أصحاب العريضة، لا يعرفون معنى الإرث في الإسلام.

وقد سخر عضو جماعة “العدل والإحسان” في مقال خص به “الأسبوع” من أصحاب عريضة إلغاء التعصيب، خاصة وأن أصحاب العريضة يقولون أن التعصيب كان في زمن غير زماننا وفي مجتمع غير قبلي لا وجود له اليوم، فيسأل: “هل سنلغي الصلاة والصوم لأنهما كانا في زمن غير زماننا؟”.. وفيما يلي نص المقال:

سمعت النداء الجديد بإلغاء قاعدة التعصيب، وقلت لعله اجتهاد جديد لم يكتشفه السابقون، وسيتدارك “المجتهدون الجدد” النقيصة التي وقع فيها الأسلاف، فهم قدامى كانوا لعصر غير عصرنا، ولعل تغير الواقع، يقتضي تغير الحكم، فابن القيم رحمه الله، عقد كغيره من العلماء، فصلا لتغير الأحكام بحسب تغير الأزمان والأحوال والعوائد والنيات، فقرأت ما يلي:

أولا: ((يعطي قانون المواريث (مدونة الأسرة 2004) الحق للرجل في الاستفادة من الإرث كاملا في حال كان الوريث الوحيد، في حين لا تستفيد المرأة من هذا الحق، إذ ترث فقط  نصيبا مقدرا معلوما يسمى فرضا)).

وعلى التو قلت: “التعصيب في منظومة الميراث لا يختص بالذكر وحده، فالأنثى أيضا ترث بالتعصيب، إذ التعصيب ثلاثة أنواع:

  • عصبة بالنفس: وكلهم ذكور، والابن يحجب باقيهم حجب إسقاط.
  • عصبة بالغير: وهم ذكور وإناث ويشمل الحالات المحصورة التي يرث فيها الذكر ضعف ما ترث الأنثى.
  • عصبة مع الغير: وكلهم إناث، تحت قاعدة “والأخوات يصرن عصبات إن كانت للهالك بنت أو بنات”، فقد تجتمع البنات وعمتهن فتنفرد الإناث بالتركة، ولا يرث أي واحد من الذكور الذين يرثون بالتعصيب.

فمثلا إذا توفي رجل وترك وراءه بنتا وأختا شقيقة وزوجة، وأبناء أخ شقيق وأبناء إخوة لأب، فالزوجة ترث الثمن، وللبنت النصف، والباقي للأخت الشقيقة، وليس لأولاد الإخوة شيء وكلهم ذكور، لأن الأخت الشقيقة (الأنثى) في هذه المسألة، وأمثالها تحجب أبناء الإخوة لأب، والبنت وهي( أنثى) أيضا تحجب الإخوة لأم، وكلهم ذكور.

هنا، أدركت أن الناس ليسوا على شيء من دقة علم، وأن بعض الموقعين قد غرر بهم، وقد تورطوا، وأن من صاغ النداء، لا ينفك أمره من أحد أمرين:

1- إما أنه لا يعلم ولا أقول “جاهل”، فإنه سيسعى لسحب توقيعه على الفور ويتبرأ منه، (ولقد أدرك السيد محمد إكيج، وهو أستاذ باحث في قضايا الأسرة، حجم الورطة فألغى توقيعه)، لأن ذلك من تمام الشجاعة العلمية والأدبية والتاريخية، وهو أمر يشكر عليه.

2- أو يعلم وينتقي: فأستغرب ماذا يريد هؤلاء من هذا النداء في هذا الوقت بالذات. هل هو أجندة لها سوابق، (سفاهة كتاب “البخاري نهاية أسطورة”، وتفاهة حرية الجسد…) ولواحق الله أعلم بها، أم ماذا!؟ وكدت أطوي الملف وأنتهي بعد أن قرأت النداء بتمعن،

ثم التفت إلى ذاتي وقلت: لا بد من إحسان الظن بالناس، فلعلهم لا يريدون إلا  نصرة من أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بهن خيرا قبل انتقاله للرفيق الأعلى، وهو يقول: ((استوصوا بالنساء خيرا)).

ثانيا: ومما جاء في النداء:

((مما يعني أن الوارثات اللواتي ليس معهن شقيق ذكر، ينبغي عليهن تقاسم الإرث مع الذكور الأقربين (أعمام، أبناء عمومة وغيرهم)، وفي حالة عدم وجودهم، تقتسم مع أبناء عمومة أبعدين قد لا تربطهم بالأسرة آصرة أو قربى سوى الدم المشترك)).

زادتني هذه الفقرة دهشة، إذ قلت: الموقعون باحثون يدركون معنى “العلمية” و”الموضوعية” و”البحث الميداني الدقيق” و”المسح الإحصائي”، فلعلهم أحصوا عدد أبناء العمومة بالمغرب، المتربصون بأخيهم الذي ليس له إلا البنات لينقضوا على التركة بعد موته، وأنهم كلهم فقراء، ستدفعهم الحاجة، لا محالة، لمزاحمة البنات اللواتي ترك لهن أبوهن شقة أو قطعة أرض أو غير ذلك، أما إن كان غنيا وجمع ثروة هامة، فإنه سيستفيد من تركته كل الورثة، فيستغنون بذلك، وهو ليس بالسذاجة وقلة الفهم لمقاصد الشرع، ومصلحة بناته، وعدم تمكنه من سؤال أهل العلم والقانون الذين يجدون له المخارج الشرعية والقانونية التي يصون بها حياة بناته بعده (هبة، عمرى، عقبى…).

وتساءلت عن الكلمة الأخيرة “سوى الدم المشترك”، فقلت: لعل الذين درسونا علم الفرائض، قد غرروا بنا، ولم يذكروا لنا أن من أسباب الميراث “الدم المشترك”.. أي دم؟ فهل الزواج، وهو موجب للميراث، دم مشترك أم عقد مشترك؟

ارتفع منسوب يقيني، أنه ليس وراء النداء دقة علمية واضحة، ونفضت يدي من الموضوع، وأدركت أن الذين وقعوا قد غرر بهم، ووقعوا في ورطة ذات أبعاد متعددة وخطيرة على النسيج المجتمعي المغربي المتضامن في عمومه.

للإرث  في الشرع سببان رئيسيان:

1- الزوجية أو المصاهرة: وهي عقد يجمع رجلا بامرأة على سنة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، بمسؤوليات محددة ولمقاصد معروفة.

2- النسب أو القرابة: وتشمل الأبناء والأحفاد ذكورا وإناثا، والإخوة والأخوات، والأعمام.

فأين الدم المشترك!؟ لعل الذي كتب، يفكر باللسان الدارج (مشاركين الدم على وزن مشاركين الطعام).

ومع ذلك قلت: إن من العدل والإنصاف، متابعة التدقيق في نص النداء، فوجدته قد استنتج استنتاجا غريبا أن: ((هذه الوضعية، ترتبط بقاعدة التعصيب التي تحصر الورثة، بعد أصحاب الفروض، في الذكور ممن لهم قرابة نسبية بالمتوفى)).

الاستنتاج العلمي، يكون بعد تمحيص المعطيات وجمع المعلومات، واعتماد المناهج البحثية الدقيقة في الاستنباط والاستقراء.. قاعدة التعصيب هي السبب!! ما لها تحصر الورثة في “الذكور” ذوي “القرابة النسبية”؟ فإن كانت الكلمة بفتح النون والسين، فهي مجرد تكرار، إذ القرابة والنسب شيء واحد، وهذا مما يدركه الطلاب في بداية تعلمهم، وإن كانت بكسر النون وتسكين السين، فكيف نميز بينها وبين القرابة المطلقة، بأي معيار وبأي مقياس؟ وكأني بعدد من الموقعين قد درسوا مفهوم “القرابة النسبية” وما هي درجة النَّسَبية التي تعطي الحق في الميراث، وما صورة “القرابة المطلقة”؟ كيف نرتب ما بين الابن الأول والابن الثاني والثالث، أيهم يملك القرابة الأكثر نسبية والأقل نسبية؟

ثالثا: واستطرد النداء ينادي:

((علما بأن الإرث بالتعصيب كان يجد ما يبرره في السياق التاريخي الذي نشأ فيه، حيث كان النظام الاجتماعي نظاما قبليا يفرض على الذكور رعاية الإناث والأشخاص الموجودين في وضعية هشة، إضافة إلى تحملهم مسؤولية الدفاع عن القبيلة وضمان عيشها، حيث كان الأمر يصل إلى حد إعطاء ديات وتعويضات من أجل سداد الخسائر والأضرار التي قد يتسبب فيها بعض أفراد القبيلة (العصبية))).

النتيجة إذن: اكتشف أصحاب النداء، اكتشافا لم يسبقوا له، إنه مبررات التعصيب في ذاك الزمان، إنه السياق التاريخي، والنظام الاجتماعي القبلي (العصبية).

إنه من لوازم هذه العبارة لمن يعرف دلالات الألفاظ وأصول المنطق، أن التعصيب الوارد في القرآن نصا، نشأ من خلال “النظام الاجتماعي القبلي”، أما اليوم، فنحن أمام مجتمع متحضر لا معنى فيه للقبيلة، ولم يعد لها أثر لا في مدن المغرب ولا في قراه، وحسب هذه النتيجة، فينبغي قطع الصلة مع كل ما جاء في سياق غير سياقنا ونظامنا الاجتماعي المعاصرين (الهوية، الروابط الاجتماعية)، وباقي الأحكام الشرعية، ومنها الصلاة والصيام والزكاة و…، لأنها جاءت في سياق تاريخي ونظام اجتماعي لم يعد موجودا اليوم، وهو أمر لا يقول به ذوو الطباع السليمة والعقول الراجحة، إلا من يدعو للتوقيع وهو يبطن التوريط!

 

رابعا: وجاء في النداء كذلك؟

((فضلا عن ذلك، فإن النساء تساهمن في إعالة أسرهن، بل إنهن في أحيان كثيرة، يكن المعيلات الوحيدات، أما عدد النساء اللواتي تشاركن أزواجهن نفقات البيت، فهو في تزايد، فضلا عن وجود حالات كثيرة تتكلف فيها ربات البيوت لوحدهن بنفقات البيت، هذا دون أن ننسى أن عدد النساء اللواتي تكفلن أنفسهن في ازدياد مطرد أيضا: مطلقات، عازبات، أرامل (تقدر إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط عدد الأسر التي تعيلها نساء بمعدل أسرة واحدة من بين كل خمس أسر))).

إن المرأة كما تكون وارثة تكون موروثة، وكما تكون فقيرة تكون غنية، تترك لورثتها خيرا يستفيدون منه بعد موتها، ثم إن عدد النساء اللواتي تكفلن أنفسهن، لسن جميعا مطلقات أوعازبات أو أرامل، بل منهن المتزوجات والمهندسات، والأستاذات، والمقاولات، والمحاميات، والعاملات وغيرهن، ونحن نفخر بذلك، وسيرث ورثتهن تركاتهن بالفرض والتعصيب أو بأحدهما، حسب وضعهم في ترتيب الورثة، فالذي يعلقون  ظلم المرأة على قاعدة التعصيب فحسب، قد تورطوا.

خامسا:

((مما يفرض السؤال التالي: ما الذي يبرر أن يظل الأقارب الذكور (الأقربون أو الأبعدون) يتقاسمون الإرث مع فتيات يتيمات لا يتحملون مسؤوليتهن المادية أو المعنوية في شيء؟)).

ليست كل الوارثات يتيمات، وليست قاعدة التعصيب هي التي تسبب اليتم، اليتم جزئية من المسألة الاجتماعية التي تحتاج برمتها لنقاش كبير حول أسبابها وأثارها والمسؤول عنها، وكأننا إذا ألغينا قاعدة التعصيب، خففنا من ظاهرة اليتم، والتفكك الأسري، والهشاشة الاجتماعية، ونحن جميعا نعرف من المسؤول عن ذلك “كلكم راع وكلكم مسؤول…”، أي ورطة هذه أن نوقع على تحليل كهذا!؟

سادسا: ويضيف النداء:

((في ظل وضع كهذا، أصبح عدد كبير من الآباء الذين ليس لهم أبناء ذكور (وهي حالات في ازدياد متصاعد لأن الأسر المغربية لم تعد تنجب في المتوسط أكثر من ثلاثة أطفال)، لا يتقبلون أن يرث أقارب ذكور، لا تربطهم بهم آصرة سوى الدم المشترك، ممتلكاتهم على حساب مصلحة بناتهم، وحيث إن القانون لا يمكنهم من حق ترك وصية تحيل التركة لبناتهم، فإنهم يضطرون لمراوغة أحكام الإرث عن طريق اللجوء للهبات والبيوع الصورية)).

احذروا أيها الناس، إن كل مولود ذكر، هو مشروع وارث بالتعصيب، لأنه سيكون أخ أنثى أو ابن عمها، وسيرث بالتعصيب، وهو لا محالة مشروع وارث معتد على ميراث الإناث اللواتي هن في ازدياد متصاعد، وقد دلت على ذلك الإحصاءات المتعلقة بالأسر المغربية.. فهل هذا توقيع، أم توريط؟

سابعا:

((مما يجعلنا نتساءل: إذا كان السياق الاجتماعي والاقتصادي الذي برر، عبر التاريخ، نظام التعصيب بالنفس، قد تغير واختلف كليا، فما الذي يسوّغ أن يستمر العمل بقانون التعصيب؟ علما بأن هذا القانون، هو اجتهاد فقهي لا يجد له أي سند في القرآن الكريم، فضلا عن أنه لا يتناسب مع مقاصد الشريعة الإسلامية في تحقيق العدل بين الناس)).

لا أجد كبير عناء بعد هذه الفقرة، فبالتأكد من أن الذي صاغ الورقة، ورط نفسه وورط غيره، وأكاد أجزم أنه ممن له تجربة “الاطلاع السطحي” على بعض الأحكام الشرعية ليس إلا، أو صاحب إغراض مبطن يريد إسقاط حجية السنة النبوية من التشريع.. “هذا القانون هو اجتهاد فقهي لا يجد له أي سند في القرآن الكريم”، فماذا تقول في قوله تعالى:  ((يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد..)) الذي نص بوضوح على أن نصيب الأخت إذا لم يكن لأخيها فرع وارث ولا أصل، هو النصف، وأعطت المال كله لأخ إذا لم يكن لأخته فرع وارث ولا أصل، فإنه يرث مالها كله، وهذا هو معنى التعصيب.

أ ليست ورطة كبرى، أن يستغفلني الناس فأوقع على إزالة حكم قطعي الدلالة بنص القرآن الكريم؟

أ ليست الورطة أكبر، أن أغض الطرف عن السنة التشريعية، إذ يقول صلى الله عليه وسلم: ((ألحقوا الفرائض بأهلها ، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر)) جاء في أعلى درجة الصحة وهو ما اتفق عليه البخاري ومسلم.

ثامنا:

((من أجل كل هذه الاعتبارات، وانسجاما مع تحقيق روح العدل والمساواة، نطالب نحن الموقعين أسفله بالتالي: إلغاء نظام الإرث عن طريق التعصيب من قانون المواريث المغربي، على غرار ما مضت فيه بلدان إسلامية أخرى))

أقول: من أجل تهافت هذا النداء، وانسجاما مع تحقيق روح العدل والمساواة، وانسجاما مع مقاصد الشريعة الغراء، أدعو لفهم نظام الإرث في الإسلام في شموليته، وإلى ضرورة عناية مراكز الأبحاث والدراسات إلى أن تستيقظ، لتضع خارطة طريق لتجديد النظر في كثير من القضايا المستجدة التي تحتاج لاجتهاد جماعي.

نحتاج لدراسات علمية وتعاون اجتهادي في سياق تطبيق مقاصد القرآن وأحكامه، لا في سياق إلغائه وتحييده عن الشأن العام، وفي سياق دراسات علمية دقيقة وموضوعية، فالنسيج الاجتماعي المغربي يتغير بسرعة، ويحتاج إلى جهود مضنية وكلمة سواء بين جميع المتدخلين في الموضوع، مع أخذ الأمور التالية بعين الاعتبار:

  • الحكم الشرعي.
  • المقصد الشرعي.
  • الواقع المعيش.

ومن القضايا التي تحتاج لاجتهاد جماعي حقيقي:

  • مساهمة النساء في إعالة أسرهن كلا أو جزء، وتبعات ذلك على النظام الأسري.
  • ضرورة السكن الأصلي للأسرة وعلاقته بالإرث.
  • الاعتناء باليتامى والفقراء.
  • مداخل النهوض بالمسألة الاجتماعية في ظل التفاوت الطبقي اليوم.
  • حقوق المرأة العاملة وما تتعرض له مما يهدر كرامتها باعتبارها مواطنة

واللائحة طويلة.

نوقع على الاشتغال التكاملي لا على التوقيعات التي تورط أصحابها أمام الله وأمام المسلمين وأمام التاريخ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!