تحليل إخباري

تحليل إخباري | المعركة الأخيرة.. إما طرد البوليساريو من الاتحاد الإفريقي أو التأسيس لفقدان السيادة المغربية في الصحراء

إعداد: سعيد الريحاني

احتفت جبهة البوليساريو بالحكم الصادر مؤخرا عن المحكمة الأوروبية، والذي يستثني مياه الصحراء من اتفاق الصيد البحري، باعتباره صفعة جديدة للمغرب تنضاف إلى الحكم السابق الصادر في 16 دجنبر 2016(..).. قرار من هذا النوع، يجعل من الاتحاد الأوروبي، “رهينة” لقرارات القاضي، الذي لا يراعي بالضرورة المعطيات السياسية، ويعطي فكرة عن المشاكل التي سيتعرض لها الاتحاد الأوروبي مستقبلا، باعتباره خاضعا لسلطة “القاضي” الذي يريد أن يقدم نفسه، كبديل عن حكومات الدول المعنية بالاتفاق مع المغرب.

تكمن خطورة الحكم الصادر عن المحكمة الأوروبية والذي يقول بأن ((اتفاق الصيد المبرم بين المغرب والاتحاد الأوروبي، غير قابل للتطبيق على المياه الإقليمية الصحراوية))، في كونه يوفر “وثائق” جديدة للبوليساريو، من أجل اكتساب “الشرعية المزعومة”، رغم أن الحكم لا يأتي على ذكر اسم الجبهة نهائيا(..)، وهو ما دفع الصحف المغربية للحديث أول مرة عن “معركة تحرير الشواطئ” التي أصبحت مفروضة على المغرب، ((ذلك أن موضوع الصيد البحري، يستحق دراسات وبحوث، منذ أن كانت المراكب الإسبانية تنتهك المياه الإقليمية للمغرب في البحر الأبيض المتوسط، وتكاد تصل إلى الشواطئ لتنهب الثروة السمكية، مما أثر كثيرا على مخزونها، فالحكم الصادر عن المحكمة الأوروبية، والذي يستثني مياه الصحراء المغربية من اتفاقية الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي، ليس سوى الصيغة الاستعمارية الجديدة، لمحاولة منع المغرب من تحرير مياهه الإقليمية، وهي المعركة التي دامت عقودا، منذ أن بدأ المغرب يطالب بتوقيف الاتفاق مع إسبانيا، والتوقيع مع الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي كان يرفضه الإسبان.

إن الحكم الصادر عن المحكمة المذكورة، يشكل استمرارا للضغط على المغرب في علاقاته مع الاتحاد الأوروبي، وعلى مختلف المستويات، السياسية والاقتصادية، غير أن الأخطر فيه، هو السعي إلى تأبيد النزاع حول أقاليمنا الصحراوية، والدفع نحو عرقلة تنميتها..)) (المصدر: الاتحاد الإشتراكي/ 13 مارس 2018).

هكذا إذن، بدأت فصول مناورة جديدة، تبدأ من احتفاء البوليساريو بالحكم الصادر لصالح جمعية إنجليزية(..)، وتتطور في خيال البعض إلى درجة اقتراح إبرام اتفاق للصيد البحري بين الاتحاد الأإوروبي وجبهة البوليساريو ..)، بعد أن أصبح اللعب على ورقة “الثروات الطبيعية” كورقة ضغط ضمن “الجيل الجديد لحقوق الإنسان، فـ ((عندما بتت المحكمة الأوروبية في نازلة الثروات السمكية البحرية في الصحراء المغربية، بناء على دعوى تقدمت بها جمعية مدنية بريطانية، أسست بناء حيثياتها على التطورات الجديدة في مجال حقوق الإنسان. هذه التطورات تشكلت من خلال التوجهات والتيارات الجديدة في علاقة الحقوق الإنسانية بالثورات الطبيعية، وأقل ما يمكن قوله عن هذه التوجهات الحديثة، أنها حاليا في مرحلة متقدمة لإنتاج جيل رابع من حقوق الإنسان، متعلق بحقوق الساكنة والشعوب الأصيلة المتنوعة داخل الإطار الوطني الواحد في استغلال مواردها الطبيعية، فبعد الأجيال الثلاثة الأولى، السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية، والجماعية والثقافية، جاء الدور على بناء حقوقي جديد أكثر تحديدا وضبطا، وهو الحقوق الإنسانية في الثروات الطبيعية)) (المصدر: الباحث السياسي إدريس بنيعقوب).

يقول الباحث السياسي إدريس بنيعقوب، بأن ((هناك مفاهيم جديدة تم إدماجها (حقوق الشعوب الاقتصادية والاجتماعية)، وهناك مفهوم التنمية المستدامة، والحقوق المرتبطة بالتشاور مع الشعوب في استغلال الثروات، والمشاركة في تدبيرها، وحق الولوج إلى المعلومة المرتبطة بالثروات. أعطيت أيضا تفسيرات جديدة لاستغلال الثروات الطبيعية ودور الدولة في حراستها لفائدة الأفراد، من منطلق كون الأفراد موجودين في الواقع، وهم مصدر سلطات الدولة، هذا “الكائن الميتافيزيقي”، حسب توجهات كثيرة.. بالمقابل يرى نفس المصدر أن الخارجية المغربية، ظلت حبيسة منطق قديم في إدارة الصراع مع خصوم الوحدة الترابية.. ظلت في منطق البحث عن اعترافات دولية جديدة بمغربية الصحراء وسحب الاعترافات من البوليساريو، في وقت ارتفع فيه دور الفرد والجمعيات في مقاضاة الدول من منطق حقوقي جديد)).

التطورات الأخيرة، فرضت على المغرب، لأول مرة، الاستجابة لمطلب قديم، وهو إشراك المنتخبين في الحوار حول قضية الصحراء، وقد تجلى ذلك في اللقاء الأخير مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، كوهلر، في لشبونة، ضمن لقاء لا يرقى لمستوى “المفاوضات”، حيث أكد وزير الخارجية ناصر بوريطة ،على مشاركته في اللقاء، ضمن وفد يضم كلا من عمر هلال، الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة، وحمدي ولد الرشيد، رئيس جهة العيون الساقية الحمراء، وينجا الخطاط، رئيس جهة الداخلة وادي الذهب.

وفي تعليقه على هذا اللقاء، قال مصدر دبلوماسي مغربي، أن المغرب هو الذي اختار العاصمة البرتغالية لشبونة للقاء مع كوهلر، وفق شروط مغربية، لأنه كان يعرف أن البوليساريو يلهثون وراء إجراء “المفاوضات” بالنظر إلى الأوضاع الداخلية في المخيمات، وهو ما يفسر الضغط الإعلامي الذي مارسته الصحافة الجزائرية من خلال الترويج لمفاوضات جديدة، في برلين أولا، ثم حديثها عن بوادر أزمة، وهو كلام غير صحيح، بتعبير المسؤول المغربي.

نفس المصدر، أكد أن المغرب تعامل وفق أجندته الخاصة، واكتفى بالاستماع لكوهلر، بعد أن أخذ وقتا طويلا في الاستماع لمختلف الأطراف وفي التجول بين عدة عواصم، علما أن الدبلوماسي المغربي الذي كشف بعض المعطيات لـ “الأسبوع”، يقلل من أهمية المبعوث الشخصي للأمين العام، لأن ((الملف يوجد عند مجلس الأمن، وتحته الأمين العام، هو المختص، وبما أنه يملك ملفات كثيرة، فإنه يحيلها على موظف يسمى الممثل الشخصي أو مساعد الأمين العام، وحتى من الناحية الإعلامية، فالمغرب لا يعتبر لقاءا مع المبعوث الشخصي، حدثا يستحق الاهتمام.. نحن لا نريد أن يفهم من ذلك، أن المبعوث الشخصي هو المقرر)).. هكذا تحدث الدبلوماسي المغربي.

المسؤول نفسه ذكر بالمرتكزات الأربعة للمعركة الأخيرة، وهي الواردة في خطاب الملك محمد السادس، في ذكرى المسيرة الخضراء، أولها: “عدم وجود أي حل خارج سيادة المغرب الكاملة على صحرائه، ومبادرة الحكم الذاتي، التي يشهد المجتمع الدولي بجديتها ومصداقيتها”، ثانيا: “الاستفادة من الدروس التي أبانت عنها التجارب السابقة، بأن المشكل لا يكمن في الوصول إلى حل، وإنما في المسار الذي يؤدي إليه..”، ثالثا: “الالتزام التام بالمرجعيات التي اعتمدها مجلس الأمن الدولي لمعالجة هذا النزاع الإقليمي المفتعل، باعتباره الهيأة الدولية الوحيدة المكلفة برعاية مسار التسوية”، رابعا: “الرفض القاطع لأي تجاوز، أو محاولة للمس بالحقوق المشروعة للمغرب، وبمصالحه العليا، ولأي مقترحات متجاوزة للانحراف بمسار التسوية عن المرجعيات المعتمدة، أو إقحام مواضيع أخرى تتم معالجتها من طرف المؤسسات المختصة”.

وفي استلهام من الخطاب، أوضح المسؤول المغربي، أن جميع الأطراف المعنية بقضية الصحراء، يجب أن تكون حاضرة في سبيل إيجاد الحل، وعلى رأسها الجزائر، على اعتبار أن مسار الأمم المتحدة في الملف، مسار سياسي لا علاقة له بـ “الثروات الطبيعية” و”لا علاقة له بحقوق الإنسان”.. فهناك مسارا سياسيا نناقشه مع كوهلر، باعتباره مبعوثا للأمم المتحدة، ومسارا لوقف إطلاق النار عند “المينورسو”، وهناك مسارا آخر للاجئين عند مفوضية اللاجئين، حسب نفس المصدر.

الخطأ الذي ارتكبه المبعوث السابق، كريستوفر روس، هو أنه كان يحاول زرع التداخل بين الملفات، ويحول التقارير المرفوعة إلى مجلس الأمن في شهر أبريل، إلى وسيلة للضغط على المغرب، هذا ما يؤكده الدبلوماسي المذكور، قبل أن يؤكد أن المغرب، يقود معركة داخل الاتحاد الإفريقي، باعتباره اليوم مساهما كبيرا في التمويل من بين 5 دول، وينصب المجهود اليوم على عمل اللجان الموضوعاتية، وقد تترأس المملكة إحداها وهي لجنة البنيات التحتية، علما أنها لا تتوفر على أي موظفين داخل الاتحاد إلى حدود اليوم.

نفس المصدر، يؤكد أن مجلس الأمن والسلم الإفريقي، لن يستطيع تغيير أي شيء في الأفق القريب بالنسبة لقضية الصحراء، كما يؤكد أن معركة طرد البوليساريو من الاتحاد الإفريقي، تحتاج إلى 5 سنوات على الأقل، وهذا هو الهدف الذي تجندت من أجله الدبلوماسية المغربية، ليبقى السؤال المطروح، هو هل سينجح هذا الرهان؟

خلاصة القول، أن المعركة الأخيرة بين المغرب والبوليساريو، تصب من الناحية المغربية في اتجاه طرد البوليساريو من الاتحاد الإفريقي ونزع الشرعية عن هذا الكيان(..)، بالمقابل يراهن الطرف الآخر، على ضرب السيادة المغربية من خلال لعب ورقة الثروات الطبيعية، والجيل الجديد لحقوق الإنسان، في إطار اللعبة الدولية(..).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box
إغلاق
إغلاق