في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | عندما عين حزب الاستقلال علال الفاسي ملكا على المغرب

بقلم: مصطفى العلوي

بعد نفي الملك محمد الخامس، الذي لم يقبل الفرنسيون تمرده الوطني، وتفاديه لارتكاب أخطاء كتلك التي ارتكبها مولاي عبد العزيز ومولاي حفيظ، أصر الفرنسيون على إشاعة نشر تفاصيل الدور الذي لعبه عبد الحي الكتاني، أخ الشهيد، محمد الكتاني، الذي قتل تحت التعذيب في عهد مولاي عبد الحفيظ، في نفي محمد الخامس.

وبقي عبد الحي الكتاني في أنظار المغاربة هو الخائن، الصفة التي أطلقها عليه صحفي سابق، المهدي بنونة الذي كتب في مذكرات نشرتها جريدة “الشرق الأوسط” (عدد 14 غشت 1987) مطالبته بمحاكمة جديدة لعبد الحي الكتاني، وقرر أولاد الشيخ عبد الحي رفع دعوى أمام المحكمة الابتدائية في الرباط، ترافع فيها المحاميان المامون الفاسي، والعفريت بناني، قالا أمام المحكمة ما تخفيه السطور ((بأنها محاكمة تنطلق من عدم التحرر من العقليات القديمة، وصراعاتها المصلحية، وقال المحامي المامون الفاسي: هل جاء الوقت للعفو عن هذا الرجل الذي أخطأ في موقف سياسي كما أخطأ الآلاف الذين أصبحوا زعماء(…) في عهد الاستقلال سيما الوطنيون الحقيقيون(…) وقد اختارت المحكمة تفادي الرأي العام، وقررت رفض الدعوى)) (الأسبوع الصحفي. عدد 19 فبراير 1988).

محامي عبد الحي الكتاني، يؤشر إلى الذين أعلنوا معارضتهم للملكية، فأصبحوا زعماء سياسيين، لتصنيف عبد الحي الكتاني في عداد المعارضين القدامى(…)، قريبا من أحد السياسيين الحاليين، عادل بنحمزة، الذي وصف معارضة رئيس الحكومة السابق بن كيران أنها ((لازالت فيه عادة(…) حالة الزعيم السياسي بالبعد الوطني(…))).

حالة الزعيم السياسي بالبعد الوطني، تلمح إلى الأهمية الوحدانية للزعيم السياسي التي لا يمكن في عهدنا هذا نزعها من عبد الإله بن كيران، مثلما لا يمكن العثور حول هذا الزعيم على أنبياء مخلصين يدعمونه، فلقد انتهى زمن الأنبياء.

وكما ارتبطت معارضة السلطان عبد الحفيظ بالكتانيين فإن الزعامة انتقلت إلى عبد الحي الكتاني بعد مقتل أخيه محمد، على يد النظام الحفيظي، بل إن عبد الحي الكتاني وقبل أن يرتبط بأجهزة الحماية، حاول الاتصال بزعيم حزب الاستقلال علال الفاسي.

((لقد حصل تقارب بين عبد الحي الكتاني وعلال الفاسي، قبل نفي هذا الأخير إلى الغابون، حيث قام قريب من عائلة الكتاني يسمى الكانوني، بتكليف من عبد الحي الكتاني بالاجتماع مع مؤسس حزب الاستقلال ليطالب بدعمه في المعارضة الكتانية ضد السلطان مقابل انضمام عبد الحي الكتاني وحركته لحزب الاستقلال الشيء الذي رفضه علال الفاسي وكان سبب العداوة الكتانية للسلطان ولحزب الاستقلال)) (توبة أبي الكلاوي. ولده عبد الصادق).

الكتاني عبد الحي إذن كان معارضا للسلطان، ولطريقة الملك في الحكم، وخطب عبد الحي الكتاني، في عمقها تكاد تعادل انتقادات عبد الإله بن كيران في جوهرها، مع الفارق الكبير بين الفلسفة المعارضة لعبد الحي الكتاني الذي تحالف مع الاستعمار الفرنسي لنفي الملك وهو الذي نجح من قبل في تحضير شكاية أخيه للسفير الأمريكي بالمغرب من أجل إبعاد السلطان مولاي عبد العزيز.

أفليست التوجهات المعارضة للنظام، عند المهدي بنبركة، هي نفس توجهات عبد الحي الكتاني، ألم يمت بنبركة في طريق معارضته للملكية، كما مات أخ عبد الحي الكتاني؟

أليست الدوافع هي نفسها التي كتبتها قديما، الحركة الإصلاحية للحركة الإسلامية، التي أراد القطب جمال الدين الأفغاني، إصلاح الحركات الإسلامية المعارضة، هو والشيخ محمد عبده، وقد كتبوا بقلم رشيد رضا في جريدة “المنار” المتخصصة في شؤون المغرب، ((بأن الجهل والاستبداد بالمغرب هما سبب تدهور أحوال هذه البلاد)).

ليختم رشيد رضا مقاله بهذه الحكمة: ((إنه إذا كان المغاربة أسودا فإن كبار المفكرين المتبصرين قد تمكنوا من التغلب على الأسود وحبسوها)).

وتقريبا للأساليب السابقة واللاحقة في تعامل ما يسمى المخزن مع المعارضين انطلاقا من التجربة الحالية التي قالت عنها “الأسبوع” أن أصحاب بن كيران حسنوا ليه بلا ما.. نراجع حالة أصحاب المعارض الكتاني الذي قدم شكاية بالسلطان إلى السفير الأمريكي لنجد أنه في أيام مولاي حفيظ فوجئ أقطاب معارضه الكتاني ((أن الذي أشرف على اعتقالهم، هو القايد المطيري الذي كان من أتباع الشيخ الكتاني)) (الحركة الحفيظية. علال الخديمي).

أليست أحوال فقيه المعارضة عبد الإله بن كيران أحسن من أحوال الشيخ الكتاني أيام مولاي حفيظ، حيث اكتفى أصدقاء بن كيران في الحزب بإعلان رفضهم له، دون أن يتولوا متابعته؟؟ أو التكلف باعتقاله.

أليست النوايا المعارضة للسلطنة المطلقة ورفضها من طرف الزعيم علال الفاسي، الذي ألقى في محاضرة بمكتب المغرب العربي بالقاهرة سنة 1936 وهو يذكرنا  بسنة 1900، أسفه على ما جرى للكتاني، وتنويهه بنجاحه في تطويق السلطان، وهو يقول ((إن بيعة مولاي حفيظ، وضعت دستورا جديدا لسياسة البلاد، منها تقييد الملك(…) بضرورة التصريح للأمة بمشاريع المعاهدات، حتى تقبل أو ترفض)) (المصدر: كتاب الشهيد. محمد الكتاني).

حتى الزعيم الشورى بلحسن الوزاني الذي وصفه المفاوض الفرنسي “إدكار فور” في مذكراته بأنه زعيم الحزب الجمهوري(…) كتب عن شروط المعارضة الكتانية لتنصيب مولاي حفيظ ((بأنها شروط تكتب بماء الذهب، وتستحق أن توضع في صف الوثائق العالمية)) (نفس المصدر).

كلهم أعلنوا حتى بعد الاستقلال، تأييدهم لتجربة المعارضة الكتانية التي جمعت شهاداتهم في كتابها الذي صدر بعد الاستقلال، بمقدمة كتبها زعيم الريف محمد بن عبد الكريم الخطابي، وهو يقول فيها: ((نحن اليوم في سنة 1962 وبيننا وبين ذلك العهد خمسون سنة، فهل تغير الوضع الآن؟)).

تغيير الوضع هو الهدف، وإن كان ربما لا يعني تغيير الملكية، وإنما يعني تغيير أساليبها، مبدأ تكذبه حادثة طبعت تاريخ الحركة الوطنية، واهتم بها أول كتاب فرنسي عن تاريخ الأحزاب السياسية، وإن كانت مؤكدة، وليست تعليقا ولا احتمالا، وإنما تقرير بوليسي، عن محاضر اعتقالات رجال الحركة الاستقلالية بفاس، بعد أن نشرت الجريدة الوطنية الأولى التي كان يصدرها حزب الاستقلال، قبل جريدة “العلم”، وكان اسمها “الأطلس” كتبت في عدد صادر في 14 أكتوبر 1937 مقالا يمس في جوهره بالملك محمد الخامس، لذلك قررت المصالح الفرنسية حجز ذلك العدد، بأمر من الجنرال الفرنسي الذي كان مقيما عاما بالمغرب، واسمه الجنرال “نوجيس” الذي كان يتتبع التحركات السرية لحزب الاستقلال، الذي كان من أقطابه زيادة على علال الفاسي، كل من الحاج عمر بن عبد الجليل، وأحمد مكوار، ومحمد اليزيدي، وكان الحزب الاستقلالي قد عين مندوبا دائما عنه في باريس، الحاج أحمد بلافريج، وعينه “سفيرا للحزب في باريس”.

((وبعد أن خطب الجنرال نوجيس في فاس يوم 31 أكتوبر 1937 ليعلن أن الإقامة تدخلت بقوة من أجل المصلحة العليا(…) بعد أن حجزت في بيت الحسن بوعياد والإخوة السبتي بفاس، وبيت محمد اليزيدي في الرباط وثائق غير متوقعة مشروعا لأقطاب النظام الجديد(…) عبارة عن لائحة هذا محتواها:

الملك: علال الفاسي

الوزير الأول: محمد اليزيدي

المالية: أحمد مكوار

التشريفات: محمد بناني

الأمين العام للحكومة: محمد الكوهن

الاستشارة: إبراهيم الوزاني

وهي اللائحة التي كانت سببا في نفي علال الفاسي إلى الغابون، بعد صدور حكم بمنعه من البقاء في المغرب)) (كتاب الأحزاب السياسية المغربية. روبير ريزيت).

ولم تهدإ الأوضاع فيما بعد إلا بعد أن قام وفد استقلالي مكون من شباب حزب الاستقلال يوم 29 غشت 1939، بزيارة المقيم العام، الجنرال “نوجيس”، مكون من محمد غازي، أحمد الشرقاوي، أبو بكر القادري، وأحمد بن غبريط، وقدموا له وثيقة يعبرون فيها عن رغبتهم في تجاوز المرحلة السابقة، وبناء علاقات سليمة بين المغرب وفرنسا، وهي الوثيقة المنشورة كاملة على شكل مرجع في كتاب مؤلف لكتاب “الأحزاب السياسية المغربية”.

تجاه هذا التطور، ومع سنوات الحماية الطوال وعلال الفاسي في المنفى بالغابون، ودون أن يصدر من طرفه أي تكذيب للائحة التي عينته ملكا للمغرب، اكتشف الفرنسيون أن التوجهات الإسلامية مرجع من شأنه حل مشاكل المغرب، فأغمضوا عيونهم على تسرب حركة الإخوان المسلمين إلى المغرب، حيث جاء عضو من حزب الإخوان المسلمين، صالح أبو رقيق، للمغرب سنة 1951 وفي مايو من نفس السنة، جاء عضو الإخوان المسلمين المجرد من الجنسية المصرية، والحاصل على الجنسية الباكستانية، سعيد رمضان، ليلقي محاضرة في أكبر مسجد بتطوان ليدعو لحزب المغاربة إلى تأسيس حركة الإخوان المسلمين ويكون أو المستجيبين له محمد التاجاني من حزب الإصلاح، لينظم أول تجمع باسم حزب الإخوان المسلمين المغاربة بطنجة في 18 نونبر 1952، وليشهد المغرب حتى بعد الاستقلال توارد أقطاب من الإخوان المسلمين، كانوا في الواقع هم واضعو أسس التنظيمات الإسلامية التي تطورت عبر الدكتور الخطيب إلى حزب عبد الإله بن كيران.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!