في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | وقدم العلماء المعارضون شكوى للأمريكان بسلطان المغرب.. 

واكتشف المفاوض الفرنسي أن حزب الشورى جمهوري

بقلم: مصطفى العلوي

أكيد.. أنه لا يمكن للتاريخ أن يعيد نفسه.. ومستحيل أن يعود التاريخ المغربي إلى سنة 1900، وإن كان الذي يراجع تاريخ الفترة، والحمأة السياسية التي كانت تهز المغرب، والأقلام التي تسهم في انتقاد الأوضاع وتعلن رفضها، يكتشف أن أجيالنا الحاضرة(…) فارغة تافهة، خليق بها أن تخجل وتندب حظها.

تصوروا في عصرنا الحاضر، أن تصريحا في خمس دقائق أدلى به رئيس الحكومة السابق عبد الإله بن كيران أمام شبيبة حزبه، يصبح حدث الساعة، والصحف تتهافت على انتقاده تارة، وأخرى تسنده بين السطور تارة أخرى، وكأنه المسيح أدلى بتصريح بعد نزوله من السماء، رغم أن ملخص خطابه ينبه الملك إلى تفادي دعم حزب دون آخر، مقارنة مع علماء 1900 الذين كانوا يعلنون أنهم غير متفقين مع السلطان عبد العزيز، وهو الذي كان شبه مشغول عن التحرك ولو بتصريح ضد القوات الاستعمارية التي كانت تقطع أطراف الحدود المغربية، لتوسيع الرقعة الجزائرية، ويعطي الأسبقية لألعابه التي كان صديقه الإنجليزي “ماكلين” يستوردها له من أوروبا.

والتفاصيل قدمها أصدقاؤه الصحفيون، والدبلوماسيون الأجانب الذين حرصوا على تسجيل لعب السلطان في كتبهم: ((ليس بيسكليط واحدة، وإنما 12 بيسكليطة ليتجول بها في الحدائق، ولا يعد ولا يحصى عدد البيارات للعب وهي تتكاثر بتكاثر ضيوفه، كما يستوردون له آلات التصوير، وأجهزة الفونوغرافات الموسيقية، والسينمائية، وأجهزة التلغراف، والسيارات الصغيرة، إضافة إلى المدافع والبنادق التي كان يدربه عليها صديقه “ماكلين”، ومن بعد ظهرت الكرة حيث توصل بكميات من البالونات، وآلات صنع الثلج والݣلاس، وفي الأخير قطار جديد صغير لا يسافر طبعا، ورغم أنه لم تكن في المغرب طرق، فقد اشترى عبد العزيز عربة ضخمة مذهبة الأطراف حمراء اللون، لنسائه اللواتي كن يرتدين على لباسهن الحريري قبعات أوروبية فوق رؤوسهن)) (مذكرات دبلوماسي. سانت أولير).

تاركا للصحف الناطقة باسم المصالح، مثل صحيفة “السعادة” تكتب افتتاحيات للدفاع عن اللوبي السلطاني، وتكتب مثلا: ((لقد وصلت صورة الحال ببعضهم من علماء المغرب، والمنتمين للتصوف المتظاهرين بالذكاء والرجاحة أن يشيروا على الملك عبد العزيز أيده الله، بمعاكسة حكومة فرنسا)) (محمد الباقر الكتاني. ترجمة الشهيد).

والصحافة دائما.. في الماضي والحاضر، هي التي لازالت في نفس المسار، رغم أنها في زماننا أصبحت إذاعات وتلفزيونات، وصحف ورقية، ومواقع إعلامية.

علماء ذلك الزمان، الذي لم تكن فيه أحزاب ولا دستوريات لم يكتفوا بما اكتفى به حاليا السي بن كيران، وإنما اختاروا من جهة، إصدار بيانات في كل الأقاليم ويكلفون حوالي مائة عالم، لإصدار بيانات تتساءل: ((كيف أن الشعب المغربي يقف على الهامش في مختلف الأحداث، لا يسمع لهم صوت، ولا يطلب منهم رأي)).

تقريبا، نفس ما تكتبه بعض الأقلام في أيامنا، قبل أن يفاجئوا الرأي بالتحضير لإمضاء وتقديم رسالة إلى السفير الأمريكي بالمغرب، وكان معتمدا بطنجة أمضاها – بدون تأخر – قضاة فاس وعلماؤها وأشرافها وأعيانها، يقدمون فيها سردا بالأخطاء السلطانية لمولاي عبد العزيز ووزرائه(…) ويعلنون للسفير الأمريكي قرار خلعهم للسلطان مولاي عبد العزيز، حسبما أفتى به أهل الحل والعقد من العلماء، ويطالبون السفير الأمريكي بالتمهيد لتعويض مولاي عبد العزيز بأخيه مولاي حفيظ، لما له من كفاءة، طالبين من السفير أن تبلغوه لدولتكم المتحابة تبليغا رسميا، مفسرين أسباب لجوئهم لهذا الاختيار الذي يستهدف توقيف المحاولات الفرنسية في الحدود.

وقد أمضت هذه الرسالة المطولة، مجموعة من العلماء كل واحد يذكر اسمه: عبد الكبير الكتاني، وإدريس القادري، وعبد الجليل الوزاني، وعبد السلام الهواري، ومحمد العمراني، ومحمد الكتاني، والمكي الحسني، وعبد الرحمن بلقرشي، وعبد السلام الامراني، ومحمد كنون. كما أصبحت هذه الرسالة وثيقة تناقلتها أغلب الكتب الصادرة، ومن ضمنها كتاب تاريخ تطوان، للأستاذ داوود.

حقا أن الاستجابة الأمريكية كانت ثابتة وربما كان موحى بها للعلماء كي يكتبوا رسالتهم، حيث أرغموا الفرنسيين على إبعاد السلطان مولاي عبد العزيز عن عرشه، وتنصيب أخيه مولاي حفيظ محله.

وهنا يجب التوقف عند الإشكالية المغربية المتناقضة تجاه المواقف السياسية، فكما كتب العلماء إلى السفير الأمريكي يطالبونه بتنصيب سلطانهم مولاي حفيظ، الذي كان يعرف بسلطان الجهاد، والجهاد قريب من الإسلام، فإنهم سريعا ما عادوا للكتابة إليه وإلى السفير الفرنسي مطالبين بخلع السلطان مولاي حفيظ، تماما كما حصل لحزب العدالة والتنمية الذي فرض على مجلسه الوطني سحب الثقة من الزعيم المتألق عبد الإله بن كيران.

وإن كان المنطلق لهذا الاتجاه المتناقض، ارتكز على رسالة من والد زعيم ثورة الريف، القاضي عبد الكريم الخطابي، الذي كتب رسالة إلى القطب الكتاني الذي نشرها من بعد في كتابه، ويقول له فيها والد بطل الريف محمد بن عبد الكريم: ((إن السلطان مولاي حفيظ لم يقم بالواجب، ولم يدافع عن البلاد، ولم يقم بواجبه بالنسبة لداخل البلاد، ولم يعمل لتأسيس مجلس للأمة، إن عبد الحفيظ لم يعمل شيئا)) (مقدمة كتاب الشيخ الشهيد. الكتاني).

وكانت قد انتشرت في ذلك الزمان ظاهرة المعارض الصحراوي، الهبة ابن ماء العينين الذي احتل مراكش، فكان أول المستجيبين له العالم الكبير المختار السوسي الذي كتب: ((إن الفاتح مولاي إدريس دخل على السلطان الهيبة(…) في منامه وقال له أفق من النعاس لتنقذ البلاد)) (نفس المصدر).

لقد كانت المعاشرة بين السلطان الجديد مولاي عبد الحفيظ وحزب العلماء النافذين المتبنين للمعارضة، سمنا على عسل أياما معدودات، لولا أنه بحكم أن العلماء لا مخطط سياسي لهم، وسيكتشفون خبايا المخزن سواء في عهد مولاي عبد العزيز أو مولاي حفيظ، فالمخزن هو المتصرف(…) ويحرك الإنجليز الذين كانوا مهيمنين على مولاي عبد العزيز مراهنين عليه، ملف حقوق الإنسان، خصوصا بعد ترخيص السلطان الجديد مولاي حفيظ لجنوده بأن يعاقبوا قبيلة أولاد جامع، الذين اتهموهم باقتلاع عيون الرقاصة (المخبرين الحكوميين الذين يبلغون الأسرار والخبايا) لتتحول العملية إلى ما سمته الصحف البريطانية “فظائع المطا”، والتي رغم أن السلطان حفيظ رخص بها، فإنه بعد انتقاده من طرف مؤسسات حقوق الإنسان، أطلق معلقه الصحفي، وهو أسلوب كان في أيام مولاي حفيظ الذي اختار صحفيا مصريا، مبدعا في الكتابة، أحسن من المغاربة طبعا(…) اسمه علي زكي، الذي كان يشتغل في جريدة “السعادة”، والذي كتب موضوعا ثريا بالمعلومات، مليئا بالترهات، حول حادثة الهجوم على القبيلة التي كانت تقتلع عيون الجواسيس فيها مستنكرا حملة المنظمات الدولية لحقوق الإنسان حول المغرب: ((إن هذا الموضوع لم يثره إلا مكاتب التايمس الإنجليزية، وهو مشهور أنه ضدنا(…) وضد سلطاننا (مولاي حفيظ) مع أنه يوجد في فاس قناصل ومراسلو جرائد عديدة، الفرنسيون والألمان، والإسبانيون والطاليان، لم يكتبوا لجرائدهم أدنى حرف مما ذكر عن “المطا” وفظائعه)) (نفس المصدر).

لتستفحل هجمات الصحف البريطانية على مولاي حفيظ وتكتب أن الإنجليز غاضبون على سلوك هذا السلطان تجاه الإنجليز، الرافضين لوضعية حقوق الإنسان، الشيء الذي ألزم مولاي حفيظ أن يرد بنفسه بأنه لم يرتكب أية عقوبات في حق الثائر بوحمارة، لأنه حريص على خطة الإنسانية(…).

تصوروا السلطان يتبرأ من حربه على الثائر بوحمارة، الحرب التي شغلته عن كل شيء ((ها هو السلطان مولاي حفيظ يتبرأ من حربه ضد الثائر بوحمارة في تصريح للصحف البريطانية وهو ينشر في المغرب إعطاء جائزة 2000 دورو (2000 ريال) لمن يحضر له رأس بوحمارة مقطوعا و50.000 دورو لمن يحضر له بوحمارة حيا، ليعلق عليه الدبلوماسي الفرنسي سانت أولير: إن السلطان يخصص 48 ألف دورو ليفرح باعتقال عدوه وكأنه يقول أنا أمير المؤمنين أريد أن أفرح باعتقال بوحمارة)) (سانت أولير. مذكرات دبلوماسي).

ويجامل الإنجليز الذين كانوا بالتأكيد، خلف تمرد الانفصالي مولاي الزين في مكناس والذي شكل حكومة انفصالية عين فيها مجموعة من الحاصلين على الجنسية البريطانية، واختار منهم محمد مكوار الذي عين وزيرا للخارجية في الحكومة الانفصالية لمولاي الزين.

ربما أطلت قليلا عرض الحالة التي كان عليها المغرب في سنة 1900، والتي عرفت سلطانين، مولاي عبد العزيز ومولاي حفيظ، الذي نصب في 1904 ونفي في 1912 بدفع ورفض في حق السلطانين، من طرف علماء المغرب الذين كانوا يشكلون المعارضة في ذلك الزمان.

ولكن الدرس المستخلص يتجلى في تناقض هذه المعارضة التي بعد أن طلبت خلع السلطان الأول خاضت حربا مفتوحة ضد السلطان الثاني مولاي حفيظ، حيث حارت الدبلوماسية الأمريكية والفرنسية اللذين دعما مطالب المعارضة، ولم يفهما سر تناقضها، لدرجة أن السفير الفرنسي، “أوجين رينيو”، دعا إلى اجتماع مع أقطاب المعارضة، وحتى لا يصل الخبر إلى السلطان مولاي حفيظ، دعا إلى أن يكون اجتماعه في بيت أحد شعراء ذلك الزمان عبد الله القباج، حيث جاء السفير مرفوقا بترجمانه قدور بنغبريط، وحضور قاض مشهور بمصداقيته، محمد بن عبد السلام الروندة، وحضر زعيم المعارضة محمد الكتاني، وأخوه عبد الحي الكتاني ليسأل السفير المعارض الكتاني: ((ماذا يدفعك لإفساد الناس علينا وهذه رسائلك ضدنا، فهل ترى الحل في أن نعينك سلطانا، ويجيبه المعارض: لا، وإنما مستشارا لا يبرم أي شيء إلا باتفاقنا)) (الحركة الحفيظية. علال الخديمي).

السلطان مولاي حفيظ، كان في هذا المجال، أدهى، وعلم بخبر المقابلة، وبدل تعيين رئيس المعارضة مستشارا اعتقله هو وإخوته وعذبهم إلى أن مات زعيم المعارضة تحت الضرب.

لنعود بتاريخ المعارضة إلى سنة 1900، وتعود بنا حالتها إلى حالتنا في 2018، حيث المعارضة أكثر تفككا وتناقضا في مواجهة الواقع الذي لم يتغير، وفيما بين 1900 و2018، نمر بانتقام أخ الشهيد الكتاني، عبد الحي، الذي انتقم من مولاي حفيظ بدعم إبعاده عن العرش، ويتولى معارضة الملكية المغربية عبر نفي الملك محمد الخامس، نفيا كشفت جزئياته أن أقطاب المعارضة الجديدة من استقلاليين بزعامة المهدي بنبركة، الذي أعلن معارضته للنظام، على طريقة الكتانيين، ومحمد بن الحسن الوزاني زعيم حزب الشورى الذي كتب عنه المفاوض الفرنسي من أجل رجوع محمد الخامس: ((إن حزب الشورى يمكن اعتباره حزبا جمهوريا بعيدا عن الملك)) (إدغار فور. مذكرات).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!