في الأكشاك هذا الأسبوع

تحليل إخباري | كيف تسببت محاولة إسقاط النظام السعودي في إرباك الحسابات المغربية في الخليج؟..

الوجه الآخر لأزمة الخليج

إعداد: سعيد الريحاني

لم تجد الأزمة الخليجية بعد طريقها إلى الحل، لتتواصل الدعاية في وسائل الإعلام، بمنطقين مختلفين من حيث العنوان، ومتفقين من حيث جوهر الأزمة.. القطريون يقولون إنه “الحصار”، والسعودية ومن معها، يقولون إن الأمر يتعلق بـ “مقاطعة” فقط، ذلك أن الجزء الظاهر من الأزمة، تفجر السنة الماضية عندما أعلنت أربع دول خليجية، هي السعودية والبحرين والإمارات واليمن إضافة إلى مصر وحكومة شرق ليبيا، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر بسبب “تدخلها في الشؤون الداخلية ودعم الإرهاب”.

انقسام الصف الخليجي، فضلا عن كونه إعدام لفكرة “التعاون الخليجي” التي كانت ستتفوق على فكرة “الاتحاد الأوروبي”(..)، فرض على الدول المتعاملة مع السعودية وحلفائها، اتخاذ موقف من الأزمة، ليختار المغرب، إمساك العصا من الوسط، فـ ((في الوقت الذي كانت تتواصل فيه تداعيات قرار السعودية والإمارات والبحرين ودول عربية أخرى جراء قطع علاقاتها مع قطر، في أزمة غير مسبوقة يشهدها مجلس التعاون الخليجي، لفت الموقف المغربي من الأزمة، الأنظار، وطرح الكثير من التساؤلات، لأن المغرب المعروف بكونه من أهم الحلفاء الاستراتيجيين للسعودية، وكان يتوقع أن يصدر موقفا متماشيا مع موقف الرياض الحازم بخصوص قطر، في البداية، قررت الرباط التزام الحياد، ثم ما لبثت أن أعلنت إرسالها لطائرات محملة بالمساعدات لقطر لتعزيز إمداداتها بعد أن أغلق جيرانها المنافذ البرية والبحرية والجوية إليها)).. هكذا تحدث الإعلام الألماني على سبيل المثال (المصدر: قناة دوتشه فيليه الألمانية).

سواء تعلق الأمر بالمغرب، أو دول خليجية، فإن أزمة من هذا النوع، لا تهدد مستقبل العلاقات السياسية فقط بين البلدان المعنية، بل تهدد وجود هذه الدول، لذلك لا غرابة أن تسعى هذه “الأنظمة الملكية” إلى “الصلح” أولا رغم تعقد الحسابات، بين “شمال إفريقيا” الذي شهد سقوطا مدويا للنظام الليبي والنظام التونسي، وبين الخليج الذي شهد فصول حرب اليمن، و”عاصفة الحزم” التي قادتها السعودية ضد الحوثيين وشارك فيها المغرب بطائراته التي سقطت إحداها، ورغم أن التساؤل المطروح يقول لماذا سيزج المغرب بنفسه في حرب ضد الحوثيين في اليمن إلى جانب السعودية(..)؟ إلا أن الجواب بالمنطق العسكري، يفترض القول، أن الطائرات المغربية التي ساهمت في “إعادة الشرعية”، ستجد نفسها مدعومة بالطائرات السعودية، في حال قيام حرب حول “الشرعية” في الصحراء(..).

ولمعرفة أصل الأزمة في الخليج، لا ينبغي الاكتفاء بما وقع سنة 2017، بل يجب العودة إلى ما تمت الدعاية له من تسريبات، تؤكد ما اصطلح عليه إعلاميا بـ “مؤامرة الشيخ حمد ومعمر القذافي ضد النظام في السعودية”، وفي هذا الصدد، يمكن أن نقرأ ما كتبته قناة “سكاي نيوز”، نقلا عن جريدة “الشرق الأوسط “السعودية، ومئات المقالات الصحفية على غرارها، فقد ((سرد المستشار في الديوان الملكي السعودي والمشرف العام على مركز الدراسات والشؤون الإعلامية، سعود القحطاني، أحداث قصة تآمر الرئيس الليبي السابق معمر القذافي وأمير قطر السابق حمد بن خليفة، لاغتيال خادم الحرمين الشريفين، الملك عبد الله بن عبد العزيز. وتقول صحيفة “الشرق الأوسط” نقلا عن القحطاني، أن أحداث القصة بدأت عام 2003 خلال مؤتمر القمة العربية الذي أقيم في شرم الشيخ بمصر، عندما تطاول معمر القذافي على السعودية والملك فهد، فرد عليه الأمير عبد الله – ولي العهد آنذاك – بشدة، حيث أوضح برده القاسي تاريخ القذافي ودور الغرب بإيصاله للحكم، وقال كلمته التاريخية: “انت من جابك للحكم”؟ وتابع القحطاني بالقول: “جن جنون القذافي وتواصل مع المنشقين السعوديين، وخاصة المقيمين بلندن، فلم يتفاعلوا معه لاتفاقهم مع أمير قطر، حمد بن خليفة بالعمل لصالحه”، مردفا: “طلب القذافي منه مساعدته في الانتقام من الأمير عبد الله وأبدى حمد استعداده لذلك، فاتفقا على عقد اجتماع بين مخابرات الدولتين بالدوحة”، وبحسب القحطاني، فإن ممثل القذافي في الاجتماع، كان العقيد محمد إسماعيل، الذي أكد للقطريين، أن أي تعاون لا يهدف إلى اغتيال الأمير عبد الله، مرفوض تماما”)) (المصدر: “سكاي نيوز”: 16 يونيو 2017).

هكذا إذن، بدأ الخلاف بين السعودية وقطر، ليبلغ أوجه بعد ردة الفعل السعودية(..)، بإعلان أمير دولة قطر السابق، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، يوم 24 يونيو 2013، قراره بنقل مقاليد السلطة لنجله ولي العهد آنذاك، الشيخ تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني، وهو قرار يؤكد التراجع القطري(..).

((لكم العالم ولنا تميم)).. هكذا يتحدث القطريون، وهكذا تتحدث قناة “الجزيرة”، لكنهم يفضلون “الحصار” وتفضل دولتهم عدم القبول بشروط التحالف الذي تقوده السعودية، رغم أن الأزمة، كان من الممكن أن تنتهي لو أن قطر قبلت بشروط جيرانها في الخليج، ولربما كان بالإمكان احتواء الأزمة داخل مجلس التعاون الخليجي(..)، وقد اختصر الإعلام السعودي قائمة مطالب الدول المقاطعة لقطر في 13 مطلبا، تم بعثها إلى قطر بشكل سري، في إطار الحوار الدبلوماسي(..)، لكن الدعاية للمطالب في وسائل الإعلام، ساهمت في تحريف النقاش، وفي توفير حطب الأزمة.

و((وفقا لتسريبات صحافية، فإن أحد أهم المطالب الموجودة على القائمة، وقف التحريض الإعلامي القطري، هذا الإعلام الذي وجهته قطر لمهاجمة دول الجوار، ولم ينفك عن دعم الشخصيات الإرهابية وتوفير غطاء إعلامي لها، استطاعت من خلاله بث خطابات مناهضة لهذه الدول، كما شملت قائمة المطالب التي أرسلتها كل من السعودية ومصر والإمارات والبحرين إلى قطر عبر الكويت، تخفيض التمثيل الدبلوماسي بين الدوحة وطهران إسوة بجيرانها، ذلك أن إيران لم تتوقف عن دعم الميليشيات الموالية لها في هذه الدول التي سعت إلى تنفيذ أعمال تخريبية، كما أن تسليم الإرهابيين والمطلوبين الذين تحتضنهم الدولة، وتجميد أرصدتهم المالية، جاءت على رأس قائمة هذه المطالبات، إلى جانب إغلاق القاعدة العسكرية التركية)).

الشروط المروج لها كأساس للمقاطعة أو الحصار، تبقى بنودا غير معلنة بشكل رسمي، إلى حد الآن(..)، ومع ذلك يطرح سؤال، لماذا لم توافق قطر على الأقل على مناقشة “الخط التحريري” لقناة “الجزيرة”؟ أليست هذه القناة، هي التي وفرت الغطاء الإعلامي، لما سمي بـ “الربيع العربي” تحت عنوان الثورة، بينما الأمر يتعلق بـ “انقلابات مدنية” مدبرة باستغلال الحشود الهائجة(..)؟ ألم يكن الربيع العربي، مجرد وسيلة لتدمير البلدان؟ ولازالت نفس الفكرة تراود المراكز المحدثة للفوضى في العالم(..)، والتي لا تهمها السعودية ولا قطر ولا المغرب، بقدر ما يهمها توفير الغطاء لصناعة مخيمات اللاجئين والمتاجرة في الأزمات(..).

حسابات المغرب في الخليج، تمر بالضرورة عبر الحسابات الداخلية، حيث يوجد على رأس الحكومة، حركة دعوية، اسمها “التوحيد والإصلاح”، ورغم الادعاء بوجود فصل بين الدعوي والسياسي، فإن الممارسة، أكدت توجه الحزب نحو معارضة حسابات الدولة، في قضية “تنصيب الرئيس السيسي”، وأيضا في ما يتعلق بتبادل الاتهامات مع شخصيات إماراتية على سبيل المثال، وتحميلها مسؤولية استهداف الحزب داخليا(..).

لحسن الحظ، أن وجود حزب العدالة والتنمية، لم يساهم في إفساد العلاقة حتى الآن بين الإمارات العربية المتحدة والمغرب، والسبب هو العلاقات التاريخية للمملكة مع دولة الإمارات، بل حتى الإماراتيين، يحكون عن الراحل الشيخ زايد، كيف جمع أولاده ليوصيهم خيرا بدولة المغرب، ولعل الكثير من المتتبعين، قد نسوا قصة حاكم أبو ظبي، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، الذي شارك في المسيرة الخضراء سنة 1975، وربما لا يعلم كثير من الناس، أنه درس في المدرسة المولوية، حيث يتم تدريس التقاليد الملكية، وكان الراحل الشيخ زايد، قد اختار المغرب لتدريس ابنه، نظرا للصداقة التي تجمعه بالملك الراحل الحسن الثاني، ونظرا لصرامة هذا الأخير في تعليم أبنائه(..).

العلاقات المتميزة بين المغرب والإمارات على سبيل المثال، وعلاقاته المتميزة الموروثة من عهد الحسن الثاني مع سلطنة عمان الخليجية، كلها عوامل جعلت الحسابات المغربية في الخليج، أمام امتحان جديد، رغم أن مسألة انضمام المغرب إلى مجلس التعاون الخليجي لم تعد مطروحة، شأنها شأن المساعدات التي كانت متوقعة، ولكن الحسابات أصبحت معقدة أكثر، بعد إثارة مشكلة الحسابات البنكية الكبرى عقب قضية “اعتقال أمراء في السعودية” في قضايا تتعلق بالفساد، مع صعود نجم ولي العهد الجديد، محمد بن سلمان، الذي يسعى لإعادة بناء أسس النظام الملكي في السعودية بشروط جديدة تضمن استمرار الحكم، وتضمن استمرار النظام في منطقة الشرق الأوسط.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!