في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | الديكتاتورية تواكب الذين يطالبون الصحف بالملايير

بقلم: مصطفى العلوي

أخطر ما في عهود الاستقرار المنطلق من الانشغال الفوضوي(…) الغير مراقب، هو أنها تحول التربة الوطنية إلى منابت لظهور شوكة الديكتاتورية، وتربط الممارسة الديمقراطية التي تأتي عن طريق سهلة(…) بممارسات وقرارات لا ديمقراطية، غالبا ما تكون سببا في تغيير النظام(…).

منذ أيام قليلة، توسع البحث في البرلمان إلى موضوع التعذيب أثناء مناقشة القوانين المرتبطة بحقوق الإنسان.

وقد تدخل الكثيرون، في تحليل تبرئة الدولة من كل نوايا التعذيب، دون أن يتحلى أي متدخل بميزة التصريح بالأمر الواقع، من هو الذي يمارس التعذيب.

لقد تجاوز المغرب رويدا رويدا بعد الاستقلال، أيام التعذيب الذي يأمر به الباشا والمقدم، وارتبط عهد الاستقلال بالجنرال أوفقير ثم وزارة الداخلية التي أسست وسائل التعذيب، أولا في دار المقري، التي أعتبر واحدا من قدمائها، ثم تازمامرت التي أقفلت، ليفتح سوق التعذيب في بعض السجون، حيث يدفع الكثير من المسجونين ثمن الاستقرار، ومقابلا لتفادي التنكيل.

أما التعذيب الذي بقي يشغل الرأي العالم العالمي بالممارسات المغربية المخالفة للقانون، فهو التعذيب على مستوى بعض الكوميساريات، ولا ننسى أن ترجمة الكوميسير في المغرب تبقى في بعض الحالات مرتبطة بالديكتاتور الحاكم في كل كوميسارية.

إلا أن أخطر أنواع الديكتاتوريات هو هذا الذي يساور بعض الذين تنسيهم مهامهم أنهم هناك لوقت معين ومحدد، فتتسرب إلى عقولهم الأفكار الديكتاتورية التي تطفو على قراراتهم التي يربطها الزمن الفاسد بأقلامهم، من ذلك، القرار الذي أصدره أحد المأجورين من الشركات التي نصبت الرادارات لمراقبة السيارات، وقد نشرت أخبار كثيرة بأن الحكومة اكتشفت أن تلك الرادارات أغلبها فاسدة، وحتى تستطيع الشركات الكبرى التي تبيع الرادارات للمغرب، بيع المزيد لامتصاص ميزانية الدولة دفعوا(…) لمديري ومخططي العقوبات، بأن يربطوا مخالفة السير المسجلة في الرادار بالسجن.

وهذا أبشع أنواع الديكتاتوريات، وحمدا لله على أن المسؤول القضائي الرئيسي الجديد، في المغرب، أوقف هذه الممارسات وربط اعتقال مخالف السير بالحكم والاستيناف، واحترام جزئيات التنفيذ.

نموذج آخر من نماذج الديكتاتورية القبيحة، تمثل في الإعلان عن رفع دعوى من طرف وزيرين ثريين في حكومة رئيس الحكومة الفقير، العثماني، وأكتب الفقير مقارنة مع قرار الحسن الثاني بإسناد رئاسة الحكومة ثلاث أو أربع مرات لأغنى رجل في المغرب، كريم العمراني، في زمن كان فيه ملك البلاد، يتصور أن رئيس الحكومة يمكن أن يحل المشاكل المالية من جيبه، وهو تقليد مخزني قديم، يرجع إلى واحد من واضعي أسس المخزنية المغربية، وزير الخارجية في عهد ما قبل الحماية، عبد الكريم بنسليمان، الذي نقلت عنه كل المؤلفات التي واكبت عهد استقرار الحماية في المغرب أنه قال عندما سئل عن أسباب ارتفاع ديون المغرب الشيء الذي أدى إلى احتلال المغرب، فقال: إن مفتاحا من الذهب يفتح كل الأبواب.

ليبقى رئيس الحكومة الحالية العثماني، فارغ الأيدي من المفاتيح الذهبية، رغم أنه يعيش تجربة مهامه المؤقتة(…) فلا حاجة به إلى مفاتيح ذهبية، وسيبقى فقيرا رغم تحويطه في حكومته بالوزراء المثقلين بالذهب، خصوصا عندما نرى مستقبله مرتبطا بتحالفه مع وزير من أغنى الأغنياء في العالم، ووزير المالية، في أعقابه على طريق الغنى، ووزير التجارة من أغنى الأغنياء، وكلهم في حزب واحد. الحزب الذي يخطط لكسب انتخابات 2021، إن شاء الله.. ويعلن في مقالاته أنه بصريح العبارة يخطط لإسقاط هذه الحكومة، واللي يحسب وحدو.. يشيطلو.

وهذا ليس هو المهم، المهم أن وزيرين ثريين ممن يخططون لكسب الانتخابات القادمة، كتبت عنهما إحدى الصحف، انتقادا عاديا، فقررا تربيتها وتأديبها بواسطة القضاء، الذي طلبا منه أن يحكم على تلك الصحيفة، أن يحكم عليها في انتظار تسلم زمام الحكم، الذي ربما يعني بالنسبة لهما أنهما عندما يحققان مخططهما فإنهما بدل أن يطلبا من القضاء، سيصدران إليه أوامرهما، بدءا بمطالبة هذا القضاء بالحكم على تلك الصحيفة بذعيرة مليار.

الوزيران المحترمان اللذان نسيا أنهما يعيشان في المغرب، وحتى إذا كانا يعيشان في العالم، فإن الصحيفة ليست معملا ولا مؤسسة تجارية، خصوصا وأن القانون المنظم للصحافة يحدد عقوباته في أعلاها في عشرة ملايين، وليس المليار الذي طالب به الوزيران المحترمان، إلا برهانا قاطعا على أن رافعي الدعوى، مغلوبان على أمرهما، بالدوافع الداخلية للعامل الديكتاتوري، لأنهما يتصوران، أن القضاة الذين أسند إليهم النظر في هذه الدعوى سيحكمون لهما بما أمرا(…).

الشيء الذي لم يحصل، وحكمت جنائية الدار البيضاء عوض المليارات بـ480 ألف درهم، ثلاثين ألف ذعيرة، والباقي غرامة للمشتكيين اللذين طلبا مليار، المليار الذي لو حكم به في قضية تجارية من شركات واحد من الوزيرين المشتكيين لأعلن الإفلاس.

وقد يعتبر القراء أن هذه الصفعة القضائية ضربت الصفقة الحكومية في الصميم، من جهة لأن الرأي العام الوطني لا يرحم، ومن جهة أخرى نتيجة لتحول إيجابي في القضاء المغربي، رغم أن الوزير الجديد في القضاء ينتمي لحزب الوزيرين، فإن الأمر كذلك، خصوصا مقارنة مع سابقة القضاء المتعفن(…) كما كان حاله سابقا، في بعض الحالات، ومقارنة مع قرار نفس المحكمة الجنائية في الدار البيضاء، والتي سبق لها أن توصلت منذ سنوات، بشكاية من بنهيمة رئيس الخطوط الملكية عندما واجه انتقاد صحيفة له، بمطالبة الجريدة بغرامة مائة مليون، فحكمت له المحكمة بعشرين مليون، وذلك بعدما سمع الصحفيون ونشروا أن أحد القضاة حصل على تذاكر للسفر إلى العمرة. هذا هو الفساد الديكتاتوري في العمل الصحفي، ويبقى التعفن القضائي مظهرا من مظاهر الديكتاتورية، بارزا في القرار الذي أصدره أحد القضاة فيما بعد، بتنفيذ هذا الحكم، رغم أنه لم يتم تبليغه لإدارة الجريدة، ويكتب هذا القاضي: وحيث أن عون تبليغ لاستدعاء لم يعثر على مقر الجريدة، فإننا نعتبر الحكم مبلغا.

ترى لماذا بقي لبنهيمة هذا، غير المتابعة الزمنية، حيث نشرت الصحف مؤخرا أن إبعاده من رئاسة الخطوط الجوية كان بسبب كلب، سمح بإركابه في الدرجة الأولى، لإرضاء بعض الناس المهمين، لكن شكاية راكب هام جعل بنهيمة يُعَاقب بتوقيفه عن العمل.

حقيقة أن مظاهر الديكتاتورية التي تمارس في عهود الديمقراطية هي أبشع وأخبث، ومرتكبو هذه الممارسات، تراهم مراهنين على الهيمنة على حكم البلاد، لنبقى مرتعشين خوفا من المستقبل الذي سيمسكون فيه بزمام الأمور، ويعينون وقتها وزيرا للعدل يحكم على كل صحيفة بمليار.

واقع يذكرنا بالدولة التي كان يحكمها “شاوسيسكو” الروماني بهذه العقلية، عقلية قدماء القياد المغاربة، والباشوات، وحتى السلاطين الذين كانوا في داخل قصورهم يستعملون عبيد العافية، وكانت الوسيلة الوحيدة لتنفيذ القوانين تسمى المسويطة، لكن “شاوسيسكو” هذا في أحد الأيام، جروه إلى ملعب للكرة وكتفوه وأطلقوا عليه مئات الرصاصات وهو يصيح أنه كان من أقوى رؤساء العالم.

خوفنا على مستقبل المغرب، منطلق من فراغ الماضي السياسي لمن وصلوا هذه الأيام إلى سدة الحكم، دون تكوين سابق، ولا تجارب سابقة، ولا يمكن لمن ولد في أحضان الحرير العائلي أن يتذوق طعم البرد الذي لا يعرفه، ولا يمكن لمن لم يعان من السجن ونظائره من مصاعب الحياة، أن يصدر أمرا بسجن كل من يخالف قانون السير، اللهم إلا إذا كان القدر هو الذي سيتولى معاقبتهم ويرميهم في أطراف السجون، ليتذوقوا طعم هذا العقاب الذي يخططون له. وتبقى العظمة مرتبطة بتجربة الملك الحسن الثاني الذي كان يسبق الأحداث، ويتفادى الكوارث ولو على حساب نظامه الملكي الذي أقامه وبقي ليلا ونهارا يحرسه خوفا من المفاجئات، لأنه كان يعرف أنه إما أن يهتم بوطنه ويرعاه، أو أنه سيتركه ويبعد عنه.

وهكذا قال في إحدى خطبه أمام طلبة المدرسة الحسنية: ((أرى شخصيا، أن أحسن نظام لتسيير شؤون المسلمين هو إما النظام الملكي الدستوري.. وإما النظام الجمهوري البرلماني، المبني على الديمقراطية الحقة)) (خطاب فاس. 11 غشت 1978).

لأنه في الديمقراطية الحقة لا مكان لوزراء يستغلون مواقعهم المؤقتة، لإصدار القرارات الاستثنائية التي تتناقض مع الممارسات الديمقراطية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!