في الأكشاك هذا الأسبوع

مـمـنـوع نـشـر الـملابـس والـبـرابـولات.. غرامة تنتظرنا تحت العمارة

عبد الله ملول. الأسبوع

في هذا الزمن الذي لا يشبه إلا نفسه، نشرت التصاميم الزرقاء من الورق المقوى على الطاولات وسط الأوراش وبين عمال البناء الذين تنبعث من عرقهم رائحة السردين والزيتون الأسود، ثم جاء المد الإسمنتي لتنبت من الركام هنا وهناك، عمارات وشقق تضيق ولا تتسع دون مراعاة خصوصيات المجتمع المغربي، تسكنها أصناف بشرية مختلفة العقليات والسلوكيات، تتساكن ولا تتجاور، بل تتعايش مكرهة مع بعضها البعض بين جدران شفافة، لا تكاد تحجب ما بداخلها، وأول ما يسترعي انتباهنا، هو مظهر العمارة الخارجي، فأغلبية الشرفات والنوافذ تطل منها الصحون المقعرة أو (البارابول) خلف مختلف أصناف الأسرة المصنعة من “البونج” متجهة برؤوسها نحو الشمس تماما كنبات عباد الشمس، وبجوارها ثياب منشورة كالمقالات تدلك أحجامها على الهرم السكاني لساكن الشقة، وأغطية عصرية وتقليدية منها المستعملة ومنها التي ظلت مطوية، واليوم، استفاق سكان العمارات على صوت مخالفة جديدة جالسة تحت الشرفات أو (البالكونات)، تصيح بأعلى صوتها وأصابعها متجهة نحو الغسيل والبارابول، فبالأمس القريب، فرضوا علينا غرامات مالية متتالية تبعتنا جريا إلى السوق كي تضبطنا متلبسين بحمل أكياس البلاستيك، ومع ذلك، تمكننا من الفرار لقطع المسافة الفاصلة بين قمة المناخ واليوم عبر المرور بالشوارع، وعندما توقفنا لأخذ أنفاسنا، لحقت بنا غرامة مالية جديدة أوقفتنا فوق الرصيف، بحجة عدم المرور فوق ممرات للراجلين غير موجودة أصلا، وبعدها قلنا الحمد لله، لقد انتهى الكلام، فلنعد إلى  العمارة للاحتماء من مخالفة أخرى، فوجدنا الغرامة واقفة تحت شرفات وبالكونات عمارات السكن الاقتصادي، تنظر تارة بدون حياء إلى ملابسنا الداخلية المنشورة على “السلك” بحكم أننا لم نغير سلوكنا، وتشير تارة أخرى بأصابعها المالية إلى مختلف أحجام وألوان الصحون المقعرة أو (البارابولات)، فقلنا أين المفر، لقد فتح دفتر التحملات من جديد ما دام المرسوم الوزاري قد تم نشره هو أيضا في الجريدة الرسمية عدد 6635 لفاتح يناير 2018، وبحسب المنشور المذكور، لا يجوز القيام بأي عمل من أعمال التنظيف المنزلي، مثل تمشيط ونفض الزرابي في الشرفات والنوافذ، وصرف المياه الناتجة عن التنظيف من خلالها، وأيضا منع  تمشيط ونفض الزرابي وباقي الأفرشة والأثاث المنزلي في الدرج والممرات والأبهية، وذلك من أجل الحفاظ على المنظر العام لواجهات العمارات السكنية دون البحث عن أسباب انتشار هذه العادات السيئة، أو العمل على إعادة النظر في سياسة السكنى والمدينة والتخطيط العمراني الملائم لخصوصيات الأسرة المغربية متوسطة الدخل، مع العلم أن المسؤولية اليوم كما الأمس، هي مشتركة بين المنعشين العقاريين والمهندسين المعماريين من جهة، وبين المشرفين على تصاميم التهيئة وأجهزة المراقبة من جهة أخرى، فأصبحنا أمام منتوج سكني عصري غير ملائم لعاداتنا وتقاليدنا، سكن لا تتوفر فيه الغرف والشرفات على مجاري لصرف المياه بطريقة باطنية ونحن قوم لا نتخلى أبدا عن الاستعمال المتكرر للماء لتنظيف مساكننا أو ما نسميه (التسياق أو العواشر)، مما يجعلنا ندفع الماء غير النظيف كي يصل إلى المنفذ الوحيد في شرفات المنازل، فيندفع إلى الخارج بدون استئذان عبر أنبوب بلاستيكي ليسقي البلاد والعباد، إذاك، نأخذ نصيبنا من السب والدعاء، ولا نجرؤ على الإطلالة اعترافا منا بالذنب، عمارات لا تتوفر لا على سطوح معدة لنشر الغسيل بأمان، ولا وجود لأماكن مخصصة لزرع الصحون وتنزيل الخيوط البيضاء الحاملة للصوت والصورة إلى داخل الغرف، بل ويستحيل أن تجد أماكن خاصة بتعليق أضاحي العيد وتوفير مياه للتنظيف، مساكن اقتصادية إذا مات الإنسان داخلها، يطرح السؤال من خلال العيون الباكية، أين سيغسل الميت؟ وكيف سنخرج ماء الغسل؟ وكيف ستخرجون الجنازة أصلا من الباب وتنزلوها عبر المنعرجات (الدروج) الضيقة؟ والجواب هو: “اللهم قنا عذاب الخروج من العمارة قبل عذاب القبر”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!