في الأكشاك هذا الأسبوع

الإدمان الرقمي.. ” مخدرات” بلا حقن أو حبوب

عبد الله النملي. الأسبوع

نعيش اليوم في عصر الثورة التكنولوجية، حيث أصبح الأنترنيت اختراع العصر بلا منازع، والخدمة الأكثر طلبا وتوسعا في العالم، وبحسب آخر الإحصائيات، فإن هناك حوالي 3 ملايير و700 مليون مستخدم للشبكة العنكبوتية في العالم. وقد لعبت مواقع التواصل الاجتماعي، الدور الأكبر في هذا التوسع، حيث يوجد تقريبا، ملياران و700 مليون ناشط شهري على منصات التواصل الاجتماعي، ويعد “الفايسبوك”، من أكبر مواقع التواصل على شبكة الأنترنيت، حيث قفز للمرتبة الأولى عالميا من حيث عدد الزوار والأعضاء، وانضم إليه الأشخاص على اختلاف أعمارهم وأجناسهم وجنسياتهم، لما وجدوا فيه من مقدرة كبيرة على التواصل، وخلق علاقات كانت مستحيلة في الزمن الماضي، وإحياء علاقات كانت ميتة بين أصدقاء أو أقارب تفصل بينهم آلاف الكيلومترات.

وفي عالمنا العربي، أصبح “الفايسبوك” الموقع الأكثر شهرة، ووصل عدد المشتركين فيه إلى أزيد من 100 مليون شخص، وجاء “تويتر” في المركز الثاني بعدد مستخدمين يقدر بـ 50 مليون شخص، وتصدرت فئة الشباب التي تتراوح أعمارهم بين 15 و35 عاما، قائمة المستخدمين لتصل إلى 70% من إجمالي رواد هذه المواقع في العالم العربي.

وكشفت الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات بالمغرب، أن حظيرة مشتركي الأنترنيت، بلغت مع نهاية الفصل الثالث من سنة 2017، ما مجموعه 22.56 مليون مشترك، بنمو سنوي يقدر بـ 33.34 بالمائة، وفي تقرير لوزارة الاتصال المغربية، ذكرت الوزارة، أن عدد مستخدمي “الفايسبوك” في سنة 2015، تجاوز 11 مليون مستخدم نشيط، وأشار التقرير إلى أن عدد مستخدمي “تويتر” في المغرب، لا يتجاوز 100 ألف شخص.

إن مواقع التواصل الاجتماعي تستخدم للخير وللشر، حالها حال كثير من الأجهزة الأخرى، فاستخداماتها تابعة لنيات المستخدم، فهي نعمة إذا أُحسن استخدامها، ومصدرا لشر عظيم، لمن أصر على سوء استخدامها، وفي دراسة نشرت في صحيفة “التلغراف” البريطانية بتاريخ 1 فبراير 2012، بعنوان “الفايسبوك والتويتر أكثر إدمانا من التبغ والكحول”، تحدثت الصحيفة عن الرغبات اليومية لكل شخص، ووجدت بأنه من الصعوبة، مقاومة رغبة البقاء متصلا (أونلاين) على شبكات التواصل الاجتماعي، بل إن مستوى الرغبة في هذا البقاء، كانت ذات درجات أعلى من الرغبات المتعلقة بشرب الكحول والسجائر، وأوضحت الدراسة التي أجريت على 1000 طالب في 12 جامعة من 10 بلدان مختلفة، أن أربعة طلاب من أصل خمسة، أصيبوا بحالات من الذعر والقلق والارتباك والإحساس بالعزلة الشديدة، حينما تم قطع وسائل الاتصال الحديثة عنهم، كالهاتف النقال، وموقعي التواصل الاجتماعي “الفايسبوك” و”التويتر”.

شباب اليوم، لا يستغنون عن مواقع التواصل الاجتماعي، والكثير منهم ينسى وقته ومواعيد يومه أثناء الجلوس على الأنترنيت، ودون عمل أي توازن بين الضروريات وغيرها، بل أصبح الكثير منهم في حالة إدمان، ولا يستطيعون أن يحتملوا يومهم بدونه، والخطير، هو حجم التأثير الكبير الذي أحدثته هذه الوسائل الحديثة في مستوى الثقافة والسلوك والأخلاق، ورفض المشاركة في الأنشطة الأسرية الهامة أو الخاصة بالمجتمع المحيط، أما الأثار الاجتماعية، فتكمن في الخلافات مع الآخرين، لأن التعبير الكتابي أضعف من التعبير الكلامي، إذ أنه قبل “الفايسبوك”، كان الناس يتحدثون عن أفكارهم وآمالهم إلى أقرب المقربين، أما الآن، فبعض الأشخاص يهرع إلى صفحة “الفايسبوك” ما إن يحدث معه شيء، فإذا تخاصم مع البقال كتبها على “الفايسبوك”، وإذا نال ترقية، كتبها على “الفايسبوك”، وإذا ولدت زوجته، كتب اسم المولود ووزنه على صفحة “الفايسبوك”، وهذا معناه، أن السر الدفين صار مملوكا للأصدقاء على “الفايسبوك”، ولعل كثرة الدخول تجعل البعض لا يستطيع تكوين علاقات وصداقات في العالم الواقعي، فتراه كثير الأصدقاء على “الفايسبوك”، ولا صديق له في العالم الواقعي، حيث صار الكثيرون يكتفون بأخبار الصديق عبر “الفايسبوك” عوض الاتصال به والسؤال عن حاله.

يحب الرجل العربي “الفايسبوك”، ويقضي معه غالبا أكثر مما يقضيه مع أسرته، ويقابل من خلاله أصدقاء افتراضيين يحبهم غالبا أكثر من أصدقائه الحقيقيين، ويضحك وهو يشاهد الصور والفيديوهات المنشورة عبره أكثر مما يضحك في يومه العادي، وهكذا يقضي معظم وقته في العمل، ولا يؤدي المطلوب منه بشكل جيد، ويؤدي ذلك إلى ضعف الترابط العائلي وضمور العلاقات الاجتماعية، إذ أصبح الإنسان معزولا عن الواقع داخل غرفته، كل ما يريده، هو الجلوس أمام “الفايسبوك”، ولذلك أصبحت الأسر مفككة منعزلة عن بعضها، وكل شخص بالأسرة، لديه اهتماماته الخاصة به، ولا يهتم أحد بالآخر، نتيجة تقليص الشخص من الأوقات التي اعتاد أن يقضيها مع أسرته، كما يغدو أكثر فأكثر مهملا لواجباته الأسرية والمنزلية، مما يؤدي إلى إثارة أفراد الأسرة ضده، وقد يؤدي الاستخدام المفرط لهذه المواقع، إلى أن يصبح الإنسان معاديا للتواصل الاجتماعي نفسه، وإلى روابط أقل في الحياة الحقيقية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!