المنبر الحر

الـنـفـايـات مـصـدر عـيـش المـئـات

عبد الله ملول. الأسبوع 

تعتبر صناديق النفايات المنزلية، وأيضا المطارح البلدية، مصدرا أساسيا للمواد الأولية الضرورية للصناعات التحويلية، ومصدرا للرزق بالنسبة للآلاف ممن عضهم الدهر بأنياب البطالة وأضراس الفقر وأظافر الحرمان الاجتماعي والمادي، فاضطروا للعيش من مداخيل القمامة ومجاورة الروائح الكريهة لجمع مصاريف الإيجار ونفقات الماء والكهرباء، ومصروف المعيشة الصعبة، ويتعلق الأمر بأشخاص محبطين في واقعهم وأحلامهم وهواجسهم ونظرتهم لذواتهم، يمتهنون حرفة النبش في صناديق جمع الأزبال المنزلية، ويطلق الناس عليهم أسماء من قبيل: “النبّاشة” أو “الميخالة” أو “الهبّاشة” أو “البوعارة”، وهذه النعوت كما تلاحظون، جمع من المذكر السالم، يجرون عربات يدوية لنقل ما يفتشون عنه من بقايا بلاستيكية ومعدنية (الكانيط) وزجاجية، أو قنينات ومواد ورقية وكارطونية وقطع حديدية، وحتى كسرة خبز يابس، إضافة إلى المكونات الداخلية للحواسيب وبعض الأجهزة الإلكترونية التي تحتوي على نسب قليلة من المعادن الثمينة  كالذهب والزئبق والفولاذ، إلى جانب مواد أخرى كالنحاس والرصاص والفضة، أي كل ما هو صالح للبيع لشركات متخصصة في إعادة تدوير النفايات، وتحويل المواد “المنبوشة” وإعادة تصنيعها، وهذه الشركات تعمل مع حلقات وسيطة، بحيث يبيع الوسيط للشركة مثلا المواد البلاستيكية بحوالي درهمين للكيلوغرام الواحد، والمواد الكارطونية بثمانين سنتيما للكيلو الواحد، بعدما اشترى هذه المخلفات المنزلية من “النبّاشة” بأقل من ذلك، كغيره من الوسطاء الذين يفرضون عليهم أسعارا محددة، ورغم هزالة المدخول اليومي وكثرة عدد “النبّاشة”، فهم يواصلون حشر أنوفهم كل يوم ودسها في القمامة للتفتيش بدون قفازات، وسط روائح كريهة، ومناظر مقززة في قمامات مليئة بالميكروبات والجراثيم الخطيرة نتيجة تحلل المواد العضوية، بل ومنهم من يتناول وجباته اليومية مما تجود به هذه النفايات من فضلات أمام أنظار القطط التي ترمق بشغف لتلك النفايات بعيون عسلية حزينة، لأنها وقعت ضحية مخلوقات منافسة عرفت كيف تغوص في مستنقعات النفايات وتحاول حماية اليد من التعرض للجروح باستعمال عصا أو سلك معدني أو “غانجو” لتحريك الأزبال الراكدة، ونبش الأكياس البلاستيكية داخل وخارج الحاويات، حتى أصبحت النفايات التي تتركها لجان التفتيش بجنبات صناديق القمامة، عبارة عن أكوام من المخلفات المنزلية الغير مرغوب فيها من طرف “النباشة” ماثلة للعيان، وشاهدة على الفعل، ودليلا على نهاية عمليات التفتيش، ومع ذلك يتعرض الكثير منهم لحوادث متنوعة، نتيجة وجود أجسام حادة وملوثة.

وعند نهاية السير والجولان، غالبا ما يقوم بعضهم بتغطية العربات المجرورة بستائر ملونة من البلاستيك أو الورق المقوى، كي تصبح سقفا لسرير خشن متنقل ينام فيه “النبّاش” تحت بريق آلاف النجوم وهو يفكر في أسرة أغلى الفنادق المصنفة، ويفكر في اختلاف النفايات المنزلية من حيث المكونات والكمية من دولة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى آخر، بل ومن منزل إلى آخر، حسب الكثافة السكانية ودرجة الوعي الاجتماعي والبيئي، وحسب نمط الاستهلاك وعادات وتقاليد التجمعات السكانية، وحسب الموقع الاجتماعي والجغرافي للساكنة، فنفايات الأحياء الراقية قليلة الكم والحجم، وأغلبها من نوع خاص لا يشبه أنواع النفايات في باقي الأحياء، ومع ذلك، تجود بمستخرجات ثمينة كالأجهزة المنزلية ولعب الأطفال والملابس المستعملة الجديدة، بجانب فضلات المأكولات الخفيفة والمشروبات المعلبة، أما الحاويات الموجودة في محيط المطاعم، فتكون غنية بالملاعق وبمختلف بقايا الأطعمة المقلية والمشوية المحفوظة في علب البلاستيك الشفافة، يتهافت عليها الصغار الذين تعلموا حرفة النبش في النفايات حتى أصبح شعارهم هو: “النبش في الصغر كالنقش على الحجر”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق