في الأكشاك هذا الأسبوع
أمقران المحكوم بالإعدام في محاولة انقلاب أوفقير، جاءت زوجته لتطرح ملفه على هيئة "الإنصاف والمصالحة" بعد حصولها على حكم لصالحها من المحكمة الأوروبية

خاص | أسرار الحوار بين الحقوقيين والعسكريين ومحاولة انقلاب أوفقير وإعدام العقيد أمقران في مذكرات “الإنصاف والمصالحة”

حقوقيان أمام سؤال: هل كانت تجربة العدالة الانتقالية “مسرحية” أفتى بها النظام السياسي؟

إعداد: سعيد الريحاني

   “السيدة روز ماري هيل، زوجة العقيد محمد أمقران، ألمانية الجنسية، بعد مرور خمس وثلاثين سنة، على محاولة الانقلاب التي شارك فيها زوجها، يوم 16 غشت 1972، زارت المغرب لتقديم طلباتها للجنة تنفيذ توصيات هيئة “الإنصاف والمصالحة”، وللتذكير، فزوجها محمد أمقران، كان يشغل منصب قائد القاعدة الجوية العسكرية التابعة للقوات المسلحة الملكية المغربية في مدينة القنيطرة، وقد تمت ترقيته من طرف الجنرال محمد أوفقير، وزير الدفاع، صبيحة يوم 16 غشت 1972، أي يوم تنفيذ عملية الانقلاب، إلى منصب الرجل الثاني في الجيش المغربي، كقائد للقوات الجوية بالنيابة، وفي نفس اليوم، تم تعيين المقدم، الوافي الكويرة على رأس القاعدة الجوية في مدينة القنيطرة”.

   السيدة روز ماري، واحدة من بين النساء اللواتي طرقن أبواب هيئة “الإنصاف والمصالحة”، حسب ما تم تأكيده مؤخرا، في كتاب (الفقرة مقتطفة من الكتاب) وقعه عضوان من أعضاء هيئة “الإنصاف والمصالحة”، امبارك بودرقة وأحمد شوقي بنيوب، خلقا الحدث خلال الفترة الأخيرة، من خلال إصدار كتاب تحت عنوان: “كذلك كان”، يوثق لبعض مراحل عمل هيئة “الإنصاف والمصالحة”، التي لازال عدد من أسرارها ملغوما، حيث لا يمكن للمغاربة إلى حدود اليوم الولوج إلى أرشيفها(..)، ولا يمكن لأي أحد أن يقدم رقما مضبوطا عن تكلفة التعويضات التي حصل عليها الضحايا ولوائحهم(..).

   يحكي أصحاب الكتاب، الذين تحدثوا عن روز ماري باعتبارها إحدى القضايا، التي تمت معالجتها تحت ضغط الوقت: “في هذا اليوم المشهود، أي 16 غشت 1972، كان الملك الراحل الحسن الثاني برفقة العديد من الشخصيات عائدا من فرنسا على متن طائرة البوينغ 727، بعد أنهى رحلته التي دامت ثلاثة أسابيع بالديار الفرنسية، وفي طريق العودة، حطت الطائرة الملكية بمطار برشلونة الإسبانية، وبمجرد دخول الطائرة الملكية إلى الأجواء المغربية، اعترضها سرب من ست طائرات حربية منطلقة من القاعدة الجوية بالقنيطرة من أجل إسقاطها، وبعد عدة محاولات استطاعت الهبوط بسلام في مطار الرباط سلا، وعلاقة بتداعيات الأحداث وفي نفس اليوم، وبعد أن تأكد العقيد محمد أمقران من فشل المحاولة الانقلابية، استقل طائرة مروحية رفقة أحد مساعديه، ويسمى اليزيد، واتجه إلى جبل طارق الخاضع للنفوذ البريطاني، وهناك أدلى بتصريح يؤكد تورطه في المحاولة الانقلابية مع مجموعة من الضباط تحت رئاسة جنرال يبتدئ اسمه بحرف (o) وكان يقصد أوفقير الذي سيعلن رسميا يوم 17 غشت 1972 عن انتحاره، وهو وزير الدفاع المسؤول عن المحاولة الانقلابية”.

   كل من بودرقة وبنيوب، يوثقان بالتاريخ لحظات تطور الانقلاب على الملك الراحل الحسن الثاني، وتعد هذه هي المرة الأولى التي يأتي فيها سرد الوقائع، على لسان حقوقيين اشتغلا داخل مؤسسات رسمية، إلى جانب الراحل إدريس بنزكري “مانديلا العرب” كما يصفانه، ففي يوم 19 غشت 1972، استجابت السلطات البريطانية إلى طلبات السلطات المغربية، وتمت عملية تسليم محمد أمقران، ومساعده اليزيد الميداوي للسلطات المغربية، حسب نفس المصدر، الذي يؤكد تقديم 220 من العسكريين يتقدمهم أمقران وكويرة، للمثول أمام المحكمة الدائمة للقوات المسلحة الملكية في مدينة القنيطرة، التي أصدرت بتاريخ 7 نونبر 1973، 11 حكما بالإعدام، من بينها الحكم الصادر ضد أمقران، حسب نفس المصدر، الذي أكد أن روز ماري التي طرقت أبواب “الإنصاف والمصالحة”، واستقبلها المحجوب الهيبة الأمين العام للمجلس، وامبارك بودرقة عن لجنة المتابعة، بتاريخ 18 يونيو 2007، لم تترك أمام المجلس سوى ثلاثة أيام لمعالجة قضيتها حيث كانت ستغادر يوم الخميس 22 يونيو 2007، وقد كانت لها مطالب واضحة، علما أنها استصدرت حكما من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ضد الدولة البريطانية، بخرقها للأعراف الدولية عند تسليم زوجها للسلطات المغربية، وتتلخص هذه المطالب حسب أصحاب كتاب “كذلك كان” في: “تصحيح الخطإ الحاصل في تاريخ وفاة زوجها، وحصول أبنائه، ياسمين ورشيد على جواز السفر المغربي، بالإضافة إلى كونها أبدت رغبتها، فيما كان بالإمكان، أن تستفيد هي وأبناؤها من نصيب زوجها في التقاعد، واسترداد مبلغ الاشتراكات التي ساهم بها في صندوق التقاعد لمدة سنة”، ويقول أصحاب الكتاب في هذا الشأن: “بمنطق العدالة الانتقالية، كانت طلباتها وجيهة ومشروعة، لكن الاستجابة إليها كانت تطرح صعوبات قانونية وزمنية، من الصعب أن تتغلب عليها أية هيئة نظامية مختصة”، لكن السلطات العمومية استجابت لمطالب الأرملة، وهو ما مثل نجاحا للتحدي.

   حالة “روز ماري” ليس التحدي الوحيد الذي واجهته هيئة “الإنصاف والمصالحة”، بل إن التحدي الذي واجهته، كان عبارة عن سؤال: هل توصية إحداث هيئة “الإنصاف والمصالحة” الصادرة عن المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، مسرحية أفتى بها النظام السياسي، أم أنها نتيجة مخاض عسير؟ وإن كان الكتاب لا يقدم جوابا مباشرا على السؤال، رغم أنه يضع فرضية “المسرحية” بين مزدوجتين، إلا أنه تم التركيز على الضمانات السياسية، التي جسدتها الإرادة السياسية العليا للدولة، حسب ما أكد عليه، واحد من أصحاب الكتاب، شوقي بنيوب، خلال افتتاح الدورة الثامنة عشر للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان (10 و11 يوليوز 2003)، وتتجسد الإرادة السياسية، في استحضار تصريح الملك الراحل الحسن الثاني الذي قال: “أعينوني على رفع الظلم” وقوله رحمه الله أياما قليلة قبل وفاته: “إنني آسف بطبيعة الحال للوقت الذي قضاه هؤلاء في السجن، وآسف أكثر عندما أفكر في الطريقة التي عوملوا بها”.. هل هناك أقوى من هذه الإرادة السياسية العليا للدولة، والتي سيواصلها، خلفه جلالة الملك محمد السادس، الذي بادر والبلد في حالة حداد، إلى وصف ما تعرض له ضحايا حقوق الإنسان في السابق بالاعتقال التعسفي، والاختفاء القسري، بمناسبة صدور القرار الملكي القاضي بالموافقة لهيئة التحكيم المستقلة بمباشرة أعمالها؟ هكذا تساءل بنيوب، حسب ما نقل في الكتاب.

   الإرادة السياسية لدعم تجربة “الإنصاف والمصالحة”، تجلت بشكل واضح في التدخل الملكي مرتين، المرة الأولى لها علاقة بالجيش، فقد “كان من الطبيعي، ومن أجل استكمال العناصر الأساسية للملفات المعروضة على فريق التحريات، الاتصال بالمؤسسة العسكرية بقصد التداول في ما يتعلق بالملفات ذات الارتباط، والتي تدخل ضمن اختصاصاتها، وتتمثل الملفات المتعين عرضها على المؤسسة العسكرية، في استخراج شواهد وفاة الضباط الذين أعدموا يوم 13 يناير 1973 تنفيذا لحكم المحكمة العسكرية بالقنيطرة بعد محاولة انقلاب 16 غشت 1972، التي استهدفت فيها الطائرة الملكية القادمة من باريس، وكذا ثكنة تازمامارت، وهي عبارة عن ثلاثة بنايات محادية للمعتقل السري سابقا.. وبعد عرض الملف على النيابة العامة للمحكمة العسكرية، كان ينبغي التوجه لحل وضعية بنايات تازمامارت، وهكذا تقدمت هيئة الإنصاف والمصالحة إلى القيادة العسكرية بتصورها، بتحويل البنايات الثلاث الموجودة بثكنة تازمامارت، بعدما تم إفراغها إلى مصالح اجتماعية وتربوية، يستفيد منها شباب وسكان المنطقة الذين عانوا من العزلة والتضييق عليهم طيلة العقود التي كانت فيها هذه الثكنة معتقلا سريا، وكان جواب المصالح المعنية بالقوات المسلحة الملكية، أنه من تقاليد الجيوش في العالم، عندما تقرر الانسحاب من إحدى الثكنات، أن تقوم بهدم كل البنايات وإزالة كل أثار الثكنة خاصة إذا كانت هذه الثكنات تستعمل كمركز لتخزين الأسلحة والذخيرة كما هو الشأن بالنسبة لتازمامارت..” يقول كتاب “كذلك كان”، الذي يكشف أصحابه أن الحقوقيين التمسوا التدخل الملكي بسبب الخلاف في وجهات النظر مع العسكريين.

   تبعا لما سبق، وتبعا للاستجابة الملكية، تم تحديد لقاء بين الحقوقيين تقدمهم الراحل إدريس بنزكري، والجنرال الراحل عبد العزيز بناني المفتش العام السابق للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة العسكرية الجنوبية، الذي كان مصحوبا بالعديد من الجنرالات وضباط القيادة العامة، “وكان وفد الهيئة يضم كلا من إدريس بنزكري وبودرقة وعبد العزيز بناني، وعندما كان بنزكري يقدم فريق الهيئة، علق بودرقة موجها كلامه للجنرال: كما ترون السيد الجنرال، نحن أيضا لدينا عبد العزيز بناني جنرال حقوق الإنسان” فابتهج الحاضرون، حسب نفس المصدر (كتاب كذلك كان).

   لم تحتج هيئة “الإنصاف والمصالحة” إلى التدخل الملكي فقط في علاقتها مع الجيش، بل إنها احتاجت أيضا لتدخل ملكي لحسم “تسميتها”، حسب ما يكشف أصحاب الكتاب الذين كشفوا في باب العمل الميداني، بعض المعطيات الغير معروفة على نطاق واسع، من قبيل الصعوبات الميدانية التي واجهت الهيئة في الريف، “حيث توقفت الهيئة على طلبات تعويض قليلة، بحيث كان الكل يتحدث عن انتهاكات جسيمة، وسقوط عدد كبير من الضحايا، وحصول اعتقالات واسعة، لكن الطلبات المتوصل بها ظلت قليلة جدا، لهذا قرر المرحوم بنزكري القيام بزيارة استكشافية للمنطقة يومي 19 و20 شتنبر 2004، حيث رافقه بودرقة، وصلاح الوديع وعضوي الهيئة، وحميد الكام، إلى مدينة الحسيمة في إطار زيارات استكشافية وتشاورية للفهم، وقتها كان اللقاء مع مجموعة من الفاعلين والأساتذة والباحثين والجمعويين، وكان اللقاء مع كل من، إلياس العماري وعبد الحكيم بنشماس وعبد السلام بوطيب وعزيز بنعزوز ومحمد الشيخ، المهندس المعماري والباحث في شؤون العمران بالريف عبد الإله العماري”.

   يذكر أن هيئة “الإنصاف والمصالحة”، كما يتم تعريفها اليوم في وسائل الإعلام، “هي لجنة وطنية مغربية للحقيقة والإنصاف والمصالحة، تم إحداثها في 7 يناير 2004، بناء على قرار ملكي بالموافقة على توصية صادرة من المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وعلى الظهير الشريف المتضمن للنظام الأساسي للهيئة الصادر بـ 12 أبريل 2004، ذات اختصاصات غير قضائية في مجال تسوية ملف ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، من مهامها البحث عن الحقيقة والتحري وتقييم الضرر والتحكيم والاقتراح”.

Open

error: Content is protected !!