في الأكشاك هذا الأسبوع

تحليل إخباري | ملامح مؤامرة حزبية على الملكية وحق الشعب المغربي في تقرير مصيره

توقعات باندلاع موجة عنيفة من الاحتجاجات تفرض عودة “الحركة الوطنية

إعداد: سعيد الريحاني

   يُكِنُّ عبد الإله بن كيران، المكلف من طرف الملك بتشكيل الحكومة والأمين العام لحزب العدالة والتنمية، الحاصل على الرتبة الأولى في الاستحقاقات التشريعية، لـ7 أكتوبر 2016، حبا خاصا لكوكب الشرق أم كلثوم، ومن تم فهو لم يجد أدنى حرج، أمام إخوانه الذين سربوا له شريط فيديو، وهو يدندن مع أغنية طال انتظاري(..)، غير أن بن كيران يبدو هذه المرة وكأنه يحاكي أغنية، “للصبر حدود” لنفس الفنانة، وهي صيغة من صيغ “انتهى الكلام”، “فبما أن المنطق يقتضي أن يكون لكل سؤال جواب، وبما أن السؤال الذي وجهتُه للسيد عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار يوم الأربعاء 4 يناير 2017 حول رغبته من عدمها في المشاركة في الحكومة التي عينني جلالة الملك يوم الإثنين 10 أكتوبر 2016 رئيسا لها وكلفني بتشكيلها، السؤال الذي وعدني بالإجابة عنه بعد يومين، وهو الأمر الذي لم يفعله، وفَضَّل أن يجيبني عبر بلاغ خطه مع أحزاب أخرى، منها حزبان لم أطرح عليهما أي سؤال، فإنني أستخلص أنه في وضع لا يملك معه أن يجيبني وهو ما لا يمكن للمفاوضات أن تستمر معه حول تشكيل الحكومة، وبهذا فقد انتهى الكلام، ونفس الشيء يقال عن السيد امحند العنصر الأمين العام لحزب الحركة الشعبية”، هكذا تحدث بن كيران، في بلاغ وقعه باسمه يوم الأحد 8 يناير بصفته الأمين العام لحزب العدالة والتنمية والمكلف بتشكيل الحكومة.

   ورغم أن البلاغ يؤكد فقط نهاية التشاور مع فاعلين حزبيين، إلا المواقع التي نشرت الخبر كتبت عناوين من قبيل: “بن كيران يعلن فشله في تشكيل الحكومة”، ومنهم من توقع استقالته خلال المجلس الوزاري الذي سيترأسه الملك، غير أن جل المعلقين أهملوا بعض الملاحظات، من بينها أن إذاعة بلاغ بن كيران تزامنت مع وجوده في حضرة الملك، إبان ترأس الملك محمد السادس، مساء يوم الأحد الماضي حفلا دينيا بضريح محمد الخامس بالرباط، لإحياء الذكرى الثامنة عشر لوفاة الملك الحسن الثاني، لتقول بعض المواقع، “إن عبد الإله بن كيران اختار وقتا سياسيا بالغ الأهمية لإصدار بلاغه عشية انعقاد المجلس الوزاري الذي سيترأسه الملك محمد السادس يوم الثلاثاء 10 يناير، إذْ أنهُ ليس سلوكا اعتباطيا من الفاعل السياسي الذي يستوعب جيدا معنى هاته اللحظات السياسية وضرورة تجنب أي سلوك أو خطاب يمكن أن يكون له تأثير سلبي على مصيره السياسي، لذلك فإن اختيار بن كيران لهذا التوقيت لإصدار بيانه كان بشكل إرادي في محاولة منه لدفع الملكية للتدخل بصيغة أو بأخرى بمناسبة عقد المجلس الوزاري” (المصدر: موقع 60 دقيقة).

   بن كيران قال “انتهى الكلام” في الوقت الذي لم يتوقعه أحد، وقد قال علي بوعبيد، نجل الزعيم الاتحادي، عبد الرحيم بوعبيد، إن رئيس الحكومة “وضع حدا للابتزاز، ورفض المس بشرف مؤسسة رئاسة الحكومة”، غير أن الكلام الحقيقي والذي له أكثر من معنى، هو الذي صدر في بلاغ الديوان الملكي عقب اجتماع المجلس الوزاري عشية الثلاثاء الماضي، وأوضح من خلاله الناطق الرسمي باسم القصر الملكي، عبد الحق المريني، تأكيد الملك على ضرورة تسريع مسطرة المصادقة على القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي، بما في ذلك اعتماده من طرف مجلسي البرلمان، وذلك حرصا منه على استكمال المساطر القانونية.

   الملك إذن منشغل بقضية المغاربة الأولى، وهي قضية الصحراء، التي تعد العودة للاتحاد الإفريقي إحدى مفاتيحها، لكن الأحزاب السياسية، التي خلقت “البلوكاج” الحكومي، أكدت على “استهتارها بالإرادة الملكية المطالبة باحترام التزاماتها في إفريقيا ومع شريكيها الاستراتيجيين روسيا والصين، إذ لا يعقل أن الملك يجوب إفريقيا طولا وعرضا، ويوقع الاتفاقيات، بينما يتسبب حزب التجمع الوطني للأحرار في البلوكاج الحكومي، ألم يكن وزراء حزب التجمع الوطني للأحرار هم الذين وقعوا الاتفاقيات في إفريقيا؟”.

   يمكن القول إن التفاف حزب التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري والاتحاد الاشتراكي، في تحالف ضد بن كيران ومن خلفهم حزب الأصالة والمعاصرة، الذي لم يحظ بالثقة الكبرى(..)، يتعارض بشكل كلي مع الاختيار الحر، وحق “الشعب المغربي في تقرير مصيره، في ظل دستور صوت عليه المغاربة، واختاروا حزب العدالة والتنمية ليكون قائدا للأغلبية الحكومية، ولتسيير شؤونهم، فمحاولة ردع بن كيران، بالانقلاب على إرادة الناخبين، في جوهرها، مؤامرة على الملكية، التي اختارت رئاسة الحكومة من الحزب الأول الفائز بالانتخابات.

   الملك، أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية (الفصل 41 من الدستور) أكد انشغاله بقضية الصحراء، وحث الجميع على الالتفاف حول قضية المغاربة الأولى على اعتبار أن الملك هو “رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة” (الفصل 42 من الدستور)، غير أن المواقع والجرائد فضلت القول بأن الملك أعطى إشارته لانتخاب رئيس مجلس النواب قبل تشكيل الأغلبية، مما يعني محاولة شرعنة “انقلاب 8 أكتوبر” الذي أفلت منه بن كيران، بعد دعمه من طرف حزب الاستقلال، وها هي تفاصيل المؤامرة، “المؤامرة على بن كيران، ومحاولة الانقلاب على إرادة الناخبين” تخرج بكل وضوح على لسان محمد زيان، الأمين العام  للحزب المغربي الليبرالي، الذي قال في حوار مع موقع أسبوعية “الأيام”، ((إنه بعد انتخابات 7 أكتوبر، قام إلياس العماري، الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة باستدعاء عدد من زعماء الأحزاب السياسية باستثناء البيجيدي وقال لهم، عن كذب، بأن الملك أخبره بأن يخبر زعماء الأحزاب بأنه لا يريد البيجيدي أن يكون على رأس الحكومة، وبالتالي، لا تساعدوه في تشكيل الحكومة، وأضاف زيان، الذي قرر حزبه مقاطعة الانتخابات التشريعية الماضية، أن شباط انتفض في وجه إلياس العماري وقال له: “أنت تكذب، فمن المستحيل أن يعطي ملك البلاد مثل هذه التعليمات، فلو كانت صحيحة لتوصلنا بها نحن أيضا”، مضيفا على لسان شباط: “ما نعرفه عن صاحب الجلالة، أنه يحترم الدستور ويحترم القضاء وهو ذو مبادئ ومتحضر، وبالتالي، فلا يمكن أن يكون هذا كلامه”، وأشار زيان إلى أن شباط أخبر العماري أيضا أن كلامه هو كلام التحكم وليس كلام صاحب الحكم، معتبرا أن موقف الأمين العام لحزب الاستقلال حميد شباط كان رجوليا وواضحا)).

   المنطق يقول بأن حزب بن كيران الحاصل على الرتبة الأولى في الانتخابات، أوقف المشاورات مع الحركة الشعبية والأحرار، مما يعني أنه أبقى الباب مفتوحا أمام كل من حزب الاستقلال والاتحاد الدستوري والاتحاد الاشتراكي وغيرها، لكن التحالف الرباعي، تناسى نتائج الانتخابات وأصبح يفرض الحسابات الصغيرة التي لها علاقة بالمناصب، لكن هذا التحالف قابل للتفتت خاصة مع انعقاد المجلس الوزاري، الذي هيمنت على أشغاله قضية الصحراء، وقد ظهرت مؤشرات خطيرة من نوع آخر، حيث أن الحديث عن قضية الصحراء والعودة للاتحاد الإفريقي قد يجعل الجميع راغبا في المشاركة في الحكومة بدعوى “المصلحة الوطنية”، مما يعني وضع الرجل الأولى في ورطة حكومة الوحدة الوطنية، وهي ليست في عمقها سوى مخاطرة بالملكية، فحكومة الوحدة الوطنية التي ترضي الجميع، الوطنيين وغير الوطنيين، هي الحكومة التي لا تحكم، وبالتالي، فإن كل ما تفعله هو عرقلة البلاد ككل وعزل النظام، نفس الشيء يمكن أن يقال عن المحاولة التي ظهرت مؤشراتها في تعليقات المحللين والتي تدعو الملك إلى إعلان حالة الاستثناء، وهي أيضا مخاطرة كبيرة ينبغي الحذر منها، فإعلان حالة الاستثناء، يعني إلغاء نتائج الانتخابات والاستجابة لأهواء السياسيين، وعزل مباشر للملكية في مواجهة التطورات الدولية، فربما تكون الغاية هي وضع الملك في مواجهة مباشرة مع الاحتجاجات المتوقعة، والتي بشرت بها جريدة “الغارديان” البريطانية، وبريطانيا هي إحدى الدول “المحدثة للفوضى في العالم”، والتي تقول بأن الربيع العربي سيضرب الدول العربية بشكل أعنف، حيث تقول: “ستولد دورة جديدة من الاحتجاجات واضحة، ومن ذلك أن العالم العربي تزدهر فيه السيوف لا المحاريث، وهو الذي أنفق خلال ربع القرن الأخير ما يقارب 75 مليار دولار سنويا على التسلح. تسيطر النخب العائلية على السلطة، والأعمال التجارية لا تكاد تتم دون الوساطة والمحسوبية. أدى الفساد إلى إهدار كم هائل من الموارد..”، نفس الافتتاحية تشرح: “المخاطر في السياسة واضحة، إذا لم توجد آليات للمشاركة والمحاسبة بما يسمح بالاحتجاجات السلمية، فإن الساخطين سيبحثون لا محالة عن وسائل مباشرة وعنيفة”، وهنا يطرح سؤال: “ألا تكمن المؤامرة الحزبية في توفير المناخ، لتعطيل آليات المشاركة، وبالتالي، التمهيد للموجة الأعنف من العنف؟”، ليبقى الحل الممكن، هو إحياء الحركة الوطنية والالتفاف حول الملك بالوسائل الدستورية، وقد ظهرت مؤشرات ذلك مع العودة القوية لحزب الاستقلال الذي اختار الاصطفاف مع العدالة والتنمية والفاهم يفهم، بعيدا عن الحسابات الضيقة(..)، لم لا، والمغرب يحتفل اليوم بذكرى تقديم عريضة المطالبة بالاستقلال.

Open

error: Content is protected !!