في الأكشاك هذا الأسبوع
الرئيس الفرنسي هولاند يخاطب النواب المغاربة داخل مجلس النواب

النظام المغربي يعوض فرنسا بأمريكا كشريك أول والنخبة المغربية وفرنسا قلقتان

بقلم. الباحث الزاكي عبد الصمد

  على ضوء التطورات الأخيرة التي طبعت العلاقات المغربية الفرنسية، والتي لا تمر بأحسن الأحوال بل بأسوئها. نريد أن نعود إلى ماضي العلاقات بين البلدين، وننبش فيه بعض الشيء، لنخرج ببعض العبر حول كيفية تعامل أهل الحل والعقد، مع الأزمات التي تنشب بين البلدين، وما هي القضايا التي تطرح؟ ومن ماذا يتخوف الفرنسيون عندما تتوتر العلاقات بينهما.

—————

 

فرنسا هي الخاسر جراء قطع العلاقات بين البلدين في أزمة 1965

 

لعله لنا عبرة في أهم وأخطر أزمة مر منها البلدان وهي أزمة شتاء 1965، التي نشبت بين البلدين بفعل قضية بنبركة، بعد اختطاف هذا الأخير واغتياله في العاصمة الفرنسية باريس. ولقد سبق لنا أن خضنا في بعض نتائج هذه الأزمة من وجهة نظر الفرنسيين، حيث أشرنا من خلال وثائق فرنسية إلى أن فرنسا كانت هي الخاسرة من جراء قطع العلاقات بين البلدين في تلك الأزمة.

فقد أشرنا أولا، إلى كيفية انعكاس قطع العلاقات سلبا على فرنسا من الناحية الاقتصادية والسياسية، إذ نشرنا من خلال وثيقة فرنسية تشير إلى أن فرنسا بقطع علاقاتها مع المغرب فإن اقتصادها قد تضرر بصورة كبيرة، وأن مصالحها الاقتصادية تضررت بشكل كبير.

وثانيا: كيف تخوفت فرنسا من إمكانية اعتماد المغرب في المستقبل القريب، على المساعدات الخارجية من دول أخرى على المساعدات الفرنسية، وبالتالي فإن فرنسا هي الخاسر لا محالة حيث ستخسر تبعية المغرب لها، وكيف أن المغرب نحا في ذلك المنحى بالفعل، وهو ما تأكد بجلاء، حيث اتجه في تلك المرحلة نحو التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي هذا المقال نريد أن نعود إلى بعض تفاصيل تلك الأزمة، من خلال وثيقة جديدة، وهي عبارة عن تلغرام أرسله القائم بأعمال فرنسا بالمغرب، إلى وزير خارجيته بعدما سحبت فرنسا سفيرها من المغرب على خلفية قضية المهدي بنبركة. وهي بتاريخ 19 يناير 1967، وهذه الوثيقة عبارة عن أفكار وانطباعات، جمعها المسؤول الفرنسي من خلال حواراته ولقاءاته مع وزراء ومسؤولين مغاربة. وهي تقدم لنا معطيات جديدة فبعدما أشرنا إلى كيف نجح الحسن الثاني في تطويع الفرنسيين وجعلهم يحسون بالخطر، فإن الوثيقة الجديدة تعكس انطباعات مسؤولين مغاربة رفيعي المستوى حول الأزمة.

 

النخبة المغربية غاضبة من انقطاع العلاقات الفرنسية المغربية بسبب ثقافتها الفرنسية

 

من خلال هذه الوثيقة يرى المسؤول الفرنسي أنه بعد مرور سنة على انقطاع العلاقات بين البلدين، فإن الحالة العامة في المغرب هي القلق المتزايد والشك الكبير في النظام السياسي، وذلك باستقلال عن المخاوف الناتجة عن المشاكل الداخلية الصعبة بسبب الوضع الاقتصادي غير الملائم، وكذلك نتيجة خيبة الأمل التي أصبحت ملموسة من جراء فشل نظام الحكم.

ويرى الرجل بأن هذا القلق، إنما هو ناتج عن السياق الذي تمر منه العلاقات المغربية الفرنسية، التي تلقي بضلالها على الحياة السياسية للبلد. ويشير إلى أن كل محاوريه من المغاربة يشعرون بانعكاسات جمود العلاقات بين البلدين. لأن ذلك يتعارض مع التطلعات الأساسية للمغاربة الذين في عمقهم متأثرين بالثقافة الفرنسية، حيث إن البعض منهم لا يخفون استياءهم من تمديد الوضعية الحالية.

وتشير الوثيقة إلى أن الوزراء والمسؤولين المغاربة، يستحضرون المؤثرات العدائية التي تمارس على الملكية، والتي من المنتظر أن تسمم الأجواء، حيث يلمحون إلى الدور السلبي الذي تلعبه الدائرة المقربة من الملك، في هذا الصدد، والذين من المنتظر أن يكتفوا من تأثيرهم على الملك بخصوص التحريض لمعاداة فرنسا.

 

تخوف فرنسا والنخبة المغربية من التقارب الأمريكي المغربي

 

ويشير صاحب الوثيقة إلى أن الأمريكان يقولون بأن المغرب يشعر بأنه محروم من الدعم الفرنسي، ويوجد حاليا في حالة عزلة، و”إن الطبيعة تمقت الفراغ“. وإنهم أمام هذا الوضع، لا يمكن إلا أن يبحثوا في مكان آخر عن الدعم. وإنهم قلقون في هذه الظرفية من ناحية الجزائر، حيث سجل أن هناك عدم التوازن بين البلدين من الناحية العسكرية، حيث إن الجزائر تستفيد من الدعم السوفياتي، كما أن المغاربة يتكتمون على المشكل الإسباني بخصوص الحدود.

وهذا الأمر جعل المغاربة يستوعبون الخطر ويشرعون في التقرب من أمريكا، ويرى صاحب الوثيقة أن النخبة المغربية ترى أن المغرب في خطر من خلال الانخراط في هذا الاتجاه، والوقوع في الفلك الأمريكي، وهو الأمر الذي يترجم القلق من غياب فرنسا عن المغرب التي تعتبر عامل توازن في شمال إفريقيا.

 

القائم بأعمال فرنسا: لا يمكن التفريط في أوفقير لأنه من أصدقاء فرنسا ومن المدافعين عن مصالحها

 

وتشير الوثيقة إلى أن لا أحد يجرؤ على المغامرة بتقديم هذه الملاحظات للملك قبل ذهابه إلى أمريكا، والتي يمكن أن تكون مع بعض السذاجة، الحل السحري لجميع المشاكل. وفي الأخير يشير الرجل إلى أن الحل جد معقد، ويشير إلى أن من بين أصدقاء فرنسا المخلصين هم أوفقير نفسه، والذي يمكن أن يعتبر واحدا من أكبر المؤيدين للصداقة الفرنسية. أكثر مما يعتبر عدوا في صفوف العدو.

 

بين الماضي والحاضر ذكريات مغربية مؤلمة عن تعامل فرنسا مع المغرب في وقت الأزمات

 

هكذا أكدت مديرة برنامج الشرق الأوسط والمغرب العربي بالمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية منصورية مُخفي لشبكة “الجزيرة” القطرية، حيث أكدت بأن القادة المغاربة مازالت لديهم “ذكريات مؤلمة” عن “التعامل المهين” للمغرب من قبل الرئيس الفرنسي السابق الجنرال “شارل ديغول” بعد اختطاف المهدي بن بركة في باريس عام 1965 ، على يد عملاء فرنسيين كانوا على ارتباط مع مسؤولين مغاربة.

وأضافت أن الرباط لم تنس الحملة الإعلامية الفرنسية التي استهدفت المملكة، في بداية تسعينيات القرن الماضي، حينما كان الزعيم الاشتراكي “فرانسوا ميتران” يرأس البلاد، مع صدور كتاب الصحفي الفرنسي “جيل بييرو” “صديقنا الملك” الذي قدم من خلاله نظرة سوداوية عن نظام الحسن الثاني.

أما الأزمة الحالية، فقد انفجرت على خلفية شكوى تقدمت بها منظمة غير حكومية فرنسية بحق عبد اللطيف حموشي المدير العام لجهاز الاستخبارات المغربي، اتهمته فيها بممارسة التعذيب بالمغرب، إضافة إلى تصريحات تضمنت عبارات قدحية تجاه المغرب نسبت إلى سفير فرنسا بواشنطن.

 

 

هل الأزمة الحالية أزمة سياسية بغطاء حقوقي؟

 

هناك عدة مؤشرات تدل على أن الأزمة الحالية سياسية وبغطاء حقوقي، فقد اعتبرت الباحثة منصورية مُخفي أن “حدة الغضب المغربي يمكن فهمها على ضوء القلق الذي شعرت به الأوساط الرسمية المغربية بعد وصول هولاند إلى سدة الحكم في سنة 2012، خصوصا وأن الرئيس الاشتراكي زار الجزائر قبل المغرب مخالفا بذلك عرفا دبلوماسيا احترمه أسلافه.

وأضافت الباحثة أن قادة الرباط انتابهم التذمر، حينما أحسوا بأن الرئيس الفرنسي يميل إلى جعل الجزائر “الشريك المغاربي الرئيسي” لباريس، فيما يتعلق بقضايا الأمن في منطقة الساحل.

ويضيف الدكتور حسين المجدوبي في مقال نشره بالجريدة الإلكترونية “ألف بوست”، حيث أكد أنه منذ مدة والبوليساريو يعمل على محاولة التأثير في الساحة السياسية الفرنسية لتقليل دعم باريس للمغرب في ملف الصحراء. وقد بدأ ينجح في التسرب إلى فرنسا، وعنوان هذا النجاح الأيام التضامنية خلال شهر فبراير من هذه السنة.

ويتساءل الباحث أنه بدل البكاء والاستنكار والمظاهرات، ماذا أعدت المخابرات والدبلوماسية المغربية لوقف تأثير البوليساريو والجزائر في فرنسا، المدافع الأول عن مغربية الصحراء دوليا؟ هذا هو جوهر الأشياء، لأن الأشخاص يمرون والأوطان تبقى، حسب تعبيره.

وهناك فرضية أخرى تزعم أن الأزمة الحالية سياسية بغطاء دبلوماسي، وهي الزيارة الملكية إلى دول إفريقيا في السنة الفارطة، حيث رأى بعض المحللين بأن أمريكا بدأت تنافس فرنسا على إفريقيا، وتوضح ذلك جديا بعد القمة الأمريكية الإفريقية. وهناك البعض يقول بأن أمريكا ستوظف المغرب على اعتباره البوابة الرئيسية إلى إفريقيا، وكذلك نظرا لخبرته في هذا الباب، وما يدعم هذا الطرح هو إحساس المسؤولين المغاربة بأن الرئيس الفرنسي يميل إلى جعل الجزائر “الشريك المغاربي الرئيسي” لباريس في ما يتعلق بقضايا الأمن في منطقة الساحل.

ويرى حسين المجدوبي بأن فرضية دخول المغرب وفرنسا في سباق على إفريقيا أمر غير وارد، وذلك لأن المغرب لا يمكنه نهائيا منافسة فرنسا في إفريقيا، فباريس تخصص سبعة ملايير أورو سنويا من المساعدات للقارة السمراء، بل يوجد تنسيق بين البلدين. ومع ذلك فإن هذه الفرضية تبقى واردة إلى أبعد الحدود، وما يدعمها هو الخطاب الملكي بذكرى ثورة الملك والشعب، الذي أكد من خلاله على أن المغرب سيعمل على توسيع علاقاته مع إفريقيا والصين وروسيا، وهل في ذلك سحب للبساط من تحت أقدام فرنسا.

وكخلاصة: متى ستنتهي الأزمة الحالية؟ وكيف ستنتهي؟ وهل ستتغير العلاقات بين البلدين بعدها؟ في هذا الصدد أكدت الباحثة في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية خديجة محسن فنان، أن الأزمة لن تضر على نحو دائم بالعلاقات الفرنسية المغربية، إلا أنها شددت على أن “ما حدث يظهر الحاجة لخروج علاقات البلدين من إطار الأبوية الذي وضعها فيه الرئيس الفرنسي السابق “جاك شيراك” وإضفاء مزيد من الشفافية عليها”.

جانب من الوثيقة يشير إلى الخطر الذي شعر به بعض المغاربة جراء التقارب الأمريكي المغربي

جانب من الوثيقة يشير إلى الخطر الذي شعر به بعض المغاربة جراء التقارب الأمريكي المغربي

 

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!