في الأكشاك هذا الأسبوع

ليبيا والصراع الاستعماري الجديد على ثروات إفريقيا

     تُشير كل الأرقام الصادرة عن مراكز البحث المتخصص في رصد مؤشرات النمو إلى أن أوربا وأمريكا ستتقهقر في المستقبل المنظور إلى المراتب ما بعد العشر الأولى، فالصدارة الاقتصادية والمعرفية ستكون من نصيب الصين والهند ودول آسيا عموما…وهي المجتمعات التي استطاعت ،عكس إفريقيا والعالم العربي،الإفلات من الهيمنة الاستعمارية مستفيدة من التوازنات الدولية التي خلقتها الحرب الباردة ومن الفراغ الناتج ،بعد ذلك، عن انهيار الاتحاد السوفياتي، بالشكل الذي أتاح لهذه الدول إمكانية تطوير نظمها التعليمية والصناعية إلى الحد الذي أصبحت فيه ،خلال مدة وجيزة، قطبا معرفيا وتكنولوجيا منافسا للقوى الاستعمارية التقليدية. وإلى عهود قريبة لم تكن أمريكا مهمومة كثيرا بمخاطر تقلب الأسواق أمام آلتها الإنتاجية الجبارة، ذلك لأن رخاءها الاقتصادي وتفوقها التكنولوجي وهيمنتها المالية كان يفتح أبواب العالم كله، بانسياب، أمام سلعها العالية الجودة والإتقان. وكل الحروب الدامية التي خاضتها الولايات المتحدة شرقا وغربا خلال القرن العشرين لم تكن في الجوهر من أجل كسب أسواق جديدة لسلعها وإنما كانت حروبا مبدئية تصدت فيها أمريكا للمد الاشتراكي بقيمه التضامنية التي كانت تهدد المنظومة الرأسمالية وتتوعدها بالفناء كنمط للعيش.ومع الثورة التكنولوجية الكبرى التي عرفتها الصين ثم كوريا فالهند… بالإضافة إلى اليابان تقلصت في السنوات الأخيرة أرباح الاقتصاد الأمريكي الذي كان دائما في غنى عن الأسواق الإفريقية غير المغرية للصناعة الأمريكية باستهلاكها الضعيف، وبوتيرة نموها هي الأدنى بين كل القارات،وبكثافة ساكنتها الضعيفة مقارنة بآسيا حيث الملايير من البشر وحيث كل فرد من هذا الرقم الهائل كان يمثل للصناعة الأمريكية رقما استهلاكيا جذابا بدءاً من مشروب “البيبسي” إلى أصغر قطعة رقمية في أصغر جهاز الكتروني. لم يعد للسياسة الأمريكية ،مع ضيق مجال التصريف بفعل اليقظة الأسيوية ، بد من التوجه نحو أفريقيا والشرق الأوسط لمزاحمة أوربا في هذا الجزء من العالم الذي يُحسب ،بموجب صك امبريالي موروث ، على القارة العجوز كما تحسب أمريكا اللاتينية بموجب هذا الصك نفسه على البيت الأبيض ..

     مِن مَدخلِ هذه الصورة العامة للموقف الدولي تصح قراءتنا للتطورات الدامية الجارية في ليبيا. فما يجري الآن في هذا البلد لا يمكن عزله عما يجري في مالي أو ليبريا أو ساحل العاج أو مصر أو الصحراء الغربية… ذلك لأن هاجس السياسية الأمريكية الآن هو تأمين مصادر رفاهية الحياة الأمريكية ولو بالزحف على مناطق النفوذ الأوربي.لا يُعتَرض على هذا التصور بدعوى انسجام العالم الغربي الذي تعكسه الوحدة المذهبية(الرأسمالية) و الحلف العسكري( الناتو) الذي يجمع أوربا وأمريكا في بوتقة واحدة، ذلك لأننا لا نحتاج إلى تذكير بأن هذه الرأسمالية ذاتها هي التي أودت بـهؤلاء “الأشقاء” لخوض حربين عالميتين طاحنتين وقبلهما حروب بينية جشعة داخل المستعمرات.كما أن الوحدة العسكرة،بحسب ميثاق الحلف، مخصصة فقط لحماية المصير المشترك أمام أي عدو محتمل يمكن أن يهدد مصالح الجميع.فيما التحالف الأمريكي الأوربي الذي يظهر بين الفينة والأخرى كما في العراق أوكرانيا..ليس إلا تحالفا من أجل اقتسام الغنائم بعد التعهد باقتسام المخاطر الاضطرارية لحركة الاستعمار.

الثورة…الثروة

     تعد ليبيا،اقتصاديا،مضخة غير ناضبة للثروة؛ففيها أكبر احتياطي للنفط في أفريقيا، كما أن غازها العالي الجودة المتدفق عبر صقلية يساهم بشكل حاسم في دوران عجلة الإنتاج في جنوب القارة العجوز،فيما لفرنسا وإيطاليا منذ عهد القذافي عقود استثمارية كبيرة دفعت الدولتين أيام الثورة إلى ركوب موجة التغيير بعدما تبين لها السقوط الحتمي للقذافي مع دخول الولايات المتحدة الأمريكية على خط انتفاضة 17فبراير. وحينما نجح الثوار في استلام السلطة بادر رئيس المجلس الوطني الانتقالي مصطفى عبد الجليل إلى طمأنة الدول التي ساندت الثورة على مصالحها في ليبليا واعدا بمنحها نصيب الأسد من مشاريع الاستثمار المزمع الإقدام عليها مستقبلا ،والتي من بينها 480مليارَ دولارٍ لإعادة الإعمار خلال عشرين سنة القادمة بواقع 24 مليار دولار سنويا.فيما تعهد العميد طيار ركن “صقر الجروشي” رئيس أركان السلاح الجوي للشركات الأوربية بتفويت صفقات تسليح كبيرة من بينها شراء سربين من طائرات “رافال” وميراج(إف1) من فرنسا ،و طائرات “تايفون” من بريطانيا لتغطية احتياجات القواعد الجوية المتواجدة على الساحل.بينما وعد الشركات الأمريكية بصفقة الطيران العمودي وطيران النقل (سي 132،والشينوك)..ورغم حجم هذه الإغراءات فإن جشع الشركات الأوربية والأمريكية كان أكبر من الوعود المعطاة،دافعا القرار السياسي للضغط من أجل الفوز بمزيد من العقود عن طريق العمل الاستخباراتي الساعي إلى إيصال الحلفاء المحليين إلى السلطة. وهكذا وقعت ليبيا في دوامة الصراع الأورو- أمريكي على بسط النفوذ والاستحواذ على أكبر قسط من الغنائم. ولهذا السبب لم تستتب الأوضاع ولم يتسنى للشعب الليبي تحقيق أهدافه من الثورة.

رقعة الشطرنج

     تدرك أمريكا جيدا أنها وافدة على الوسط السياسي التقليدي في ليبيا ،فهو في عمومه منحاز للمصالح الأوربية ، وأي استقرار سياسي في ظل هذا الوضع يعني تبخر أطماعها التي نسجتها عقب مشاركتها الحاسمة في إنهاء حكم القذافي، فكان أن فكرت في خلط الأوراق عسكرياً وإعادة ترتيب الأجواء في ليبيا لإنشاء طبقة سياسية جديدة موالية لها. وكانت الخطوة الأولى تقضي بدفع رجل عسكري نحو التحرك بما يشبه الانقلاب ضد الوضع القائم الذي يهيمن عليه المؤتمر الوطني… فكان “حفتر” عنوان هذه المرحلة،وهو العسكري الذي يعرف الجميع أنه رجل أمريكا الأول في ليبيا ،فقد كان لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية عام 1990 الفضل في الإفراج عنه من سجون تشاد بعدما خذله القذافي وأنكره. وبعد أن منحته أمريكا حق اللجوء أمضى حفتر السنوات الـ 20 التالية في ولاية فرجينيا حيث تدرب على حرب العصابات قبل أن يعلن انضمامه لثورة 17 فبراير. وفي نهاية عام 2011، عين حفتر رئيساً جديداً لأركان الجيش الوطني، الذي تم إنشاؤه خلفاً لجيش النظام السابق، غير أن انتقادات الثوار المشككة في تاريخه وفي علاقته بالمخابرات الأمريكية … أبعدته سريعا عن موقع المسؤولية في الجيش .

     أريد لليبيا أن تسير على نفس السيناريو المصري: إشعار الناس بعدم الاستقرار (تفجيرات مشبوهة في بنغازي، مواجهات مسلحة بين الفصائل الثورية، اغتيالات في صفوف أعداء الإسلاميين…)وبعدها يأتي حفتر ليَعِدَ الناس بالأمن والاستقرار بعد أن يطلب منهم التفويض على شاكلة السيسي للقضاء على الإرهاب الإخواني،وعينه طبعا على الكرسي الرئاسي كما لم يخفِ ذلك العقيد محمد حجازي الناطق الرسمي باسم اللواء المتقاعد في تصريح لوكالة الأناضول يوم30/5/2014: قائلا “حفتر سيسير على خطى السيسي، إذا طالبه الشعب الليبي بالترشح، خاصة أن السيسي نجح في مهمة صعبة مماثلة، وهي استعادة مصر من الإخوان المسلمين”.

       الحاصل أن واقع مصر ليس هو واقع ليبيا بأي حل من الأحوال، فإذا كان السيسي قائدا عاما للجيش،فإن حفتر زعيما لفصيل عسكري فقط شأنه شأن أي فصيل آخر في ليبيا، وإذا كانت كتائب الزنتان “الصواعق والقعقاع” قد انضمت لحفتر، فإن درع المنطقة الوسطى “مصراتة” قد أعلنت ولاءها للمؤتمر الوطني….وإذا كان الإخوان في مصر قد آمنوا جانب العسكر،فإن “إخوان” ليبيا قد تعلموا الدرس..ومن هذه الاعتبارات تبدو معركة أمريكا داخل ليبيا جد معقدة ،من المرجح معها أن تتطور إلى محاولة للتقسيم الفدرالي- لا قدر الله – كحل سياسي أخير تضمن من خلاله الولايات المتحدة نصيبها الأوفر من كعكة ليبيا. لكن بين ما تريده أمريكا وأوروبا وما يمكن أن يحصل على أرض الواقع مساحة للمناورة قد تغير المعادلة وتُفشل التخطيط، وتصنع التحرير الذي من أجله قامت الثورة..مساحةٌ يصنعها الوعي المقاوم وتنفذها الإرادات المخلصة من أبناء ليبيا المتيقظين.

 

مصطفى أمزير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!