في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف | من يريد دفع جمهور كرة القدم للاصطدام مع الملكية في المغرب ؟

الرباط – سعيد الريحاني

شابات أنيقات، وشباب يرتدون أزهى الألوان احتفاء بفريقهم المفضل، فجأة يركز مخرج التلفزيون على شاب وصديقته، يلتفتان نحو الكاميرا ويردان على تحية الجمهور(..) على إيقاع التصفيقات. يحدث هذا في الملاعب الرياضية بإنجلترا، وإسبانيا.. في الدار البيضاء: الساعة تشير إلى العاشرة ليلا، يرن هاتف المدير العام للأمن الوطني، يستيقظ هذا الأخير مفزوعا على وجه السرعة(..)، لا يتعلق الأمر بكابوس، ولكن المتحدث أخبره عبر سماعة الهاتف أن جمهور “كرة القدم” حطم زجاج القطار، وأن جحافل المتنطعين تتدفق نحو أحياء مدينة المحمدية بشكل جنوني.

ربما كان المدير العام للأمن الوطني يرتب أوراقه لكي يبدأ أسبوعه ابتداء من يوم الإثنين، ولكن مباراة الرجاء البيضاوي والجيش الملكي، أرغمته على الانتقال إلى عين المكان، ليلة الأحد الماضي، رفقة عبد الطيف مؤدب والي مدينة الدار البيضاء، وعلي سالم الشكاف عامل عمالة المحمدية، لردع المخربين(..).

في اليوم الموالي تكتب الصحافة أن المواجهات الدموية العنيفة، بين مشاغبين محسوبين على جمهور الجيش الملكي، وساكنة المحمدية، “أسفرت عن إصابة العشرات بجروح مختلفة، ضمنهم نساء وشباب، وإحراق دراجة تابعة لرجال الأمن، وكسر كاحل مفتش شرطة، والاعتداء على سائق القطار ومساعديه..” (الأخبار، عدد: 22 شتنبر 2014)، وربما كانت الحصيلة أعنف، لولا التعزيزات الأمنية التي حضرت إلى عين المكان مرفوقة بقوات مكافحة الشغب.

من الذي أوحى “للمشاغبين” بمغادرة القطار؟ كيف تبلورت فكرة مهاجمة المواطنين؟ لننظر أولا إلى حالة هذا الجمهور: أغلبهم شباب يافع، منهم القاصرون، وتبدو على بعضهم علامات التأثر نتيجة استهلاك المخدرات، في ما البعض يردد منذ انطلاق الرحلة كلاما ساقطا، دون اكتراث للمسافرين.. وقد كانت الرغبة في الانتقام من الهزيمة التي مني بها الفريق، ولربما سيقف البعض مشدوها عندما يعرف أن عشرات الشباب كانوا يرددون بشكل جماعي: “كازا فيها الحوتالا… جينا ودرنا فيها بلبالة… تاحدو وشتتنا لمهوم المالا ..وتحية لخوتي ولاد العاصمة القتالة”.

لغة التهديد بالقتل، والتي تترجمها الشعارات المرفوعة بشكل جماعي لا تقف عند حدود التهديد اللفظي، بل عن الأمر اتخذ طابعا مكتوبا من خلال لافتات ضخمة، تم رفعها بمركب محمد الخامس بالتزامن مع المباراة التي انهزم فيها فريق الجيش الملكي بهدفين لواحد، من بينها اللافتة التي كتب عليها: “نكتة الجامعة السوداء: الجردان في الصفوة دون عناء” واللافتة التي كتب فيها، “الرجاويون: مستعدون للقتال”.. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن اللغة المستعملة في الميدان، أقل تطرفا، من اللغة المستعملة في المنتديات الاجتماعية، وهي في الغالب لغة ساقطة، جرى التعامل بها، مع ما يصاحبها من استعراض للسيوف، واعتداءات على الموطنين(..).

قد يقول قائل إننا أمام جمهور منفلت، لكن هذا لا يمنع من القول إن الأمر بات يحتاج إلى وقفة للتأمل، بعد أن تم تزيين بعض الملاعب الوطنية براية “داعش” التي تهدد النظام المغربي(..)، “فقد تم رفع علم داعش، من طرف بعض المشجعين الذين حضروا لمشاهدة مقابلة السد في كرة اليد، بين فريقي الوداد البيضاوي والدفاع الحسني الجديدي”، (جريدة الأحداث المغربية، عدد: 14 يوليوز 2014).

التحركات “المريبة” للجمهور في الآونة تطرح أكثر من علامة استفهام، بعد أن تم تداول رسوم كاريكاتورية تهدد النظام في “الفيس بوك”(..)، بل إن البعض أصبح يتباهى بصور بعض “الإلتراس” المغربية التي وصلت إلى دول الربيع العربي(..)، وربما نجت الدار البيضاء، يوم الأحد الأخير من سيناريو، شبيه بما وقع يوم الخميس الأسود، السنة الماضية، “عندما استخدمت مليشيات القاصرين كل شيء في أعمال التخريب والتحطيم، عندما جاؤوا محملين بالحجارة، وأغلبيتهم تتأبط سيوفا وأسلحة بيضاء، ومفاتيح، وبراغي، فعاثوا فسادا في السلع، وكل ما وجدوه أمامهم، في غضون دقائق خلق هؤلاء الهمج خسائر تقدر بالآلاف”، (جريدة الصباح، عدد: 22 أبريل 2013).

مشاهد تدمير الدار البيضاء من طرف الجمهور، هي نفسها المشاهد التي سبقت سقوط الأنظمة في دول الربيع العربي، فمن “صفات الجماهير أيضا التعصب والاستبداد والنزعة للمحافظة؛ لذلك فإن الجماهير عادة ما تكون أشد تعصبا للأفكار والعقائد وأشد تطرفا ضدها كذلك، فإذا ما أضيف لذلك التعصب شعور الجمهور بقوته فإن استبداده برأيه يكون بحجم تعصبه؛ ومن الصعوبة أن يقبل الاعتراض عليه أو مناقشته، ولعلنا نلحظ ذلك خاصة في الاجتماعات العامة للجماهير. ومن عاطفة هذا الاستبداد يظهر احترامها للقوة وعدم ميلها للطيبة التي تعتبرها شكلا من أشكال الضعف..”، (جوستاف لوبون/ غازي كشميم، قراءة في كتاب سيكولوجية الجماهير، للمؤرخ الفرنسي وعالم الاجتماع).

“داعش” تهدد الملك محمد السادس، بالصوت والصورة(..)، وجزء من الجمهور يحمل أعلامها بشكل ظاهر، وبشكل خفي(..)، وجزء من الجمهور لا يعترف بالأمن (أنظر الصورة المستفزة رفقته)، أليست هذه المعطيات كافية للقول إن هناك جهات تحاول استغلال “عقلية الحشود” لخلق مشكل للملكية، خاصة أن التوجه السائد من أجل إحداث الفوضى(..) في المغرب يقوم على أساس تحريك ملفات بعينها، لا تخطئها عين المتتبع وهي: قضية الصحراء، والملف الإفريقي، والقضية الأمازيغية، والاحتقان الاجتماعي..

حاولت القناة الثانية تحضير المغاربة للدخول السياسي هذه السنة، ولكن الانطلاقة كانت سيئة جدا، في نظر المتتبعين، بعد أن أعلن كل من الوزير نبيل بنعبد الله والاتحادي إدريس لشكر، أن المعارضة والحكومة يتبعان “لجلالة الملك”، وكانت تلك طريقتهما في تجنب المحاسبة.. وربما لم يكن هناك دخول سياسي من أبواب السياسة المعروفة، ولكن الدخول كان عبر بوابات، الملاعب الوطنية، فقد بات الجميع يتحدث عن علاقات محتملة بين حزب الأصالة والمعاصرة ورئاسة الجامعة الملكية لكرة القدم ورئاسة فريق الوداد التي باتت تنسق مع رئاسة فريق الرجاء البيضاوي، ونفس الحزب حاضر في رئاسة فريق الحسيمة ويرجح أنه يلعب دورا إضافيا في طنجة وبركان..

ما معنى أن تقول الصحافة إن إلياس العماري القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة كان يساند ترشح فوزي لقجع للفوز برئاسة الجامعة الملكية لكرة القدم، وبعد أشهر قليلة يظهر فوزي في الجمع العام لفريق شباب الريف الحسيمي، الذي يترأسه إلياس العماري، ألا يمكن إعطاء تفسير سياسي لهذا الموضوع؟

يمكن القول إن من حق أي سياسي أن يستغل الرياضة للوصول إلى أهدافه؟ لكن، هل يعرف هؤلاء السياسيون خصائص “الحشود” والتي تشكل أحد ركائز التشجيع الرياضي؟ ما الذي يضمن عدم نشوب صراعات سياسية بين الجماهير؟ فمن خصائص الحشود “استعدادهم السريع للتصديق المطلق لكل ما يسمعونه! بسرعة كبيرة ولأبعد الحدود، حيث يتم قبول وتصديق معظم البيانات والإشاعات الواردة إلى الحشد! لدرجة السذاجة! والحساسية المبالغ فيها، وقصر النظر والتبصر منقطع النظير! وعدم قدرتهم على الاستجابة للمؤثرات العقلية”، (جوستاف لوبون، كتاب سيكولوجية الحشد).

“جوستاف لوبون” يعتقد جازما أن: “الجمهور دائما أدنى مرتبة من الإنسان الفرد، في ما يخص الناحية العقلية الفكرية، ولكن من وجهة نظر العواطف والأعمال التي تثيرها هذه العواطف فإنه يمكن لهذا الجمهور أن يسير نحو الأفضل أو نحو الأسوإ – وكل شيء يعتمد على الطريقة التي يتم تحريضه أو تحريكه بها”، (المصدر نفسه).

وبغض النظر عن الاستغلال السياسي للجمهور، الذي يتكون في جزء منه من منخرطين في النادي، ومن كتلة انتخابية، حسب اعتقاد السياسيين، فإن الجحافل يمكن استغلالها لأهداف تخريبية، ويكفي الرجوع في هذه الإطار إلى أحداث يوم الخميس الأسود، من السنة الماضية، عندما تم اعتقال حوالي 135 شخصا، بتهمة “الإخلال بالأمن العام، وإلحاق خسائر، بممتلكات الدولة، والخواص، والتحريض على الكراهية بعبارات عدوانية، ومخلة بالأدب.. ولم يسدل الستار عن هذا الفصل المأساوي إلا بتدخل ملكي، للعفو عن المعتقلين، ولكن استجابة الملك لنداءات أسر الضحايا، كانت مقدمة لهجوم حقوقي على شخص الملك، وفي هذا الصدد قال عبد العزيز النويضي، عضو الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح العدالة: “إن الأمر الملكي الصادر، يعتبر مسا بالسلطة القضائية، ملمحا إلى أن القاضي الذي تلقى تلك الأوامر مغلوب على أمره، حين قال: إن القاضي لا يمكنه إلا أن ينفذ أوامر النيابة العامة”.

هكذا إذن تحولت مبادرة ملكية للحيلولة دون معاقبة الجمهور، إلى مادة لانتقاد الملك، ”لو كان وزير العدل هو من اتخذ ذلك القرار لقامت الدنيا وأقعدت، ولكن حين اتخذ القرار الملك لم تقم الدنيا ولم تقعد”، هكذا صرح عبد الرحمن المصباحي نائب رئيس الودادية الحسنية للقضاة.

وتلتقي الأحداث السالفة الذكر في كونها تزامنت مع تراجع حضور المخزن في الرياضة، مقابل صعود السياسيين، “فلم يكن المخزن ليجد حرجا في فرض تصوراته، خدمة لغرض سياسي إلى درجة إشراك العديد من العسكريين في تسيير العديد من الجامعات الرياضية.. المخزن كان حاضرا حتى لو تطلب الأمر تمييع المشهد الرياضي برمته، فموسم 1984 عرف على سبيل المثال احتلال شباب الساقية الحمراء، للصف الأول في شطر الجنوب ببطولة القسم الثاني.. واعتبرت السلطة هذا الإنجاز قابلا لتأكيد شرعية المغرب على صحرائه ولتحقيق التوازن”، (منصف اليازغي، كتاب مخزنة الرياضة).

وربما لم يعد يتذكر كثير من الناس، أن تنظيم الاجتماعات الرياضية، الذي اتخذ اليوم طابع الصراع السياسي(..) سبق توكيل خاص للعسكر بضبط الجماهير وتجلى ذلك في تعاقب عدة رؤساء عسكريين على الجامعة، من بينهم الليوتنان كونونيل المهدي بلمجدوب، والكونونيل ادريس باموس، والكولونيل ماجور الحسين الزموري، وأخيرا حسني بنسليمان..

وبخلاف اليوم، حيث تدخلت الفيفا لإلغاء جمع عام جامعة كرة القدم، فـ”أهم ما ميز تدشين رجال العسكر لوظيفتهم، هو الجو الديمقراطي الذي ميز الانتخابات.. وقد كانت فكرة إسناد مهمة رئاسة الجامعات الرياضية للعسكر فكرة ملكية، ربما تجد سندها في التاريخ حيث لم يكن الملوك يرتاحون لكرة القدم، “فقد حرمها الملك شارلز الثالث (1491) بدعوى أنها حرمت الشباب من التدريب على رمي القوس والرمح.. كما تقول أخبار أخرى إن الملكة إلزابيث الأولى حرمتها أيضا في عام 1572، كما أن طبقة النبلاء كانت تمقتها وتصف من يلعبها، بأنه رجل غير نبيل ولعله من غرائب العالم، أن يعرف البعض أن مدينة مانشستر، كانت تحرم فيها كرة القدم، لولا تدخل الملك شارلز الثاني الذي أباحها، (دراسة حول كرة القدم/ اللعبة الشعبية الأولى في سياق الاقتصاد السياسي والحراك الاجتماعي).

وقد لا ينتبه كثير من المواطنين إلى كون ممارسات الشغب التي تحصل في الملاعب الرياضية انتقلت إلى المدارس، حيث يسجل دخول التلاميذ بطريقة غير منتظمة مع تدافعهم مع الأساتذة في جو مشوب بالكلمات الفاحشة، وأشكال السب والشتم.. دخول التلاميذ في حالة سكر، وتورط عدد من التلاميذ في تناول المخدرات، وتورطهم في قطع الأشجار، وتخريب وسائل النقل، وتعريض الأساتذة للضرب والرشق بالحجارة، (كتاب المشاغبون في المغرب الجديد).

ولربما كان لهذا النوع من التلاميذ دور في الأحداث التي رافقت تفكيك مخيم “اكديم إزيك” سنة 2008، والتي أسدل الستار عنها بحصيلة كارثية، راح ضحيتها عدد من رجال الأمن(..)، من هنا تظهر خطورة تسييس الجماهير(..)، ولربما كانت مخزنة الرياضة، أفضل بكثير من تسيسها، فالجمهور الذي يدخل الملاعب بانتظام، هو نفسه الذي قد يتحول إلى نقمة على النظام(..) ولعل الجرائم المرتكبة إلى حدود اليوم باسم الجمهور أكبر دليل على ضرورة التحرك لمعالجة المشكل، في وقت يتعرض فيه المغرب لضغط خارجي غير مسبوق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!