في الأكشاك هذا الأسبوع
إدريس البصري يقبل يد الحسن الثاني

الحـقــيقة الضــــائعة | أخطار بوسة اليد

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

كان أعظم ملوك فرنسا، الملك لويس الرابع عشر، (سنة 1700) وكان يسمى، الملك الشمس، وهو يستقبل حشودا من المهنئين، بمناسبة ازدياد أحد أولاده، وكل المهنئين ينحنون إلى منتصف وقفتهم ليقبلوا يد الملك ((وكان من بين المهنئين، سفير أجنبي بمجرد أن وصل عند الملك، وانحنى عليه.. أخذ يده وعضها، حتى ارتفع صوت الملك صائحا من الألم، ليقول له الأجنبي الذي عضه: قمت بهذا حتى تنتبه إلى وجودي بين هؤلاء المهنئين)) (لويس 14. ميشيل ديون).

وبوسة اليد عندنا، وفي عهدنا، تعني شيئا آخر، برع الشهيد المهدي بنبركة في وصفه، وهو يحادث مرة، طبيب الحسن الثاني، الدكتور كليري، الذي روى مقولة المهدي في كتابه، حين قال له: ((تبوس اليد، تبوس الراس، وها أنت غني)).

وبوسة اليد، قديمة قدم الملكية، عندنا وعند التاريخ، مرتبطة بالتقاليد، مرتبطة بالنفوذ، لأنه ربما عندما يبوس أحد يد السلطان، فإن السلطان يشعر بالنشوة، نشوة القوة، وبالاعتراف بأنه هو الأعلى، هو السيد، وبينما البوسة بالنسبة للبواس، تختلف باختلاف الشخص المنحني، في أروبا وبعد الثورات التي أنتجت الحضارة، أصبحت تباس فقط يد المرأة، إذا كانت جميلة أو غنية، ولكنها بوسة أقرب منها إلى الإشارة، من قربها إلى البوسة الشهوانية.

طبعا.. الآسيويون الذين سبقونا يابانيوهم وهنود للحضارة، ابتدعوا منذ قرون، طرق التقدير والاحترام، للجميع لا للملك وحده، عبر الانحناءة المتبادلة.. من بعيد.. لا لمس ليد، ولا حتى المصافحة، لأنهم يعرفون خطر هذه اللمسات(…).

أما عندنا، فقد كانت بوسة اليد، من أيام مولاي إسماعيل الذي يقطع رأس كل من لا يبوس يده، إلى العهد الحالي، حيث ابلغت التشريفات الملكية، كل المسلّمين على الملك محمد السادس أن البوسة لم تبق مرتبطة بالطقوس الإلزامية، فإن الكثير لازالوا يبوسون، وفقا لمقولة المهدي بنبركة.

يبوسون من أجل الغنى، غنى المنصب، أو غنى البيزنيس، أو غنى الموقع الاجتماعي، حتى يراه مدير الضرائب وهو يقبل اليد الكريمة، ويراه في التلفزيون ضباط الجمارك، ورجال الأمن ورجال السلطة، فيصنفونه في عداد “الهاي كلاس” الذي يمكن يوما أن يصبح رئيسا للدرك أو عاملا أو واليا، أو مديرا للشرطة، وهي احتمالات ورثها المغاربة من أيام الحكم الطويلة للملك الحسن الثاني.

حيث كانت بوسة يده في كثير من الحالات، تنوب عن تصريح بالطاعة والولاء، رغم أن المنطق لا يجعل الملك كلما بيست يده يسأل شكون هذا.

وقد حاول الملك المؤسس محمد الخامس، أن يحرر هؤلاء المغاربة الذين حررهم من الاستعمار، من كابوس الجبروت السلطاني، المخزني وكان هو شخصيا لا يسلم يده للتقبيل إلا من بعيد، ومرة وكان يطل من شرفة قصره على ساحة المشور، حينما شاهد ولي عهده مولاي الحسن ينزل من السيارة، وعباد الله يتهافتون على يده لتقبيلها، ولاشك أن الحسن الثاني كان في تلك اللحظات يتدرب(…) ولكنه عندما وصل عند أبيه محمد الخامس، قال له: ((لاحظت أنك ماد يدك إلى الناس ليقبلوها، ولا يبدو عليك شيء من التضايق بل كنت مبتهجا فرحا، فلا تنس يا بني في المستقبل أن تسحب يدك عندما يقبل عليك الناس لتقبيلها، لأن تعلق الناس بنا مبدئي وروحي، لا يعبر عنه تقبيل اليد)) (التحدي. الحسن الثاني).

ولكن الحسن الثاني رحمه الله، كان يعتبر تقبيل يده، نوعا من الالتزام السياسي، في زمن كانت فيه المعارضة تذيقه المرائر، وكلما باس أحد يده كان في عمق صدره يقول: موتوا بغيظكم، أما عندما يكون أقطاب الأحزاب السياسية المعارضة، متهافتين عليه يديرون ظهورهم للكاميرا، حتى لا تصورهم وهم يبوسون، فإن الحسن الثاني يكون في أوج السعادة.

وأصبحت بوسة اليد تقليدا مخزنيا ذا مغزى سياسي، يراه كل واحد حسب شساعة منظاره، لأنه بقي في دار المخزن تقليدا شبه طبيعي، حتى سمعنا مؤخرا أن أحد الأمراء قدم شكاية وهو بين النعي والبكاء، يقول: فلان، وهو في خدمته، لم يبس يدي اليوم.

ومادام لكل ولد صغير، يتلقى من أفراد عائلته ما يكفي من البوس في إطار الأمومة، أو الأخوية، أو حتى العادة، ونرى كيف يفرح كل قلب عندما يرى طفلا بريئا، جميلا بحكم أن الله قال لنا: “خلقنا الإنسان في أحسن تقويم”، فإنه بديهي ألا يكون للبوسة مدلول في حق شخص رده الله “أسفل سافلين” إلا إذا كان شيخا وقورا يتهافت على تقبيل يده أولاده وأحفاده.

إلا أن هذا البوس كله، ولا أظن أنه متواجد في القرآن، لأن القرآن كان سباقا إلى معرفة المصير الزائل لكل عملية بوس، نظرا لما كان لها من أخطار بيولوجية، قديما وحديثا.

لنقرأ في تاريخ الدولة السعدية، حينما كتب ابن خلدون، أن الملك المنصور السعدي ((جاءته أيام فتح الأندلس، بعثة من طرف الملك الإسباني “هراندا” (سنة 700 ميلادية) يستنجد بالمنصور، ورسالته له تقول: هجم علي النصارى، وأنا شيخ عجوز وضعيف، أرجوك إنقاذي، وسافر المنصور السعدي عبر الجزيرة الخضراء إلى أن وصل قصر الملك “هراندا”، المستنجد به، وقد استقبل المنصور، بانحناء وطاعة، ثم انقض على يده يقبلها، فسارع المنصور الذهبي، إلى سحب يده، ثم نادى على الماء والطاس، ليغسل يده أمام الجميع)) (ابن خلدون).

فهل فطن الملك المنصور السعدي في ذلك الزمن منذ أكثر من ألف وثلاثمائة عام، إلى تواجد الميكروب، أم أنه عاش فترة فناء قبائل ومدن في المغرب، بسبب ما كان المغاربة يسمونه بالطاعون، لا ينقلون إحصائيات عن ضحاياه، وإنما ما بين صفحة للتاريخ وأخرى يكتبون ((تفاقم الطاعون بفاس ومات به أقوام))، ((وأيام السلطان مولاي عبد الله، ظهر الطاعون بتازة نحو شهر حتى كادت أن تخلى)) (الضعيف).

بل إن هذا المنصور السعدي، الذي سارع لغسل يديه عندما باسها له، أو لمس البصاق يد الملك، فسارع لغسلها، لم تكن هذه أول مرة، يظهر فيها الملك المنصور مهووسا، بالميكروب.

في ذلك الزمن، بل إننا نجد في التاريخ المغربي القديم، أن هذا المنصور السعدي نفسه كان يستقبل الناس في قصره، وهو خلف حجاب ((حتى جاء أحد العلماء واسمه أحمد بابا أبو العباس ليقابله فوجد الملك يكلمه من وراء الحجاب فقال له: إن الله تعالى يقول: “وما كان لبشر أن يكلم الله إلا وحيا أو من وراء حجاب”، وأنت تشبهت بالله)) (نزهة الحادي. المراكشي).

وقد أصبح الحجاب هذه الأيام في عصر الأنترنيت، شائعا بشكل عالمي، نتيجة انتشار أمراض تنقل بالمصافحة، والسيدا التي تنقل بالبوسة، والإيبولا، بالنسبة لمن لهم حيوانات مفششة. وجاءت هذه العوامل المرضية محفوفة بما قد تنقله البوسة اليدوية، من أمراض، خصوصا بالنسبة لمن لهم أجساد عاجزة عن الدفاع عن نفسها في مواجهة الهجمات الميكروبية، وأنتم تعرفون أخطار الأمراض التي تصيب من لا مناعة له.

وربما لو كان الملك الحسن الثاني حيا، لأصدر قرارا بمنع بوسة اليد، بعد أن كان هذا التقليد موقفا سياسيا، وصفه الأستاذ الباحث في شؤون اللغات شفيق، وقد أسر للكاتب الفرنسي إنياس دال ((بأن الحسن الثاني تربى في ثقافة المبالغة التقليدية وأنه حكى له أنه عندما كان سنه ثلاث عشرة سنة، أهداه أحدهم شعرا يبدي فيه الشاعر سعادته لأنه استطاع أن يبوس يد الأمير، فكيف ترون تحول هذا الحسن الثاني عندما يكون رجلا)) خصوصا بعد أن أصبح رجلا عظيما يتلاعب بالأزمات السياسية، ويتعامل مع أغلبية ممن هم مستعدون لتقديم أكثر من بوسة اليد للوصول لأهدافهم.

ورحم الله زمانا كان فيه الرجال يصلون إلى أهدافهم بوسائل أشرف من قبيل النبوغ الفكري والسياسي لأن البوسة في المجال السياسي، شيء، وفي المجال العاطفي شيء آخر، كأن يرغم البروطوكول المخزني شخصا على تقبيل اليد كشرط مرتبط بالاستقلال التشريفي، فإن المقابلة، رغم البوسة، تكون مثار إحساس بالغضب وقد تكون لها عواقب وخيمة، على العلاقة بين الذي يبوس، والذي يباس.

((يحكي الجاحظ أنه كان في مصر سلطان اسمه سلطان العلماء جاءه ببابه سلطان الشام من دمشق بعد أن أطاح به سلطان آخر تحالف مع الإفرنج.

وعندما طلب السلطان اللاجئ الدخول على السلطان المصري قال له الحاجب: ما نريد منك، شيئا، إلا أن تنكسر للسلطان وتقبل يده لا غير، فقال السلطان اللاجئ: يا مسكين أنا ما ارضاه أنا أن يقبل يدي، فضلا عن أن اقبل أنا يده، يا قوم: أنتم في واد وأنا في واد)) (كتاب التاج. الجاحظ).

لم يكن الأمر وقتها يتعلق بطاعون تنقله قبلة اليد، ولا بعالم ربما نحن فيه على أبواب إصدار قوانين عالمية، لمنع البوس والعناق، لما قد يتناقله البواسون، والمتعانقون لبعضهم من ميكروبات.

وأظن أن باحثا كبيرا مثل الأستاذ الطوزي، لم يبق بحاجة إلى ما كتبه عن مظاهر قبلة اليد، في بداية عهد الملك محمد السادس، حين كتب ((لم يفصح الملك الجديد، عن نوايا حقيقية، للابتعاد عن إرث والده وعن الممارسات المخزنية التقليدية، الشيء الذي خيب آمال التقدميين، الذين كانوا يأملون أن يقلع الملك الشاب عن مجموعة من التقاليد، ولعل أهمها تقبيل اليد)) (الملكية والإسلام السياسي. الطوزي).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!