في الأكشاك هذا الأسبوع

تافيلالت وسجلماسة… سلسلة مدن عريقة تحكي تاريخها

بقلم: محمد هاشم صوصي علوي

 

تافيلالت وسجلماسة

 

تعتبر تافيلالت من أكبر واحات المغرب وأعظمها مجدا، وأرسخها تاريخا وسؤددا، إذ هي مهد الدوحة العلوية وموطن شرفائها وأقطابها، كالحسن الداخل القادم من ينبوع النخيل بالحجاز والمجاهد الكبير مولاي علي الشريف جد ملوك الدولة العلوية الشريفة في المملكة المغربية.

“تافيلالت مهد مجيد كان ومازال منطقة خير وفضل، وصلاح وفلاح ترعرع في حضنه أئمة أعلوا الدين منارا، وفتقوا بعلومهم وإبداعاتهم للحضارات إشراقات وأنوارا، نالت على مر السنين من الأجيال إكبارا وإجلالا واعتبارا، حتى عاشت في الأقطار علومهم وأخبارهم وانتشرت صنائعهم وفنونهم انتشارا”.

وقد حباها الله كفاءات بشرية معروفة بمؤهلاتها المتميزة وبتاريخها العريق الطافح بالأمجاد، وبخيراتها الطبيعية الوفيرة.

وما يميز منطقة تافيلالت هو أنها إقليم حملة كتاب الله، فجل أبنائها يحفظون القرآن الكريم عن ظهر قلب، كما يحفظون أصول الفقه، والسنة النبوية، والمتون، وغيرها، ولذلك تعتبر أرض الأصالة والتراث والحضارة، ولا سيما أن تافيلالت بنيت وشيدت على أطلال حضارة عريقة لمدينة “سجلماسة”.

 

سجلماسة طريق الذهب والعلم والعمل

 

قال العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني رحمه الله في إحدى خطبه: “سجلماسة هذه إن لم تخني ذاكرتي مدينة بنيت حوالي 137هـ، قبل أن تكون الدولة المغربية واقفة على رجليها، يقال عن سجلماسة بناء على الحفريات والأفلام التي شاهدناها، والأوصاف التي ذكرها المؤرخون أنها كانت مدينة، بل عاصمة من العواصم الكبرى في ذلك الوقت. ويقال عنها ومن خلال تخطيطاتها إن بعض شوارعها كان يضاهي شارع “الشانزيليزيه” في باريس سواء في طوله أو عرضه”.

ووصف هذه المدينة العريقة في القدم بهذه الطريقة المثيرة للإعجاب والتقدير والإجلال، إن دل على شيء فإنما يدل على أن هذه المنطقة كانت تحتضن حضارة تنم عن تاريخ حافل بالأمجاد.

وإلى نفس الرأي يذهب “مارمول كربخال” في كتابه حول إفريقيا حيث يقول: “سجلماسة مدينة قديمة، ترجع بعض الروايات بناءها إلى أحد الضباط الرومان، الذي استولى على نوميديا بأكملها وزحف بجنوده حتى وصل إلى المكان الذي يعتبر مدخل نهر زيز إلى هذا الإقليم وبنى مدينة ماسة ثم سماها “سجلوماسة” التي تعني في اللغة اللاتينية “خاتم النصر”.

وقد كانت حسب روايات تاريخية، عاصمة تجارية، منها وإليها تشد الرحال، عبر وسائل النقل بما فيها البهائم والجمال، وفيها كان يوجد أكبر سوق لتجارة الذهب والفضة، والملح والحرير والسكر… إلى غير ذلك.

فكل تجار إفريقيا، كانوا يقصدونها، وخاصة من السودان وغيرها.

قوافل تأتي وأخرى تعود محملة بالبضائع والسلع النادرة، ولعل ازدهار التجارة بها هو السبب في تطور عمرانها، ولنفس الشيء يذهب “مارمول كربخال” في المرجع السابق حيث يقول: “تقع مدينة سجلماسة في سهل بجانب وادي زيز، ولها أسوار عالية وجميلة مازالت آثارها قائمة. كانت المدينة زناتية قبل أن يستولي عليها يوسف بن تاشفين، وكانت غنية تمر بها القوافل الراحلة إلى السودان أو القادمة منه.

وكان يوجد بها الكثير من المساجد والمدارس، وفي كل حين كانت تتدفق المياه في النافورات والسقايات، وكان الماء يجلب إليها من نهر زيز بواسطة ناعورات خشبية تدور فتمتلئ أوعيتها بالماء ثم تصب في قنوات تفرغه بدورها بمستودعات مرتفعة، ومنها يصب في قنوات أخرى تمر عبر المدينة.

إنها سجلماسة… طريق الذهب لذلك ظلت القوافل تقطع عباب الصحراء محملة بألوان السلع وأشكال المعادن كريمها وعزيزها، وهي طريق العمل – في اعتقادي- نظرا لازدهار الصناعات والحرف التقليدية بها كذلك، وكما أنها طريق العلم لكونها كانت تحتضن مدارس عتيقة تقليدية لتدريس العلم والمتون.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!