في الأكشاك هذا الأسبوع
البغدادي

الحـقــيقة الضــــائعة | اِبحثوا عن “داعش” في عقول كثير من المغاربة

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

           كانت الأمطار تتهاطل غزيرة، قد فاجأت فيالق الجيش التي كانت متراصة في ساحة الإعدام، داخل السجن المركزي بالقنيطرة، في ذلك الصباح الباكر من يوم 13 يناير 1973، والمحكوم عليهم متراصون مغمضي العيون، وعددهم أحد عشر ضابطا، مسؤولين عن الهجوم على الطائرة الملكية يوم 16 غشت 1972، وبينهم الكولونيل أمقران، والكولونيل الكويرة، وبغتة يطلق رئيس فيلق الإعدام، كلمة “نار”، لترتفع في أجواء السجن، هتافات الأحد عشر محكوما وقد صاحوا بصوت واحد: الله أكبر، آخر ما قالوه قبل الموت. تماما.. الله أكبر، التي نسمعها صادرة من أفواه المقاتلين في سوريا وفي العراق، وجنود منظمة داعش، هذه الأيام، وقد أصبحت داعش أكبر تحد لأكبر تحالف عالمي، يضم أعظم الدول، بما فيها روسيا وإيران، التي أعلنت هي أيضا، إدانتها لمنظمة داعش.

وقد يدعي مدع، بأن هتاف الأحد عشر معدوما بنداء “الله أكبر” إنما هو مجرد ردة فعل بديهية من طرف أي مسلم ساعة إعدامه، بينما المنطق هو أن يصيحوا: لا إله إلا الله، إلا أن الهتاف بمقولة الله أكبر، لا يخلو من تلميح، إلى أن الأمر يتعلق بعقيدة جهادية، أكدت الأخبار المنشورة فيما بعد، أن رئيس هؤلاء المعدمين الكولونيل الريفي، أمقران، عندما سألته المحكمة، عن كلمته الأخيرة قبل الحكم، رفع صوته بشجاعة متناهية قائلا: ((إذا كنت سأفقد حياتي، فالله يعلم أني أقدمها، فداء لنصرة الإسلام))، أما الريفي الثاني أمام المحكمة “الكويرة” فقد تولى محاميه التصريح أمام المحكمة: إن الكومندان الكويرة، سيموت مسلما ملتزما بدينه الإسلامي.

الصحفي الذي نقل هذه الجزئيات، وكان حاضرا في المحكمة، وهو الذي روى متأكدا، من شهادة أحد الحاضرين، قضية “الله أكبر” ساعة الإعدام، وهو المراسل البريطاني، ستيفن هيوز، فقد قدم الحجة على أن الدولة المغربية، انزعجت وقتها من ظاهرة الله أكبر، حين استدعاه وزير الإعلام، والوكيل العام للدولة، محمد مجيد بن جلون، الذي قال له: إذا حصل أن نشرت هذه الجزئيات، فإني سأطردك من المغرب، لذلك احتفظ الصحفي بهذا السر، لينشره في مذكراته التي طبعها قبل أن يموت بشهور.

وإذا كانت جميع المصادر الإعلامية العالمية، قد نشرت بالصوت والصورة، خطاب زعيم داعش، البغدادي، وهو يحمل في يده ساعة يدوية مذهبة، فإن أحد المشاركين في انقلاب الصخيرات، 10 يوليوز 1971، محمد الرايس، كتب في مذكراته، أن رئيس المحاولة الانقلابية، الكولونيل عبابو ((كان يزين صدره بنياشين من ذهب، ويحمل في يده، ساعة يدوية من طراز بياجي)) تماما مثل بغدادي داعش.

وبقدر ما تجمع هتافات الله أكبر، بين داعش، ومنظمي انقلاب الطائرة، سنة 1972، فإن ظاهرة الذبح الهمجي لجنود داعش، مارسها ونفذها أيضا المهاجمون للقصر الملكي ليقول نفس الضابط المرزوقي: ((لقد كان عبابو يهدد في أوامره داخل قصر الصخيرات، البورجواية الفاسية(…) ورجاله يفتشون بطريقة متوحشة، وجنوده مستعدون لذبح أي كان(…) فقد كان عبابو يمضغ اللحم البشري مثل العلك)).

وطبعا، قتل دكاترة ومدعوون فرنسيون وأمريكيون في مجزرة الصخيرات، تماما كما قتلت داعش مؤخرا صحفيين أمريكيين، إن لم تكن عملية الصخيرات، جمعت نماذج دموية كتب أحد شهودها، بناصر غنام، إطار في وزارة الأوقاف في “كتاب أحداث الصخيرات” ((ينادي عبابو على أشخاص، وكل من تقدم يتم إعدامه)).

فلا نستغرب إذن، لتواجد مئات المغاربة في صفوف داعش، ولماذا الاستغراب، وقد أصبحت القضية تتجاوز المغرب، لتصبح ظاهرة عالمية، وها هي الإحصائيات، تؤكد تواجد متطوعين من واحد وثمانين دولة، مع هذه المنظمات الجهادية، مادام أنه ليس من حقنا أن نتهم الذين يحاربون السفاح بشار الأسد، بالإرهابيين وفيهم ثلاثة آلاف تونسي، حسب إحصائيات وكالة فرنس بريس، وألفين وخمسمائة سعودي، وألف وخمسمائة مغربي، ومائتي جزائري، إضافة إلى الأمريكيين والإنجليز، ممن إذا لم يفهم العالم، حتمية التخلص من بشار الأسد، فإنهم سيتحولون جميعا لدعم صفوف داعش.

داعش، دولة العراق والشام التي تخطط لإقامة دولة واحدة في أراضي سوريا والعراق والتي تعتبر، رغم المواخذات عليها، تجمعا لليائسين الذين إذا عجزوا عن ضرب العدو الحقيقي إسرائيل، فإنهم سيتخذون مستقرا لهم ومقاما، في أطراف العالم العربي والإسلامي، من الخليج إلى المحيط(…) وها هي الأطراف الفاعلة والمؤثرة، على منظمة داعش، وأغلب الناشطين فيها مغاربة، وأغلب قاطعي الرؤوس، مغاربة، تبحث عن سبل للوصول إلى شمال إفريقيا، والدولة الوحيدة المستقرة فيها أمنيا، هي المغرب، مادامت الجزائر تعرف تحركات سلفية مسلحة في داخلها وليبيا التي أصبحت مرتعا للمليشيات، وتونس، وهذا المجال المفتوح ماديا ومعنويا في صحراء الجزائر ومالي، وحتى موريطانيا، وها هو رئيس المكتب الاستشاري لمنظمة العدل والتنمية، زيدان القناني، يتحدث بصراحة، عما يسميه ((قاعدة شمال إفريقيا تعد خريطة ما يسمى إمارة جبل طارق الإسلامية، لإعلان الخلافة، تنفيذا لخطط داعش، بعد إعلان إمارة الصحراء الإسلامية)).

ويخطئ الكثير من المتابعين، عندنا، وفي جميع أنحاء الجهات المهددة، عندما لا يعطون التفسير الصحيح، لمدلول الإمارة الإسلامية، التي توجزها القوات الكبرى والحلف الأطلسي، في أنها مجرد منظمات إرهابية، مثلما يخطئ الكثير من المفكرين والباحثين، عندنا وعندهم، عندما يتمترسون خلف جدار الصمت، منتظرين ما سيتخذه الرئيس الأمريكي أوباما من قرارات لحمايتهم(…) بينما الرئيس أوباما مثل رؤساء الدول الكبرى، لا يفتؤون يتوصلون بتقارير مفرحة، عما يسمونه العملية الانتحارية للإسلام، وقد كانت إحصائيات سنة 2010 تظهر الإسلام كديانة تفوقت عالميا على كل الديانات، وأن العقيدة الإسلامية، هي التي كانت سبب القضاء على الاستعمار الغربي، حين كانت صواريخ صدام حسين، تضرب عاصمة إسرائيل تل أبيب أثناء حرب الكويت وأسلحة القذافي تقض مضاجع الدول المواجهة له على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، ومؤتمرات القمة العربية والإسلامية التي ارتاحوا منها بموت الحسن الثاني، لينقرض كل شك، في أن يكون الواقع الإسلامي الحالي، بريئا من التخطيطات الإسرائيلية والغربية والمسيحية، وقد أصبحت الجامعة العربية ومنظمة التضامن الإسلامي خبرا بعد عين.

وها هو خبر من الأهمية بمكان، يتزامن مع هذه الأحداث وينشر دون تعليق من طرف أي عالم إسلامي، أو باحث رباني، حين صدر تقرير نسب إلى أحد مكاتب الأبحاث السعودية، وأكدته جريدة “الأندبندنت” البريطانية في بداية شتنبر الجاري يتحدث عن التخطيط لهدم قبر الرسول عليه السلام، وتحويل جثمانه إلى مدفن سري، لإزالة أثار المدينة المنورة، التي تعتبر زيارتها نوعا من الإلحاد، حسب مبررهم.

المخطط الذي يستهدف الإسلام كديانة متميزة، وقد سمعنا ابنة الرئيس الأمريكي بوش تعتنق الإسلام، يكاد ينطق بما سكن، باستعمال حركة داعش، كأداة ناسفة، لتخويف العالم من الإسلام، بل وتكريه الإسلام لدى مجموعة من ضعاف الإيمان من المسلمين، وكذا وضع حد لإعلان حشود من المسيحيين في العالم انضمامهم لهذا الإسلام المشغول بذبح الناس.

أما الخلافة الإسلامية التي دعا لها البغدادي عبر حركته داعش فليست صيغة بريئة ولا بعيدة عن هذا المخطط الصهيوني الكبير، لأن هذا الزعيم البغدادي ومنذ خطابه في مسجد الموصل، ثاني مدن العراق بعد بغداد، ولازال يتخذها عاصمة لداعش، رغم تهديدات الحلف الأطلسي والهجمات الجوية الأمريكية، لكن هذا البغدادي لم يقدم برنامجا ولا مخططا، ولا أعلن انتماءه لجهة إسلامية معينة ولا هاجم إسرائيل، وإنما اكتفى أولا وأخيرا بقتل آلاف الأطفال والنساء والشباب، وذبح الصحفيين، وما خفى وما لم ينشر من أعمال إجرامية أخرى، لا تستهدف إقامة خلافة ولا إمارة إسلامية على أسس منطقية، وإنما هي قرارات إجرامية محدودة، تستهدف إثارة الغضب العالمي على الإسلام، وكان خليقا بعلماء الإسلام في المشرق كما في المغرب، أن يتحركوا لتحليل واستنكار هذه الأساليب الإجرامية المخططة قصد الإساءة للإسلام.

وإذا كان السنة والشيعة، يتصارعون منذ مقتل الإمام الحسين في كربلاء بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بسنين قليلة، فإن أنصار هؤلاء المتصارعين لم يسبق لهم أن أساؤوا إلى ديانات أخرى، ولا علقوا كما فعل البغدادي جثامين المسيحيين فوق جدران الكنائس.

كما أن طوائف الوهابية السعودية التي يتهمها البعض بأن لها أياد في أطراف الصراع الحالي، مثلما ركبت المعارضة الجزائرية المسلحة، طريقة الأباظية، لتبرير معارضتها. كلها تجارب فشلت منذ فجر الإسلام، في إضعاف العالم الإسلامي، وها نحن نرى كل التحركات هذه الأيام، تعمل لحساب المخطط الصهيوني والمسيحي لإضعاف الإسلام.

ونحن المغاربة على الخصوص، نذكر كيف أن الاستعمار الفرنسي، عندما ووجه بالمقاومة المسلحة المغربية إلى حدود سنة 1936، لجأ هو أيضا إلى سلاح التجزئة الطائفية الدينية، ليجد السلاطين المغاربة بعد موت الحسن الأول، أنفسهم غارقين في صراعات الطوائف المتدينة: عيساوة، وحمادشة، ودرقاوة، وأولاد سيدي احماد وموس، والتيجانيين، ليجد الفرنسيون في إحدى الفترات، أجهزتهم أكثر تفاهما مع الشيخ الكتاني، الذي أرادوا إعلانه أميرا.. حين ((جاء السفير الفرنسي لمقابلة الشيخ عبد الحي الكتاني في مارس 1909، ويسأل الترجمان: قل له لماذا يفسد علينا الناس، هل يريد أن يكون سلطانا)) (الحركة الحفيظية. علال الخديمي).

درقاوة هؤلاء الذين أصبحت لهم الكلمة المسموعة هي الطريقة التي كان يسندها الباشا البغدادي على اسم بغدادي داعش، وكان البغدادي الفاسي جبارا عنيدا، استعمل طريقته الدرقاوية للضغط على الفرنسيين لإبعاد الملك محمد الخامس، فلما عاد الملك من المنفى صعد هذا البغدادي وسط الجماهير متخفيا لاستبقال الملك العائد، لولا أن الجماهير الفاسية تعرفت عليه وقتلته وهو داخل المشور الملكي.

الطرق الدينية المتفرعة عن السنة والشيعة، انتشرت في المغرب بشكل شاع معها المثل المغربي القديم ((قل لي إلى أية طريقة تنتمي أقول لك من أنت)).

المؤرخ الفرنسي دنييل ريفي، فسر انتشار الطرق الدينية في المغرب، وسماها بمسماها الحقيقي، الإمارة، وكتب: ((الزاوية مركز اجتماعي في المناطق الحضرية، الزاوية تعادل دور الكنيسة المسيحية، زاوية تعني الإمارة الدينية)) (مؤسسة ليوطي. ريفي).

وإذا كانت الطرق السلفية والطوائف الدينية، مزقت تاريخ الأمة العربية والإسلامية في التاريخ، فلماذا نستغرب استفحال هذه الظاهرة في عصر الأنترنيت، والدهاء السياسي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!