في الأكشاك هذا الأسبوع

عدد كلمات اللغة العربية 12 مليونا والفرنسية 150 ألفا فقط

     كانت الأمور بألف خير على مستوى التعليم العالي فيما قبل، بالنسبة لما هو عليه بعد الإصلاح الذي استحدثت على إثره اللجنة الوطنية لتنسيق التعليم العالي. فكما رأينا في ما تم نشره الأسبوع الماضي فقد تم إحداث إصلاح جامعي مدمر، تحولت بمقتضاه المؤسسات الجامعية إلى مؤسسات مقنعة للتكوين المهني الرديء، مع العمل على تعميم شعار “تكافؤ الفرص” في الكسل و”مدرسة النجاح” للجميع على الجامعة. فبدل القيام بإصلاح جامعي كفيل بالتصدي للنزيف الحاد الذي أحدثته الإصلاحات المعطبة على مستوى أطوار التعليم ما قبل الجامعي، والتي تسببت في تدمير عوامل المناعة بمنظومتنا التعليمية، فقد تم تبني إصلاح جامعي بنفس المعايير لتأمين المسار حتى للأميين للحصول على شهادات جامعية شاهدة على إفلاسنا في تسيير أمورنا. التلاميذ والطلبة الذين يحلو لنا تسميتهم أبناءنا ليسوا بلداء وكسلاء وغشاشين بطبعهم، فنحن، كمسؤولين وكمدرسين وكآباء، من نتحمل المسؤولية كاملة عن كل ما يعانونه من ضياع. نعم، أحدثت اللجنة الوطنية لتنسيق التعليم العالي لإصلاحه، فكانت النتيجة “إعطاب” بكل المقاييس.

كما تم إحداث المجلس الأعلى للتعليم، وتم تفعيله مؤخرا ليسهم في إصلاح المنظومة التربوية، ونتمنى ألا يتحول إلى رقم لا يغير في المعادلة شيئا، هذا إن لم يزد الأوضاع تدهورا إذا لم يقم الأعضاء الملمون بشؤون التعليم والمعايشون لهمومه بما يجب القيام به لإعادة الأمور إلى نصابها متى تعلق الأمر بطرح رؤى، أو تقديم مشاريع عبثية غريبة عن التربية والتعليم ستجهز على بصيص الأمل الذي نتمسك به. فكيف يعقل أن يصر بعض الأعضاء، من خلال ما تسرب عن الجلسة الأولى الرسمية للمجلس، على طرح مشروع التدريس بالدارجة، “لغة” الأميين لإصلاح التعليم؟ فعن أي تعليم يتم الحديث إذا؟ في مركز الدراسات والأبحاث والتقييم للتربية والتكوين لا نتبنى اعتماد أية لغة للتدريس، لأن مثل هذه المواضيع هي التي تتطلب التوافق بين مكونات المجتمع، بشرط أن يكون على أسس علمية محضة. لكن كأخصائي في شؤون التربية والتعليم سألقي الضوء بكيفية مقتضبة على اللغة العربية، حجر الزاوية في هويتنا الحضارية كمغاربة، ومدى قابليتها لتدريس العلوم بكل أصنافها وتعقيداتها. ولكي لا أطيل أقول، فحتى في أدق الأمور، كالتعبير عن الشيء المجهول في الرياضيات بالحرف اللاتيني “إيكس” (X)، يرجع الأصل فيه للغة العربية، لغة الرياضيات والهندسة والجبر والكيمياء والفيزياء والفلك والطب والجغرافيا والجيولوجيا، إلخ. والمثير في هذا الأمر، أن يتطرق الفكاهي الأمريكي “تيري مور” éTerry Moore” لهذا الموضوع العلمي، المغيب عنا وعن أبنائنا، في قاعة تغص بالجمهور الأمريكي بولاية كاليفورنيا، خلال شهر مارس 2012. تدور فكرة الفكاهة حول السر في التعبير عن الشيء المجهول بالحرف اللاتيني “إيكس” (X)؟ ومن بين ما قاله “قبل ست سنوات من الآن قررت تعلم العربية، فتعرفت على لغة منطقية للغاية؛ فكتابة عبارة أو جملة أو فقرة يماثل وضع معادلة رياضية، كل طرف فيها دقيق جدا ويحتوي على الكثير من المعلومات”. ويقول كذلك “إن هذا هو أحد الأسباب التي تجعل الكثير من العلوم والهندسة والرياضيات التي نعتبرها غربية، قد تم التأسيس لها خلال القرون الوسطى من قبل العرب”. لن أطيل أكثر مما يسمح به المقال لأقول لمن لا يعرف مكانة اللغة العربية العلمية وعظمتها إن عدد كلماتها 12.302.912، بينما عدد كلمات الإنجليزية 600.000، والفرنسية 150.000، والروسية 130.000. فهل من تعليق، غير القول إن طوق الجهل المستحكم الذي أحاط بنا من كل الجوانب يشكل حاجزا منيعا بيننا وبين كنوزنا اللغوية والحضارية الرائعة والرائدة.

 أ. د. عبد الله لخلوفي

    رئيس مركز الدراسات والأبحاث و التقييم للتربية والتكوين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!