في الأكشاك هذا الأسبوع
الراحل الحسن الثاني يستقبل الرئيس الجزائري الهواري بومدين

عندما قال الحسن الثاني: “تسرني رئاسة الجزائر من طرف شخص يمكن مصافحته”

مقدمة:

     قال “أوتو إدوارد ليوبولد فون بسمارك” “Otto von Bismarck” موحد ألمانيا سنة 1871، ومؤسس ما يعرف بالرايخ الألماني الثاني”كل شيء قابل للتغيير ما عدا الحدود الجغرافية“. وقد قال هذه المقولة المأثورة وهو منتشيا بانتصار بلده في الحرب الألمانية الفرنسية سنة 1870، والتي انتهت بفوز الألمان، وانهيار الإمبراطورية الفرنسية. وتدل هذه المقولة على نظرة الرجل المتشائمة للمستقبل حتى بعد فوزه في الحرب على فرنسا، يوم أن كانت سماء أوروبا ملبدة بغيوم الحرب التي من الممكن أن تشتعل في أية لحظة. وكان في ذلك تلميح للاستعداد للحرب في كل لحظة، لأن الحدود الجغرافية غير قابلة للتغير، ولأن الجار هو عدو لدود دائما وليس هناك ما هو أسوأ من الجار الخالق للمتاعب.

——————–

      الحالة الفرنسية الألمانية سنة 1870 إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت شبيهة بحالة المغرب والجزائر منذ حرب 1963 أو حرب الرمال إلى الآن. حيث تميزت العلاقات بين البلدين بالتوتر منذ استقلال المغرب وكفاح الجزائر للحصول على استقلاله، وقد توج هذا التوتر بحرب الرمال التي جاءت بعد أشهر من استقلال الجزائر.

غير أن انقلاب 1965 في الجزائر بقيادة العقيد هواري بومدين، فتح للبلدين أفقا جديدا لعلاقات جديدة، حيث صرح الحسن الثاني بسرور، وبنظرة تحمل تفاؤلا بمستقبل مشرق مع جارته قائلا في قائد الانقلاب هواري بومدين “تسرني رئاسة الجزائر من طرف شخص يمكنني محاورته ومصافحته“. وقد كان للحسن الثاني بعد ذلك ما أراد، حيث وجد رجلا يمكنه مصافحته، ومحاورته، وليس تواقا للحرب، وإنما يفضل حلولا أخرى وعلاقات من نوع آخر.

وقد برز هذا التغير، والاتجاه الجديد في العلاقات بين البلدين من خلال عدة اتصالات بين الرجلين، توجت بزيارة الرئيس الجزائري بومدين للمغرب في يناير 1969. وقد كان لهذه الزيارة وقع كبير على الولايات المتحدة الأمريكية، التي رأت في هذا التطور ضررا بمصالحها في المنطقة، حيث كان العالم آنذاك يعيش على وقع القطبية الثنائية. وكانت مرحلة الستينيات والسبعينيات تعرف بمرحلة نقل رحى الصراع البارد بين القطبين إلى البحر الأبيض المتوسط، يوم امتلأ حوض هذا البحر بالبوارج الحربية السوفياتية والأمريكية. وعلى هذا الأساس فقد كان المعسكران ينظران باهتمام لكل صغيرة وكبيرة في هذه المنطقة، وقد رأت أمريكا في التقارب المغربي الجزائري مشكلا كبيرا لها، وهو ما تؤكده إحدى الوثائق وهي عبارة عن تقرير أعده “توماس هوكس”مدير مكتب الاستخبارات والأبحاث لدى وزارة الخارجية الأمريكية، لنفس الوزارة، بتاريخ 19 مارس 1969، أي بعد زيارة بومدين للمغرب بأقل من شهرين. وقد رفع عنها طابع السرية بتاريخ 6 شتنبر 2007، وهي من وثائق الرئيس الأمريكي “نيكسون ريشارد” (1969 – 1974)، وتحمل عنوان: “اتجاهات سياسية جديدة في المغرب العربي“.

—————–

مقدمة وثيقة تعود ملكيتها للرئيس الأمريكي "ريشارد نيكسون" تحت عنوان: "اتجاهات سياسية جديدة في المغرب العربي"

مقدمة وثيقة تعود ملكيتها للرئيس الأمريكي “ريشارد نيكسون” تحت عنوان: “اتجاهات سياسية جديدة في المغرب العربي”

مخاطر التقارب المغربي الجزائري على أمريكا

 

يستهل صاحب التقرير تقريره بنظرة تحمل كثيرا من التشاؤم بخصوص تطور العلاقات المغربية الجزائرية، حيث لاحظ أن النشاط الدبلوماسي في المغرب الكبير تسارع بوتيرة كبيرة، وخصوصا بعد الزيارة التي قام بها الرئيس الجزائري هواري بومدين إلى المغرب في يناير 1969، والتي وصفها بالناجحة. ويشير من خلال تقريره إلى أن “كتلة دول عدم الانحياز” هي كلمة السر وعامل التقارب مرة أخرى بين المغرب والجزائر، وإن لم يكن لها تأثير ولا وقع على تونس أو ليبيا.

ويشير التقرير إلى أن هذا المناخ الجديد الذي خلقه التقارب المغربي الجزائري من شأنه أن يضع قيودا على نفوذ الاتحاد السوفياتي في شمال إفريقيا. ولكن الأهم حسب التقرير، أن من شأن ذلك التقارب أن تكون له سلبيات كبيرة على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية. غير أنه لا يخفي تفاؤله من كون تعزيز الاستقرار والتعاون بين البلدين، من شأنه أن يوفر مجالا هاما لمصالح الولايات المتحدة. كما من شأنه أن يكون مفيدا لرد الكثير من المخاطر التي تتربص المنطقة في كثير من الجوانب.

——————–

عوامل الاستقرار في المغرب العربي

 

ويشير التقرير إلى أن المناخ الجديد في المغرب العربي، القائم على بوادر الاستقرار والتعاون، كان العامل الأساسي فيه هو التقارب الجزائري المغربي. وذلك من خلال عزم البلدين على ما يبدو، على جعل العلاقة ترقى إلى علاقة صداقة، من خلال معاهدة الصداقة الموقعة في يناير بين الملك الحسن الثاني والرئيس الجزائري هواري بومدين، وتوقيع اتفاق مالي يوم 19 مارس 1969. كما سعى البلدان إلى الترويج لِقِمَة المغرب العربي لجلب تونس وليبيا على الخط.

كما أن المناخ الدولي كان مساعدا لذلك، حيث شكل قدومإدارة جديدةفي واشنطن، ومحادثات الرئيس الأمريكي نيكسون، والرئيس الفرنسي ديغول بشأن البحر الأبيض المتوسط،واقتراح وزير الخارجية الإسبانيبأنالبحر الأبيض المتوسط​​يجبتطهيره منكل من أساطيل الولايات المتحدةوالأساطيلالسوفياتية،ساهمفي خلق جو منالاضطرابالدوليالذي أثر فيالمزاج العام فيالمغرب العربي إيجابا، ونتج عنه التقارب المغربي الجزائري.

——————–

الانفلات من الرقابة الأمريكية

 

ويستطرد صاحب التقرير في تفسير هذا التحول الذي أدى تقارب المغرب والجزائر، ويعود إلى سيرورة التطور التي أوصلت إلى هذا الأمر. وينطلق من المغرب، حيث يشير في هذا التقرير إلى أن المغرب بحث عن شركاء جدد منذ أن علقت فرنسا الكثير من دعمها في أعقاب قضية المهدي بن بركة في نهاية 1965، وهو الأمر الذي جعل المغرب يبحث عن مزيد من الحرية الدبلوماسية. وعامل آخر وهو حرب 1967 في الشرق الأوسط، والتي جعلت الولايات المتحدة تتأخر في التزام توفير الدعم المالي للمغرب المقدر بـ14 مليون دولار لتطوير قدراته العسكرية، وهو أمر جعل المغرب يتوصل الى دبلوماسية محايدة مع كل الأطراف القوية.

وقد كان من نتائج ذلك التطور التدريجي في العلاقات المغربية مع الاتحاد السوفياتي، وهو ما جعلالمغرب يتطلع للزيارة التي قام بها الرئيس السوفياتي “نيكولاي بودجورني” أملا في الحصول على المزيد من المساعدات الاقتصادية لتمويل المغرب لمخططه الاقتصادي الممتد لخمس سنوات. وفي الوقت نفسه يسعى المغاربة للحصول على دعوة من أمريكا ليقوم الحسن الثاني بزيارة لواشنطن.

أما بخصوص الجزائر، فيشير التقرير إلى أنها توجهت للبحث عن بدائل، حيث إنها سعت لتجنب الإفراط في الاعتماد على الاتحاد السوفياتي، حيث يشير التقرير إلى أنها سئمت من الانتقادات الغربية بخصوص اعتمادها على الاتحاد السوفياتي، وهو ما جعل بومدين يسعى لإثبات استقلاليته بواسطة تطوير العلاقات مع جيرانه المحافظين وعلى رأسهم المغرب وفرنسا. ولتضييق الجزائريين على السوفيات، فقد سعوا للمزيد من المساعدات العسكرية الفرنسية حيث وافقوا على زيارة الوزير الفرنسي للشؤون الخارجية إلى الجزائر.

—————-

التعاون المغربي الجزائري مشكلة لأمريكا

 

يرى صاحب التقرير أن الأثار المترتبة بالنسبة للولايات المتحدة عن التحرك نحو “عدم الانحياز” التي أدت إلى تقارب مغربي جزائري، قد يكون لها نتائج سلبية أكثر على الولايات المتحدة من الاتحاد السوفييتي. ولا يرى صاحب التقرير في تقرب المغرب من الاتحاد السوفياتي خطرا، بقدر ما يرى أن المشكل الأكبر في الجزائر، التي لم تظهر الرغبة في التقرب من أمريكا. وما زاد من شكوك أمريكا أن بومدين اعتبر الأسطول السادس الأمريكي الموجود في عرض البحر الأبيض المتوسط، بمثابة تهديد لاستقلال الجزائر، في حين أنه لم يدن وجود الأسطول السوفياتي.

ويرى صاحب التقرير أن قرار الجزائرتحسين العلاقاتمع جيرانهاربمايشكلمساهمة كبيرة فيتحقيق الاستقرار فيمنطقةمزقتهاالخصومات طويلا، وهي المنطقة التي تحتفظالولايات المتحدة الأمريكية بمصالح مهمة فيها.

لقد أشار صاحب التقرير إلى أن كتلة دول عدم الانحياز هي من ساهم في هذا التقارب بين البلدين. أما الآن، فليس هناك كتلة دول عدم الانحياز، والعالم يعيش على نظام القطبية الأحادية، الذي تشكله أمريكا، وأمريكا لا ترغب في التوافق المغربي الجزائري، لأن إفريقيا تعرف تحولا، ولأمريكا مصلحة في أن تبقى العلاقة بين المغرب والجزائر كما هي لتتمكن من النفاذ إلى إفريقيا التي تشكل مستقبل العالم بامتياز، بارتياح. وعلى هذا الأساس يجوز لنا القول إنه لن يكون هناك تقارب مغربي جزائري أو فتح للحدود ولو أمطرت السماء توافقا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!