في الأكشاك هذا الأسبوع
الجنرال المذبوح في صورة من أرشيف "الأسبوع"، ويظهر فيها خلف الملك الحسن الثاني في مناورات الحاجب، وهي الفترة التي كان المذبوح يفاوض فيها السفير الأمريكي، حول الدور الروسي في المغرب.

روبورتاج | هل ستأكل روسيا طماطم المغرب وهل ستدعم المغرب في قضية الصحراء

مقدمة

      قال الملك محمد السادس في خطاب 20 غشت 2014 بأن المغرب مستقبلا، سيتعاون مع دول أخرى(…) بما فيه روسيا، دون أن يذكر فرنسا من بين تلك الدول، وهو تغيير في السياسة تجاه فرنسا، بدأت بوادره تظهر على ملامح السوق المغربية، بعد أن أصبحت الطماطم المغربية تباع بدرهم للكيلو، بعد أن ضربت عليها بعض الأسواق الأوروبية الحصار.

فهل ستأكل روسيا طماطم المغرب؟ وهل ستعوض السوق الفرنسية؟ وهل ستدعم المغرب في قضية الصحراء؟

تساؤلات طرحها الجنرال المذبوح قبل انقلاب الصخيرات على السفير الأمريكي الذي كتب هذه المذكرة لحكومته، وبها نلمح إلى خطر تحضير الروس لانقلاب النظام في المغرب.

 

—————

لقد شهدت الساحة الدولية تطورات مهمة في الآونة الأخيرة، ولعل أهمها الأزمة الأوكرانية التي انتهت بفرض عقوبات اقتصادية على روسيا الاتحادية، على اعتبارها الدولة التي تساعد وتساند الانفصاليين في أوكرانيا.

وقد كان ذلك إيذانا بدخول روسيا والقوى العظمى في شبه مواجهة مباشرة، انتهت بفرض الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأمريكية عقوبات اقتصادية على روسيا. وقد كان لهذا الحدث تأثير بالغ في كثير من الدول البعيدة عن بؤرة الصراع، وذلك بعدما قررت روسيا التعامل بالمثل مع الدول التي فرضت عليها العقوبات، وهو الأمر الذي جعلها تبحث عن تحالفات جديدة للتعاون الاقتصادي.

 

سياق توسيع المغرب علاقاته مع روسيا

 

لقد كان من بين الدول التي قررت روسيا أن توسع التعاون مع المغرب، على اعتباره أحد أهم المصدرين للمنتجات الفلاحية. وقد كان هذا الأخير يعاني من ضائقة بعدما توترت العلاقات بينه وبين الاتحاد الأوروبي، بخصوص إعادة نظر هذا الأخير في الاتفاقية الموقعة مع المغرب بخصوص تصدير منتجاته الفلاحية.

وقد انعكس هذا التحول على الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الواحدة والستين لثورة الملك والشعب، عندما خصص حيزا هاما من الخطاب للحديث عن توسيع علاقات المملكة مع الصين وروسيا والخليج وإفريقيا. ولقد أسهبت المنابر الإعلامية المغربية في الحديث عن هذا “التحول” وكان السؤال الذي جرت مناقشته هو: هل يعد الأمر سحبا للبساط من تحت أقدام “الشركاء التقليديين” للمغرب، وفي مقدمتهم فرنسا وإسبانيا، وبدرجة أقل الولايات المتحدة الأمريكية؟

 

كيف ستتعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع التقارب المغربي الروسي؟

 

نريد من خلال هذا المقال أن نعالج الموضوع من وجهة نظر أخرى، وهو كيف ستتعامل هذه الدول مع التقارب المغربي الروسي، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية؟ لا نقدر على تقديم إجابة عن هذا السؤال، ولكن في التاريخ القريب منا يثبت أن المغرب دخل في علاقة مع الاتحاد السوفياتي مشابهة لما قد يحدث الآن مع روسيا. فقد دشنت هذه العلاقة بزيارة للملك الحسن الثانيإلى موسكو في أكتوبر 1966، وتم خلالها التوقيع على اتفاقيات التعاون في مجالات الثقافة، والبث الإذاعي والتلفزيوني، والاقتصاد، وفي مجال العلم والتقنية. وانتهت بزيارة الرئيس الروسي نيكولاي بودغورني في أبريل إلى المغرب عام 1969.

وقد خلف هذا التقارب ردود أفعال داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وقد أثبتت بعض وثائق وزارة الخارجية الأمريكية مدى الاهتمام بعلاقات المغرب مع دول المعسكر الآخر، في رحى الحرب الباردة بين المعسكرين. وبين أيدينا وثيقة أمريكية تبين كيف أن أمريكا ذكرت المغرب بعواقب التعامل مع السوفييت، وماذا يمكن أن ينتج عنه.

والوثيقة من وثائق وزارة الخارجية الأمريكية مؤرخة بتاريخ 29 ماي 1969، رفع عنها طابع السرية في 6 شتنبر 2007. وهي عبارة عن اجتماع دار بين السفير الأمريكي بالمغرب “تاسكا” Tasca، والجنرال محمد المذبوح مدير البرتوكول الملكي، ودار الاجتماع بمكتب هذا الأخير بالرباط بتاريخ 27 ماي 1969، وعنوان الوثيقة هو: “نظرة عامة للجنرال محمد المذبوح“، أما موضوعها فهو بحث مدى انعكاس التطورات الأخيرة للعلاقات المغربية السوفييتية على الوضع المستقبلي المغربي.

 

رغم تطور العلاقات المغربية السوفييتية فإن المغرب مازال يوالي المعسكر الغربي

يشير السفير الأمريكي من خلال هذه الوثيقة، إلى أن هذا الجنرال المذبوح يحظى بثقة كاملة وارتباط وثيق مع الملك الحسن الثاني.ولا يستبعد السفير أن وجهة نظر المذبوح تعكس وجهة نظر الملك، ولا يستبعد أن يكون الملك قد أعطاه توجيهات للقيام بهذا اللقاء، وجس نبض أمريكا من التقارب السوفياتي المغربي.

وقد أكد المذبوح خلال هذا الاجتماع أن العلاقات المغربية السوفياتية تحسنت على ما يبدو، وشدد على أن هذا التحسن لا ينبغي بأي حال من الأحوال تفسيره بأنه يؤثر في التوجه الرأسمالي للمغرب،ويشير السفير الأمريكي إلى أنه أخبر الجنرال أن المسؤولين الأمريكيين يرون أن التقارب المغربي السوفياتي، لم يكن على حساب العلاقات المغربية الأمريكية. غير أن العديد من الأمريكيين في حيرة من تأثير ذلك في نهاية المطاف في الثقة المتبادلة التي تميز العلاقات بين البلدين.

 

تحذير أمريكي من خطورة التغلغل الاقتصادي السوفياتي داخل المغرب

 

telegram reportage 13-09-2014ويشير السفير، إلى أنه استعرض سلسلة من إنجازات الاتحاد السوفياتي في جهوده للتمركز بشكل قوي في المغرب، ومنها فتح القنصلية العامة بالدار البيضاء، وإنشاء مركز ثقافي بالرباط، وزيارة البحرية السوفياتية للدار البيضاء، وكذلك زيارةالرئيس السوفياتي للمغرب، وافتتاح خط طيران يربطبين الرباط وهافانا، وأخيرا الزيارة المرتقبة للجنرال ادريس ابن عمر للاتحاد السوفياتي. وقد لاحظ السفير أنهفي أعقابزيارة الرئيس السوفياتي إلى المغربأرسلتبعثةعسكرية مغربيةإلى موسكو، ولاحظ أن منشأن ذلك أن يخلقانطباعا خاطئا لدى الأمريكان،ولكنغير المواتيأن المغربكانقليل الاعتبار لحساسية الولاياتالمتحدة والشعب الأمريكي.

وبخصوصتطوير رحلات شركة طيران إيروفلوت – هافانا بالمغرب ذات الرأس مال المشترك بين كوبا والسوفييت، فإن السفير الأمريكي أخبر الجنرال أن معظم بلدان أمريكا اللاتينية أدانت الأنشطة الكوبية بالتنسيق مع الاتحاد السوفييتي. كما أشار إلى أن الحكومة المغربية كانت على بينة من المحاولات الكوبية السابقة المعادية للمغرب، وأماكن أخرى في إفريقيا.ويشير إلى أنه تكهن للجنرال بشأن كيفية أن المغرب مع تفانيه في الاعتدال يمكن أن يكون قد وقع في الفخ السوفياتي. وتشير الوثيقة إلى أن المذبوح اقتنع تماما بخطورة وسلبية وجود هذه الشركة التابعة لكوبا في المغرب، خاصة وأن قضية مساعدة كوبا للجزائر كانت ما تزال حاضرة في الأذهان.

 

تحذير من قدرة السوفييت على قلب النظام في المغرب

 

وفي إشارة إلى الانقلاب الذي حصل في السودان، فقد أكد السفير للجنرال بأن عناصر “متطرفة” في السودان حققت تقدما مذهلا، ومن بدايات تافهة نسبياوقدم من خلال هذا المثال مدى قدرة الخبرة السوفياتية الاشتراكية في استغلال قاعدة القليلة العدد، وأن هذا ممكن إلى أبعد الحدود، حدوثه في المغرب.

وبشأن المساعدات الأمريكية العسكرية للمغرب، فقد أشار المذبوح إلى أن الملك مسرور بخصوص مساعدات السنة المالية لسنة 1969، وبصدق يأمل في استمرار هذه المساعدات. وأشار إلى أن تطوير الدفاع الجوي يعتبر أولوية. وقد أشار له السفير بأن الحكومة الأمريكية تتعامل مع ذلك بإيجابية، ولكن البرنامج السنوي يعتمد على ما يقرره الكونغرس. وأضاف المذبوح بأنه حتى لو كانت الحكومة تنتهج سياسة الانفتاح مع الجارة الجزائر، فإن المغرب ينظر إلى المستقبل حيث أن الجزائر مسلحة تسليحا جيدا، ومدربة من قبل الاتحاد السوفياتي، ويمكن أن تغير رأيها. وحسب الجنرال دائما فإن وجود الحد الأدنى من القدرات الدفاعية والأمنية أمر بالغ الأهمية. وقد أشار له السفير بأن أمريكا تشجع المغرب على محاولته للانفتاح على باقي بلدان المغرب العربي.

وأشار السفير إلى أن أمريكا ستسعى لتشجيع المغرب، والمغرب الكبير على التنمية الاقتصادية في المستقبل. كما أشار إلى أن أمريكا توافق على جهود الحسن الثاني لتعزيز اتفاقية الحد من التسلح في المغرب الكبير.

 

إشارة إلى اقتناع المغرب بالبراهين الأمريكية

يشير السفير الأمريكي إلى أن الجنرال المذبوح بدت عليه علامات الإعجاب من جراء ملاحظات السفير حول نتائج الاعتماد على السوفييت. كما أعجب بمقترح السفير القاضي بخلق توازن في العلاقات بين أمريكا والاتحاد السوفياتي، ودون أي وعود بالنجاح، أخبره المذبوح بأنه سيحاول تأجيل زيارة الجنرال ادريس بن عمر إلى موسكو، كما أشار إلى اقتناعه بالموقف من شركة الطيران “AEROFLOT” ذات الرأسمال الكوبي الأمريكي.

والآن، كيف ستتعامل أمريكا مع المغرب خاصة وأنها ستسعى إلى تشديد الخناق على روسيا، وذلك عن طريق إقناع المغرب بعدم التعامل مع الروس اقتصاديا؟ أم أن ذلك الزمن انتهى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!