في الأكشاك هذا الأسبوع

الـــــــــــرأي | عاصمة دكالة وسياسة التهميش

بقلم. محمد بركوش

       المراكشيون يعشقون المدينة الجديدة “عاصمة دكالة”، يفضلون قضاء فترات من الراحة بشواطئها المترامية على طول البحر، يتشبثون بالمحافظة على العلاقات المنسوجة بينهم وبين الجديديين “دوريجين”، خوفا عليها من التحولات السوسيواقتصادية كما قال الاتحاد الاشتراكي والتي غزت المدينة بشكل متسارع، نتيجة سياسة “الاستثمار” المتوحش إن صح التعبير، هذا الأخير الذي حول “الجديدة” إلى مدينة “غول” بعد أن جهزها بالعمارات “الفيلات والشقق النموذجية” الصالحة لكل شيء (جريدة الاتحاد، 27 غشت 2014)، وبإيجاز من كبريات الشركات العالمية التي دخلت بـ”صباطها” مجال العمران، وعملت على إنشاء مراكز اصطياف خاصة بها ” لتتقلب المدينة إلى وجه آخر لم يكن مألوفا لدى أهلها المتحمسين إلى النهوض بالمدينة بالشكل الذي يتلاءم مع أخلاقهم ومبادئهم وقيمهم، عشق أبناء الحمراء لنجمة دكالة أو جوهرتها ظاهرة قديمة ومتفردة أيضا، لا يمكن تحليلها أو إعطاؤها أبعاد سوسيولوجية دون استحضار عنصر القرب الجغرافي وهدوء المكان وبساطة السكان (مثل المراكشيين)، زيادة على شساعة البحر، هذا الأخير الذي ترك جزءا كبيرا منه للإهمال وعدم الاستغلال المحقق لمردودية معينة تستفيد منها المدينة بشكل مباشر في النهوض بالأوضاع الاجتماعية للساكنة، بينما وضع الجزء اليسير المستغل رهن إشارة اللوبي الضاغط الذي طوقه بالكراسي وواقيات الشمس بطريقة محرجة للزائر، بحيث تدفع به إلى أن يبقى رهين الوقوف إلى أن يؤدي مقابل جلوسه أمام زرقة البحر وتلاطم الأمواج بقيود مفروضة وحركة محدودةـ قلت استحضار كل ذلك ودمجه في لحظات تاريخية حاملة لعلامات البطولة التي يقرأها الزائر عندما يقابل الأسوار والأبراج، ويخايل المدافع والبنادق القديمة، ويخاطب في نفس الآن الصوامع والأجراس، وما يشكله تواجدهما جنبا إلى جنب من رغبة (غارقة في القدم) في التعايش والدعوة الى الحياة الهادئة الخالية من عصبية التطرف.

عندما عرجت على المدينة قدوما من مدن أخرى لها نفس المكانة في قلوب كل المغاربة استغربت كثيرا، واندهش كل الذين كانوا معي، احترنا في الحقيقة، خاصة عندما دلفنا إلى عمق المدينة القديمة التي كانت لها معنا ذكريات جميلة في السبعينيات والثمانينيات، ومع بيوت الاصطياف بالشاطئ، والتي لم تعد تستعمل لأسباب يعلمها المسؤولون، رغم أهمية تلك البيوت وما تضفيه من حركية على جنبات الشاطئ، على عكس المقاهي التي شيدت هناك، وأعطيت لأصحابها حرية التصرف في “استغلال الملك العمومي بشكل يميل إلى الفوضى العارمة التي لا تبقي مكانا للفرجة واللعب والسير على الأرجل”.

كل شيء كما كان في الماضي البعيد والقريب على حد سواء الحالة بقيت على ما هي عليه نظرا لسياسة التهميش التي أضحت سائدة، على عكس ما يلاحظ في المناطق المستحدثة إن صح التعبير، والتي تسير بها الأشغال بشكل سريع، نظرا للباب المفتوح على مصراعيه أمام ذوي النفوذ والسماسرة وبعض ممثلي الجماعة، شوارع تتنافس بها الحفر من أجل الانتشار في غفلة من الزمن، وبوعي من بعض المسؤولين، ويشتد اتساعها ويمتد محيطها خاصة قرب بعض الإدارات والمؤسسات العمومية التي من المفروض أن تعطي صورة ناطقة بالواضح عن دولة تعتز بمكاتبها وتفتخر بالقائمين عليها الذين يفعلون كل شيء من أجل تقريب الإدارة من المواطن ولو كانت معطوبة أو هشة.

أزبال متراكمة هنا وهناك يصعب على المتجول تخطيها إلا بصعوبة (رغم المجهودات المبذولة)، نظرا للكم المتراكم منها، والناتج عن غياب سياسة مفعلة، وبرنامج عاجل، يضع في الحسبان المعضلة التي تتضاعف بزيادة الوافدين من زوار وعشاق للراحة والاستجمام وهي أشياء يصعب توفيرها في ظل سياسة تبرمج للربح والفائض لا غير.

فوضى في التسيير والتنظيم رغم ما تقدمه السلطات المحلية وعلى رأسها العامل الرجل المناضل المتشبع بروح الوطنية أبا عن جد)، نعم فوضى كبيرة لم تفلح الجهات المنظمة أو المؤهلة للتنظيم في وضع برامج استثنائية كما تفعل جل المدن الشاطئية في وقت الصيف، تفرد أو ترسم تخطيطا شاملا تراعى فيه اللحظة ويساعد على الحد من ظاهرة الازدحام وما يتخللها من ممارسات شاذة، وأعمال إجرامية كالسرقة والنشل الذي ضرب بأطنابه طيلة شهور العطلة، في شبه غياب لأية مراقبة أو تتبع، نظرا لقلة الأمنيين والاستغناء عن سياسة الاستعانة برجال شرطة من مدن أخرى كما كان عليه الحال في السابق، إضافة إلى انشغال البعض (وهو قليل) بالأهم بالنسبة إليه، ألا وهو العمل على استخلاص الضريبة العرفية كما سماها أحدهم، قلت فوضى وتطاول بل وخنق لحق السائح والزائر في الراحة بسبب أعمال البناء والحفر أثناء موسم الحصاد السياحي إن صحت الكلمة، خاصة في الأماكن الاستراتيجية التي يتواصل فيها المرور ذهابا وإيابا، والتي من المفروض أن تكون جاهزة لحظة الحضور أو الانطلاق كما سماها أحد المراكشيين، وذلك حتى يأخذ المقبل على المدينة صورة مشرفة على مجلسها الذي أصبح ملزما بأن يحرص أشد الحرص على جمالية الفضاءات التي تجمل المدينة، ويسعى إلى المحافظة عليها نظرا للحاجة إليها من جديد، قصد إعادة قراءة التاريخ بأعين الحاضر، وذلك حتى يسهل ربطه بالماضي الزاخر بالبطولات التي لا يمكن إلا الاستفادة منها، وحمل الأجيال على الاقتداء برجالاتها الذين ضحوا بكل شيء في سبيل أن تنعم الأجيال اللاحقة بخيراتها وثرواتها التي توزع الآن وقبل الآن بطريقة غير متكافئة على المحظوظين الذين يضعون أيديهم على أغلبية المهرجانات والمواسم وأشياء أخرى لا يرضاها الجديديون لأنفسهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!