في الأكشاك هذا الأسبوع

طيف التوترات الدبلوماسية يخيم على العلاقات بين الرباط وباريس

    لا يزال الغموض يكتنف مصير العلاقات المغربية الفرنسية التي تأثرت بموجة من التوترات المتتالية التي انعكست سلبا على متانتها مما صعب عودتها إلى سابق عهدها في المدى المنظور، وسط محاولات فرنسية لتدارك ما اعتبرته الرباط «إساءات غير مقبولة» مست مسؤولين مغاربة سامين على التراب الفرنسي.
وعاد عبد الإله بن كيران، رئيس الحكومة المغربية، نهاية الأسبوع الماضي من زيارة إلى فرنسا للمشاركة في ذكرى إنزال النورماندي، غير أن الزيارة جاءت في سياق احتفالي متعدد الأطراف. وبالتالي لم تحقق تقدما في سير معالجة الأزمة التي تنتظر الرباط بشأنها ضمانات فرنسية قوية لاستئناف العلاقات بشكل طبيعي.
وكان الوزير الأول الفرنسي مانويل فالس، قد دعا نهاية الشهر المنصرم إلى «وضع حد للاضطرابات الأخيرة في العلاقات بين فرنسا والمغرب حتى يستأنف التعاون والشراكة الخاصة»، مضيفا أنه مستعد لزيارة المغرب في الأسابيع القادمة. وبذلك عبر فالس عبر عن قرار فرنسي بالمضي قدما مع المغرب لتجاوز الأزمة بين البلدين، حيث طلب من السفير المغربي إبلاغ الحكومة المغربية استعداد رئيس الجمهورية ورئاسة الحكومة وجميع السلطات الفرنسية لإغلاق ملف الأزمة بتقديم الأجوبة المشروعة لكل الأسئلة الشاغلة.
وتسعى باريس لاستئناف مسار التعاون والشراكة المتميزة مع الرباط، وإلى تجاوز فترات الاضطراب التي مرت بها العلاقات بين البلدين التي تمر بفترة صعبة وفق فالس الذي قال أنه «لا ينبغي إخفاء هذه الحقيقة»،. معربا عن استيائه من «سلسلة حوادث، خاصة المؤسف منها، التي جاءت لتعكر صفو العلاقة».
وتأتي الدعوة الصريحة من رئاسة الحكومة الفرنسية بعد أسابيع من إدانة المغرب بشدة ما وصفه بـ»الاعتداء المعنوي» الذي كان قد تعرض له الجنرال عبد العزيز بناني في غرفته بالمستشفى العسكري «فال دو غراس» بالعاصمة الفرنسية من قبل مصطفى أديب، الضابط السابق في الجيش المغربي، الذي بعث برسالة للجنرال يتهمه فيها بـ»الفساد والمسؤولية عن قتل آلاف الأبرياء». حيث زاد الحادث من التوتر الذي كان قائما سلفا بين البلدين منذ شهر شباط/فبراير الماضي على خلفية سوابق عكرت صفو علاقة «الصداقة التاريخية المتينة» التي لطالما عبرا عنها، حيث نسبت لجيرار أرو، سفير فرنسا في الأمم المتحدة، تصريحات وصف فيها المغرب بـ»العشيقة التي لا نحبها لكننا مضطرون للدفاع عنها». وهي تصريحات أغضبت المغرب بشدة على المستويين الرسمي والشعبي، وكانت بداية دخول علاقات البلدين نفق الأزمة.
ورغم أن السفير الفرنسي نفى تلك التصريحات التي نقلها عنه الممثل الإسباني خافيير باردم، معربا في حينه أنه ينتظر «الضوء الأخضر» من باريس من أجل رفع دعوى قضائية ضد الممثل الإسباني بتهمة «التشهير وتلفيق تصريحات كاذبة»، ودأب فرنسا على التأكيد على علاقاتها التاريخية مع المغرب. إلا أن تزامنها مع استدعاء باريس لعبد اللطيف الحموشي، المدير العام لإدارة مراقبة التراب الوطني (الاستخبارات الداخلية) الذي كان موضوع استدعاء قضائي حول تورطه في «ممارسة التعذيب بالمغرب»، دفع الرباط إلى التعبير عن ما وصفته «استهدافات وممارسات طالت بباريس مسؤولين مغاربة سامين أمنيين ودبلوماسيين» من بينهم الحموشي. وهو ما تم التنديد به بقوة، ما دفع الخارجية الفرنسية إلى التعبير عن أسفها للحادث «الضار بروح الصداقة التي تجمع البلدين»، وهو الحادث الذي تسبب بتعليق التعاون القضائي بين البلدين من الجانب المغربي.
وتلا ذلك خضوع صلاح الدين مزوار، وزير الشؤون الخارجية والتعاون، خلال مروره بمطار «رواسيي شارل دوغول» للتفتيش رغم إدلائه بوثائق سفره الدبلوماسية، وهو ما استوجب أيضا اتصال لوران فابيوس، وزير الخارجية الفرنسي، بنظيره المغربي لينقل له «اعتذار السلطات الفرنسية عن المضايقة التي لقيها الوزير المغربي في طريقه إلى المغرب.
ولاحظ مراقبون أن المصالح الفرنسية بالمغرب باتت تحت تهديد حقيقي، لا سيما أن الزيارة الأولى لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري، بعد توليه منصبه، أتت بعد الأزمة التي سببها استدعاء الحموشي. وطبع الزيارة الجانبان الاقتصادي والأمني (ملف الصحراء) في إطار الدورة الثانية للحوار الإستراتيجي بين البلدين. حيث كانت الدورة الأولى من الحوار قد عقدت بواشنطن شهر أيلول/سبتمبر 2012، واتفق الطرفان خلالها على تعزيز التعاون في المجالات السياسية والأمنية والتجارية والاقتصادية والثقافية والعلمية. كما تعزز التقارب المغربي الإسباني في ظل الأزمة مع باريس، وتوج هذا التقارب في أول زيارة للعاهل الإسباني الجديد فيليبي السادس قبل أسابيع للمغرب بعد توليه العرش، وهي الأولى من نوعها لبلد إفريقي وعربي منذ تنصيبه رسميا، وقد هيمنت أيضا المباحثات الاقتصادية على هذه الزيارة.
يذكر أن واشنطن استضافت قبل أيام القمة الأميركية الإفريقية، حيث كان تعزيز العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة وإفريقيا الهدف الرئيس من انعقادها إلى جانب تركيزها على التجارة في قارة تعتبر مركزا للنفوذ الفرنسي.

مصعب السوسي – القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!