في الأكشاك هذا الأسبوع
السيسي - عبد الناصر - الحسن الثاني

روبورتاج | كيف يمكن اليوم أن ينعكس التحالف المصري الجزائري على المغرب ؟

مقدمة

    عجيب كيف أن التاريخ يعيد نفسه، وها هو الرئيس المصري الجديد السيسي، يريد فتح واجهة في شمال إفريقيا بزيارة الجزائر، وكان سلفه عبد الناصر فتح نفس الواجهة، لكن مع ليبيا.

في هذا التقرير السري لوزير الخارجية الأمريكي “كيسنجير”، يعارض الحسن الثاني تدخل مصر في شمال إفريقيا، لأن الإطاحة ببومدين تشكل خطرا على المغرب.

—————————-

كان من النتائج الفورية للربيع العربي، تغير في الخريطة السياسية العربية، سواء على مستوى ظهور تحالفات جديدة، أو نهاية قوى عظمى إقليمية. ولقد طفى على السطح مؤخرا تحول بارز، قد يكون له الوقع والتأثير الكبير في المغرب، وبدأت تعطي له الصحف الوطنية والدولية اهتماما كبيرا، وهو التقارب أو التحالف المصري الجزائري، على عهد الرئيس المصري الجديد عبد الفتاح السيسي.

وقد بدأت تظهر نتائج هذا التقارب من خلال كشف بعض الصحف الوطنية عن مخطط جزائري لاستئجار صحفيين مرتزقة مصريين للتعريف “بقضية البوليساريو” الجمهورية الوهمية. كما بدأت الصحف الورقية تعطي لهذا الموضوع كثيرا من الاهتمام. مما ينذر بأن مشكلا وتحولا يقع الآن، وعلينا أن نواجهه.

—————

التاريخ قد يعيد نفسه بصيغ أخرى

 قد يشبه الأمس اليوم في جوانب ويختلف عنه في أخرى، ونحن نحاول من خلال هذا المقال أن نقدم حدثا من التاريخ القريب يشبه ما يحدث اليوم. وذلك لنقدم من خلاله كيف تعامل الحكام المغاربة مع التحولات المهمة، وكيف وضعوا خططا لمواجهة بعض التحولات التي تقع في منطقة شمال إفريقيا.

ونود أن نعود بقرائنا إلى الوراء قليلا، مع تحول مهم وقع في شمال إفريقيا، وبالضبط في دجنبر 1969، وهو انقلاب العقيد الشاب معمر القذافي على الملكية في ليبيا. وقد كان من نتائج هذا الحدث حدوث تقارب مصري ليبي كانت له انعكاسات سلبية على المغرب. والاختلاف بين الأمس واليوم، هو أنه بالأمس حدث تقارب مصري ليبي، أما اليوم فإن التقارب مصري جزائري.

moutabaates 14-08-14 part 1وبعد الانقلاب في ليبيا بفترة قصيرة استضاف المغرب الملك إدريس السنوسي ملك ليبيا الذي انقلب عليه القذافي، ولم يتوان القذافي في اعتبار ذلك الموقف “عدائيا” له من طرف النظام المغربي. وقد شملت محاولاته استضافة معارضين مغاربة كان يمدهم بالسلاح، ويمكنهم من إذاعات خاصة موجهة ضد النظام، بل إن القذافي طلب من الرئيس الجزائري هواري بومدين السماح لطائرات مقاتلة ليبية بعبور أجواء بلاده لدعم انقلابيي الصخيرات في العاشر من يوليوز 1971.

وكان أول ما فعله العقيد معمر القذافي عقب الانقلاب هو دعوته الرئيس المصري جمال عبد الناصر لزيارة أرض الفاتح العظيم كما كان يطلق عليها القذافي. ولقد لبى عبد الناصر الدعوة، واحتشدت الجماهير الليبية لاستقباله، وأصر العقيد القذافي أن يخطب عبد الناصر في الجماهير من شرفة قصر ولي العهد الليبي الأمير رضا إدريس السنوسي.

وسنستعرض من خلال وثيقة أمريكية كيف تعامل الملك الحسن الثاني مع التحول الجديد نتيجة تحالف مصر وليبيا. وكيف أنه تأثر بهذا التحول واستشعر خطره بعد شهر واحد من الانقلاب فقط ليس أكثر، وكذلك الخطة التي وضعها لمواجهة هذا التحول. والوثيقة عبارة عن مذكرة رفعها المستشار الأمريكي لشؤون الأمن القومي “Kissinger Henry” “هنري كيسنجر” (1969-1970) إلى الرئيس الأمريكي “Nixon Richard” “ريشارد نيكسون” (1969-1974)، والوثيقة مؤرخة بتاريخ 7 يناير 1970، ورفع عنها طابع السرية بتاريخ 6 دجنبر 2007، وعنوانها: “رسالة من الملك الحسن الثاني إلى الرئيس الأمريكي”.

الوثيقة عبارة عن قراءة في رسالة سرية ومهمة أرسلها الملك الحسن الثاني إلى الرئيس الأمريكي. وما يدل على أهميتها هو أنأحد أقرب المقربين من الملك الحسن الثاني (لا تذكر الوثيقة اسمه)، هو من طلب من السفير الأمريكي في الرباط بعد نهاية مهامه أن ينقل هذه الرسالة إلى الرئيس الأمريكي، وتشير الوثيقة إلى أن ما جعل الملك يكلف السفير الأمريكي بالرباط المنتهية صلاحيته “تاسكا” ليقوم بنفسه بنقل هذه الرسالة، هو أنه لما كان في المغرب كان مقربا من الملك الحسن الثاني.

—————–

تخوف الملك الحسن الثاني من التحالف الليبي المصري

 وتشير الوثيقة إلى أن مفاد هذه الرسالة السرية هو أن الملك الحسن الثاني كان يريد من الرئيس الأمريكي أن يعرف بأن الملك يشعر بقلق عميق وكبير مع الأخطار التي تهدد دول المغرب العربي. والنابعة أساسا حسب الملك، من الوضع الإقليمي الجديد، المتمثل في النظام العسكري الراديكالي الجديد الذي قام في ليبيا بزعامة العقيد معمر القذافي. وقال الملك بصريح العبارة إنه يشعر بأن “قدرات عبد الناصر “التخريبية” قد تطورت وتضخمت بشكل كبير وذلك بفعل الموارد المالية المهمة التي صار يحصل عليها من النظام الليبي الجديد“.

وحسب الملك، فإن الزعيم العسكري الجديد لليبيا هو شاب فاقد للخبرة والتجربة، وهو يمثل حسب الملك “رجل من القش” بالنسبة لجمال عبد الناصر، الذي أدخل القوات المصرية إلى ليبيا بهدف حمايته من أية ثورة محتملة.

——————

الحسن الثاني: هواري بومدين عامل استقرار بالنسبة للمغرب وتونس

 

moutabaates 14-08-14 part 2وقد كان من نتائج هذا الوضع الجديد الذي خلق تحالفا جديدا أفزع باقي الأنظمة في شمال إفريقيا، أن رأى الحسن الثاني حسب الوثيقة دائما، أن الخطوة المقبلة للرئيس المصري جمال عبد الناصر ستكون هي القضاء على الرئيس الجزائري هواري بومدين، من خلال تشجيع قوى تنظم الانقلاب عليه، ويعود سبب تفكير عبد الناصر في هذا الأمر حسب الحسن الثاني إلى كون أن بومدين كان رافضا لزعامة مصر للعالم العربي. وحسب الحسن الثاني دائما فإن عبد الناصر سيشجع أو سيختار شخصا من الجزائر يكون أكثر استعدادا لقبول قيادة عبد الناصر للعالم العربي.

وحسب الحسن الثاني، فإن القضاء على بومدين “من شأنه أن يزيد إلى حد كبير من قدرة كل من عبد الناصر والاتحاد السوفياتي على التدخل، وبالتالي على قلب النظام في تونس والمغرب“.

—————–

الحل هو تدخل أمريكا لحماية المغرب وتونس والجزائر

 

وتشير الوثيقة إلى أن الملك يرغب في أن تعمل الولايات المتحدة الأمريكية على استخدام كل ما في استطاعتها من النفوذ، لمنع مخططات جمال عبد الناصر والاتحاد السوفياتي من التنفيذ في بلدان المغرب العربي بنجاح. كما أكد أنه يشعر بأنه إذا لم تعطِ الولايات الأمريكية اهتماما إيجابيا كبيرا بخصوص هذا التحول وتبعاته، فسيكون هناك خطر كبير وحقيقي، ويكمن في أن الساحل الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط بأكمله​​ انطلاقا من الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا) إلى المغرب، من المرجح أن يخضع ​​للهيمنة الشيوعية.

—————–

تخوف الحسن الثاني من انتقام جمال عبد الناصر بتشجيع قلب النظام في المغرب

 تشير الوثيقة إلى أن الملك الحسن الثاني قلق كثيرا من جراء الانقلاب في ليبيا، وحسب صاحب الرسالة أن هذا القلق طبيعي. حيث ساهم التأثير المتنامي لمصر الناصرية في ليبيا إلى مزيد من التحريض ضد نظام الحسن الثاني، وذلك على الرغم من عدم وجود تهديد فوري ومباشر لعرشه. كما أن اصطفاف المغرب وتونس، والجزائر، ضد مطالب عبد الناصر في القمة العربية الأخيرة، وتأثير اعتدال الحسن الثاني في تلك القمة، قد يكون ساهم في جعل المغرب على رأس قائمة الدول التي يرغب جمال عبد الناصر في الانتقام منها.

تشير الوثيقة إلى أن هناك قضية مثيرة للاهتمام، وهو انطباع الملك الحسن الثاني خلال القمة العربية حول عبد الناصر، الذي رأى الملك أنه يرغب في إبرام اتفاق مع إسرائيل، ولكن مخاوف الإطاحة به هي التي جعلته لا يفعل ذلك. كما تشير الوثيقة إلى أن الملك يشعر بأن الفلسطينيين، وليس عبد الناصر هم المفتاح لتسوية النزاع، ويختم التقرير بالإشارة إلى الحاجة لمراجعة منهجية للوضع في شمال إفريقيا.

وهكذا، فقد فطن الحسن الثاني إلى أهمية هذا التحول الذي جرى على المستوى الإقليمي، وتأثيراته في المستقبل، وبالفعل فقد كانت تخميناته صحيحة، حيث لم تكد تمر سنة حتى حصلت محاولة انقلابية في صيف 1971 تبعتها أخرى في صيف 1972. أما واليوم، فإن الأمر لا يتعلق بتحالف ليبي مصري، بل إن الأمر يتعلق بتحالف مصري جزائري.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!