في الأكشاك هذا الأسبوع
عامر كان "صديق العمر" لعبد الناصر

الحـقــيقة الضــــائعة | تجربة صداقة رئيس الدولة تؤدي دائما إلى الموت

بقلم. مصطفى العلوي

بقلم. مصطفى العلوي

     زمان الرئيس جمال عبد الناصر في مصر، كان المصريون يضحكون كثيرا على النكت التي كانوا يقولون إن أغلبها يأتي من منطقة الصعيد بالجنوب، والتي من بينها ما قيل ذلك الزمان “أن صعيديا أراد أن يعملها إرهابي، فخطف أبوه” وهي نكتة أصبحت هذه الأيام واقعا، في عهد الفريق السيسي طبعا، حيث أصبح المصريون يبكون كثيرا من استفحال الإرهاب.

والمغاربة، من كثر اهتمامهم بمصر، دائما وهذه الأيام، قضوا ليالي رمضان المنصرم، في تتبع مسلسل سينمائي مصري، أعطاه الرأي العام المغربي من الاهتمام، أكثر مما أعطوه للمسلسلات الأخرى، لأن الأمر يتعلق بمسلسل “صديق العمر” حيث الرئيس جمال عبد الناصر، ارتبط منذ أيام المدرسة بصديق العمر(…) عبد الحكيم عامر، صديقه الذي لا يفارقه(…).

وكانت صداقة عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، لا تضاهيها صداقة لا في المشرق ولا في المغرب، لا في الماضي، ولا في الحاضر، لدرجة أن عبد الحكيم عامر سمى ولده الأول جمال، وجمال عبد الناصر سمى ولده عبد الحكيم.

وبعد ثورة 1952، أصبح عبد الناصر رئيسا، وبقي عبد الحكيم عامر صديقا، ثم أصبح شريكا في الحكم: ((كانا صديقين حميمين، وكانا زميلي ثورة، ورفيقي سلاح، كانا يبدوان وكأنهما توأمان، وحينما كان أبناء جمال يحتاجون شيئا، من أبيهم، فإنهم يلجؤون إلى عمهم عبد الحكيم)) (صلاح نصر رئيس المخابرات. في مذكرات).

وبقدر ما كانت تتنامى مهام الرئيس عبد الناصر، وانشغالاته بتأميم القنال، وبناء السد العالي، كان يفوض المهام لصديقه الوفي عبد الحكيم عامر، الذي أصبح المسؤول الأول عن أجهزة الدولة، مدنية، وعسكرية، سياسية، واقتصادية.

وعندما أعلنت الوحدة بين سوريا ومصر، وهي الفترة التي زار فيها الملك محمد الخامس، دمشق، وصلى في المسجد الأموي، بجانب الرئيس جمال عبد الناصر، كانت صلاة العصر متأخرة، وبعد الانتهاء منها قال عبد الناصر لمحمد الخامس، ما رأيك أن نبقى شوية، ونخطف المغرب، فأجابه محمد الخامس، كفاية أنكم خطفتم سوريا.. وارتفع الضحك في الصفوف الأمامية للمصلين.

ولكن الذي كان قد خطف سوريا فعلا، هو الصديق الوفي، لعبد الناصر، عبد الحكيم عامر، الذي أقام من الدولة السورية، شبه مقاولة خاصة به وبأصدقائه، لتنطلق من إحساسه مشاعر، بأنه جعل من سوريا دولة هو رئيسها، مثلما عبد الناصر رئيسا لمصر، ففشلت الوحدة طبعا.

والنفوذ عندما يتنامى، يجعل الصداقة في خطر خصوصا عندما يبدأ الصديق الوفي، في إصدار الأوامر دون علم الرئيس، ليكتب مدير المخابرات صلاح نصر ((ذكرتني علاقة صديق العمر مع عبد الناصر بمآسي الحكم عبر التاريخ، وكيف كان الحكام يضربون عرض الحائط بكل القيم الإنسانية، وحتى بالصداقة(…) محافظة على عروشهم، وكيف كانوا يقتلون أقرب الناس إليهم، حينما يحسون أن عروشهم مهددة)) (نفس المصدر).

وكأن مدير المخابرات، الذي كان يعيش فترة تضخم نفوذ الصديق الوفي، عبد الحكيم عامر، يتذكر قول المتنبي:

إذا انقلب الصديق غدا عدوا

مبينا، فالأمور إلى انقلاب

يحكي الصحفي حسنين هيكل وكان مستشارا للرئيس عبد الناصر، أنه بدأ في نشر سلسلة مقالات في الأهرام، بقلم الكاتب العظيم توفيق الحكيم، بعنوان “بنك القلق” وكان توفيق الحكيم يكتب دائما بصراحة متناهية، كل ما يشعر به الشعب، ليفاجأ حسنين هيكل بالرئيس جمال يستدعيه على عجل، وعندما دخل، وجد معه صديق العمر طبعا، عبد الحكيم عامر الذي كان يقول لعبد الناصر، يجب منع الكتاب. فقد كان هو الذي يتصرف في الإعلام، كما يتصرف في السياسة، وفي شؤون الجيش، ودائما مع صديق عمره الرئيس الذي لا يفارقه(…) ولا يهمه توفيق الحكيم ولا غيره.. وعبد الناصر يقول له: أعطني الوقت لأقرأ ملخص الكتاب، وعبد الحكيم يقول له: إنهم يتعرضون لنا(…) يجب وقف النشر، ليقول له عبد الناصر: ((إن توفيق الحكيم استطاع في العهد الملكي أن ينتقد، ولا أتصور في عهد الثورة أنه لا يستطيع أن ينتقد كل ما يستحق النقد، وأمر باستمرار النشر)) (لمصر لا لعبد الناصر. حسنين هيكل).

كان صديق العمر، قد حول حياة المصريين إلى جحيم، وكان يظهر في الصور هادئا، ولكن غضباته كانت تهز أركان الرئاسة، والناس مدنيين وعسكريين يتذمرون من صاحب السيد الرئيس، لدرجة ((أن جمال عبد الناصر وهو يبدأ تذمره من تصرفات صديق العمر قال لحسنين هيكل يوما: والله يصبح عهد الملك فاروق أحسن)) (نفس المصدر).

ومثل المآسي الإغريقية، انتهت علاقة عبد الناصر بعبد الحكيم عامر، بعد أن أصبح صديق العمر، يعتبر نفسه تجاه الناس، وفي مواقع المسؤولية، هو الذي يحمي النظام وأنه لا استمرار للنظام بدونه.

وطبعا كان عبد الحكيم عامر يستغل موقعه مع رئيس الدولة ليستغني ويصبح وكأنه رئيس للبورجوازية الجديدة في عهد الثورة، ليغضب عبد الناصر الذي كان يعتبر نفسه رئيس الفقراء(…) فينفجر يوما في وجه مدير المخابرات صلاح نصر، ويقول له: ((يظهر أن الحكاية مش نافعة، أنا سأحولها إلى ستالينية، وسأقضي على البورجوازية العامرية(…))) (نفس المصدر).

وفهم الوزراء، وكثير منهم مدينون في مناصبهم لكرم صديق العمر، عبد الحكيم عامر، فقرر واحد منهم “عباس رضوان” أن يضغط على عبد الناصر، لتعود المياه إلى مجاريها فقال له عبد الناصر: “الزجاج لما يتشرخ ما يتصلحش”.

وفي 24 غشت 1967 تم تغليف القرار الجديد في الصداقة القديمة، فاستدعى الرئيس عبد الناصر، صديقه عبد الحكيم إلى العشاء معه، ولكن البوليس اعتقله في بيت عبد الناصر، ونقل إلى بيته، حيث يصدر بلاغ انتحاره(…)، ولكن مدير مخابرات عبد الناصر، صلاح نصر، الذي عاش مراحل الانتحار، كتب في مذكراته، التي صدرت بعد موت عبد الناصر، وموت خليفته أنور السادات: ((إن أمورا ثلاثة لا يجترئ عليهن إلا أهوج ولا يسلم منها إلا القليل، صحبة السلطان، وائتمان النساء على الأسرار، وشرب السم للتجربة)).

عجيب هذا التشابه في مصائر الرجال الأقوياء، والأصدقاء الأوفياء عندنا، وعند المصريين.

أقول، عندنا وعند المصريين، لأنه في الواقع، لا فرق بيننا وبين المصريين، إلا ما كان من سبقهم لنا، بأيام الفراعنة ودهائهم، والمسافات الطويلة من الحضارة الثقافية المصرية، التي نهل منها المغاربة، مثلما نهل الحسن الثاني منذ زيارته الأولى كولي للعهد، سنة 1958 للقاهرة، وكنت مرافقا ملاحظا معه حينما قدمني لجمال عبد الناصر وكأنه يقول له: ها هو الصحفي المغربي الذي يكتب دائما دعمه للثورة المصرية، وقتها اكتشف الحسن الثاني مبكرا ظاهرة صداقة العمر، بين جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، بينما المغرب في ذلك الزمان، لم يكن على مستوى رئيس الدولة، لا محمد الخامس، ولا الحسن الثاني، يعرفان سياسة صديق العمر، لأنه معروف في ثنايا التاريخ أن السلطان المغربي لا صديق له، وكل المحيطين به خدام مطيعون، عندما يشعر واحد منهم بالعجرفة، فإنه يقطع رأسه، وعندما يكتشف أن مقربا من الملك يستغني فإنه يقطع يده، وحتى بدايات الحسن الثاني، قبل أن يتسلط عليه جديرة، كانت قصوره خالية من الصديق الداسر(…) ونحن نذكر كيف أنه أبعد عنه صديق الدراسة عبد الله غرنيط، إبعادا قاتلا لا نزال نرى آثاره المؤلمة على حاضر غرنيط هذا، وهو الذي كان سليل الوزراء الكبار، ورأينا كيف أن الحسن الثاني، أبعد صديقه الحميم مولاي سلامة بن زيدان، قنصلا في مرسيليا، وكما تخرج عدد كبير من المغاربة من الجامعات المصرية، فإن الحسن الثاني، تخرج من مدرسة جمال عبد الناصر، بعد أن رأى كيف أن ثقته وعظمته كانت مرتبطة بصديقه عبد الحكيم عامر، الذي استدعاه الحسن الثاني في أيام ملكه الأولى، ليطلب وساطته مع جمال عبد الناصر، الذي كان يدعم الجزائر، سواء في حربها مع المغرب، أكتوبر 1963، أو في الفترة الموالية، حيث كان عبد الناصر يدعم المعارضة المغربية اللاجئة في الجزائر، وعندما اجتمع صديق العمر لعبد الناصر عبد الحكيم عامر مع الحسن الثاني سنة 1964 بالرباط تكلم عبد الحكيم باسم جمال عبد الناصر، وقال للحسن الثاني: ((إننا نوقف النشاط المصري عن مساعدة المعارضة المغربية)) (مذكرات صلاح نصر).

ورغم ذلك، يقول ملاحظون مغاربة، إن الحسن الثاني اتخذ منذ ذلك الوقت الجنرال أوفقير، صديقا، وأمينا على القوات المسلحة الملكية، ليدور الزمن، ويغدر أوفقير بالحسن الثاني فيموت منتحرا(…) ويغدر صديق العمر عبد الحكيم عامر بصديقه جمال عبد الناصر، فيموت هو أيضا منتحرا(…).

إن روابط المغرب ومصر، ليست وليدة عهد عبد الناصر والحسن الثاني فنحن المغاربة الذين بنينا القاهرة، في عهد المعز، والمعز هذا هو المرابطي ملك مغربي ((هو المعز بن باديس بن المنصور الصنهاجي، حينما كان الخليفة في مصر من العبيديين واسمه المنتصر بالله، والمعز هو الذي انتقل لمصر وبنى مدينة القاهرة)) (الاستقصا).

ليذكرنا ابن خلدون، باستمرار هذه العلاقة أيام المرينيين ويقول: ((أرسل السلطان أبو الحسن المريني للناصر بن قلاوون صاحب مصر من أحجار الياقوت الغالية الثمن، ومن الزمرد والزيرجد)) (تاريخ ابن خلدون).

ولكن أصل العلاقات المغربية المصرية، كان منذ أيام الفاتح مولاي إدريس، الذي هرب من التنكيل الأموي ولجأ إلى مصر، حيث رافقه المواطن المصري راشد وحماه إلى أن دخل المغرب معه، وكانت لهذا المصري اليد الأولى في تأسيس الدولة الإدريسية بالمغرب، كما كان لأقطاب الفكر المصريين اليد الكبرى في خلق الحركة الوطنية بالمغرب، قبل الحماية وبعدها، عبد الرحمن الكواكبي، والشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضى الذي أسس جريدة المنار لنشر قضايا المغرب، كما استقدم السلطان عبد العزيز أول مطبعة من مصر لنشر الصحافة في المغرب.

وكان الملك محمد الخامس قد وصل إلى الإسكندرية على متن الباخرة سنة 1948، حيث كان يصلي في الأزهر فسمع بين المغرب والعشاء، مقرئا للقرآن، أعجب به وسأل عنه، فأجابه بأنه متأصل من عائلة مغربية سوسية، استقرت بمصر منذ عشرات السنين، فأحضره محمد الخامس معه إلى المغرب، واسمه الحاج عبد القادر صالح السوسي، وأصبح مرافقا له قبل المنفى وبعده، وهو صهري جد زوجتي (اقرأ كتاب صحفي وثلاثة ملوك، لمصطفى العلوي)، ليبقى المغرب، قبلة للعلماء المصريين حيث استقبل محمد الخامس، الكاتب طه حسين، إلى أن كاد الفنان عبد الحليم حافظ أن يلقى حتفه على أيدي انقلابيي 1971، لأنه رفض قراءة بيان الثورة ضد الحسن الثاني.

وهي تفاصيل، وأكثر منها، مطلوب من رئيس مصر الجديد المشير السيسي، أن يتأسف، لكونه لم يجعل من المغرب، محط زيارته الأولى بعد تنصيبه وذهب إلى الجزائر، ربما، لأنه لا يعرف جذور العلاقات المغربية المصرية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!