في الأكشاك هذا الأسبوع

المنبر الالكتروني | حول تجديد الخطاب السياسي العربي

– عبد الواحد مفتاح

يرصد كتاب ” الفكر السياسي العربي ” للمفكر المغربي عبد الإله بلقزيز، ثلاث نزعات ذات طبيعة مرضية، يعيشها الخطاب السياسي العربي : النزعة الأولى سياسوية هذا الخطاب إلى جانب أيديولوجيته المزدانة بإيمان يجد في التبريرية كل فضائله، أما نزعته الثالثة فهي شموليته الإدعائية.
الدكتور بلقزيز لم يكن أول من فرز العوائق الإبستمولوجية للجسد السياسي العربي، فهذه العوائق التي تقف حائلا أمام أي فاعلية سياسية له – خاصة أن هذا الأخير يمتلك القوة الطاغية في الفكر العربي الحديث – الذي يعرف – موازاة – فقرا ثقافيا يصعب تجاوز سلبيات انعكاساته على المشهد ككل، قد صارت تمثلاتها واضحة أمام العامة قبل النخبة،

كتابات كثيرة ذات طابع توصيفي، تطرقت للأمر في شجاعة نقدية بارزة، خانتها القدرة على الانتقال من الإمساك بمرابط التحليل، إلى التأسيس لأرضيات تكون محط نقاش أوسع، يجد في الإبداعية مقدمات لفكر سياسي المرجعية المعرفية أساس ما يبتغيه.

فالافتقار إلى النظام المعرفي، الذي طالما وجد في الأيديولوجية بديلا عنه في خطابنا، هو المسوغ الأول للنزعة الشعوبية، الذي بات المشهد السياسي عندنا ماهرا في إنتاجها، متخذا كل توجه على حدا :إسلامي/أو قومي/أو علماني/أو ليبرالي .. من أجهزته الإعلامية ومفكريه، مطية تبريرية لكل ممارساته وتوجهاته التي باتت الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي سلاحها، هذا السلاح الذي لم تستطع ترشيد مساحة الحرية الذي مدها به، في تخندق حزبي يجد في التمدهب عقيدته الأصلح والوحيدة في دغمائية بليدة هي ما تؤسس لكل المشهد .

الانتقال من الخطاب الدعوي، ذا النزعة الشمولية المتمركزة في احتكار التاريخ والمستقبل معا، هو ما ترمي له عديد الدراسات التي تجد في تركيبية بنية المجتمع العربي بالأساس، وتعدديته وإعلاء هذا المجتمع نفسه من قيمة الهوية في ارتباطها بمفهومها التقليدي الذي رَكّزَته السلطة الفقهية، بما لها من تأثير بالغ على مجموع قوى الوعي العام لحياة للفرد، مما جعل الكثيرون يعلي من شعار” الدولة الدينية هي الحل ” في فترات متباينة ومفصلية، خاصة أتناء أحدات موجة الربيع العربي، في مواجهة تيار مدني تعددت تشرذماته واتسعت، بما لها من خلاف تاريخي علماني، قومي/ قطري، ليبرالي/ اشتراكي… ورؤية متباينة يوحدها ضعف الممارسة وأحادية الخطاب .

وهناك خطاب سياسي من نوع أخر، ينطبع بالديني في عملية استغلال للعاطفة الشعبية، يقودها الحاكم في الدول ذات النظام الملكي، موهما أنه يمثل الأيديلوجيا الكبيرة ألا وهي الإسلام كدين ودولة، هو ممثلها الأعلى، في حين أن هذا الأخير، لم يأتي بأي نظرية للدولة، يقول عبد الله العروي : « إذا اصطلحنا على أن نظرية الدولة هي وحدها تلك التي تنظر إلى الكيان السياسي كتجسيد للعقل و الأخلاق، يحق لنا أن نقول أن الفكر الإسلامي القديم بما فيه ابن خلدون يتضمن أخلاقيات و اجتماعيات لكنه لا يتضمن نظرية الدولة » (1).

إن نقد الفكر السياسي العربي الجديد، ورصد مفارقاته وتحليل يقينياته التي طالما غلَّفت نفسها، بالاستعادة المتكررة للأسئلة القديمة، وإردافها بأجوبة لا علاقة لها بالواقع، لهو مرحلة مهمة في زمننا الراهن، خاصة أن يستطيع هذا النقد إحداث مقدمات تنويرية، يمكن البناء عليها، فعبد الإله بلقزيز الذي يرى في إطار بناء خطاب سياسي عربي حقيقي وفاعل، ضرورة تنمية المَنزَع العلمي وتمرين الذات على ممارسة المراجعة والنقد، تم بناء علاقة متوازنة بين التراث والغرب، كل هذا لا يتأسس له إلا بالتخلي عن النزعة الوُتوقية / الإيمانية الناظمة لعملية إنتاج الخطاب، لصالح التحلي بالروح النقدية المُقلعة عن المطلقات والقَطعيَات .

طرح بلقزيز يبدو مهما في سبيل خروج هذا الخطاب من أزمته، وتحقيق استقلاليته وتحويله إلى أداة إبداع الذي من شروطه تغييب سلطة النموذج إلى جانب الاهتمام بعقلنة الرؤية، كرافد أساس من روافد بناء سقف هذا الخطاب السياسي الذي به يمكننا استشرف المستقبل وتدبير الحاضر.

 

(1) عبد الله العروي : مفهوم الدولة. ص 125

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!