في الأكشاك هذا الأسبوع

أخلاق التوراة … وأشلاء الأطفال

يأتي هذا المقال في إطار المفارقة مع ما يقع في غزة هذه الأيام

بقلم. الدكتور ابن رشد المعتمد

 

    لا شك أن تلك الصور المروعة لأشلاء الأطفال المحروقين التي تطالعنا بها الشاشات يوميا، تهز مشاعر الإنسان و تثير تساؤلاته حول الدين و الأخلاق و مصير البشرية كلها…إلى أين؟ و لا شك كذلك أن للأخلاق دورا هام بل و خطيراً في استمرار، بل و تحديد العلاقات الأسرية و المجتمعية و ما بين الشعوب، و هي صمام الأمان الذي يحد من ويلات الأنانية و العنصرية و العنف و الدماء.

و يكمن تلخيص الأخلاق في القاعدة الذهبية المنسوبة إلى عيسى (س) “افعل بالناس ما تريد أن يفعلوا بك” و الوصايا العشر لموسى (س) و حديث النبي (ص):”لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه”. و الأخلاق متضمنة في تعاليم الكتب السماوية و تصرفات الأنبياء كإبراهيم و موسى وعيسى و محمد (عليهم السلام)، فهم القدوة و المثال الأعلى للبشر على مر العصور ويمكن حصر رسالتهم في “توحيد الله و توحيد البشرية”!

 

التوراة كتاب مقدس عند اليهود و النصارى و المسلمين. (دون الدخول في تفاصيل تدوينه و كيف وصول إلينا فهذا مبحث أكاديمي شاق قام به علماء مختصون)، سنأخذ التوراة الحالية بمبدأ “التسليم الجدلي” ما دامت معتمدة عند ما يزيد عن مليار من البشر، و يقسم عليها كبراء هذا العصر في الدول العظمى كالرئيس الأميركي بوضع يده عليها (Holy Bible) و القسم أنه “سيحكم بنزاهة وأنه سيحترم الدستور الأمريكي”.

 

للتوراة جوانب متعددة منها ما يخص التوحيد و العبادات و التاريخ و الحرب و السلم و النكبات… سنكتفي بالجوانب الأخلاقية منها و التي كان حريا بها أن تحل كثيرا من المشاكل و المنازعات التي نعيشها الآن. فماذا يقول هذا الكتاب المقدس عن الخالق و عن أخلاق الأنبياء -فهم القدوة و المثل الأعلى؟

 

الله

 

تؤكد التوراة على توحيد الله و انه واحد لا ثاني له و لا شريك معه، توحيد صارم مطلق، فقد خاطب الله موسى في جبل سيناء قائلا:”أنا الرب إلهك الذي أخرجك من ارض مصر من بيت العبودية. لا يكون لك آلهة أخرى أمامي.” (الخروج 20). و يذكر اسمه المقدس –الله- في أول صفحة من التوراة ما لا يقل عن ثمانية عشرة مرة (في التوراة العبرية) بل و من لطفه تعالى بالعباد يذكره بوضوح و تعظيم في أول آية: “في البدء خلق الوهيم (لاصقة يم للتعظيم) السماوات و الأرض” (التكوين 1: 1). إذن فاسم الخالق هو الله و هو واحد لا شريك معه في التوراة، و في هذا مدعاة لتوحيد اليهود و النصارى و المسلمين. لا تناحرهم!

 

إبراهيم (س)

 

لإبراهيم (س) قصة رائعة من التوحيد و التواضع و التسامح و الدروس لأبنائه اليوم، لقد غادر مع زوجته سارا العراق ممتثلا لأمر الله للذهاب إلى الأرض التي اختارها له تاركا بلده و عشيرته و بيت أبيه (التكوين 12) ثم تعرض لفقدان زوجته التي استولى عليها فرعون مصر، ثم منّ الله عليه باسترجاعها و الحصول على المال الكثير و الخيرات حتى كادت تقوم منازعات بينه و بين ابن أخيه على أراضي الرعي فقال له”لا تكون مخاصمة بيني و بينك. و بين رعاتي و رعاتك. لأننا أخوان. أليست كل الأرض أمامك. اعتزل عنى. إن ذهبت شمالا فانا يمينا. و إن يمينا فانا شمالا” (التكوين 13: 8). و كان إبراهيم (س) كثير السجود بوجهه في التراب شكراً لله في كل مناسبة، التكوين (18: 2) (17: 3-5). و قد وعده الله بان يكون مشرف الاسم و أن يكون أبا للعديد من الأمم : “و أعظم اسمك و تكون بركة. وبارك مباركيك. و لاعنك العنه. و أبارك فيك كل الأمم” (التكوين 12: 3) ( التكوين 18:18).

 

فلما شاخ إبراهيم و اشتكى لربه حرمانه من الذرية وعده الله بان تكون ذريته كالرمل في تعدادها:”و اجعل نسلك كحبات الرمل. حتى إذا استطاع احد أن يعد الرمل فنسلك أيضا يُعد” (التكوين 13: 16) و كنجوم السماء:”انظر إلى السماء و عد النجوم إن استطعت أن تعدها. و قال له هكذا يكون نسلك” (التكوين 15: 5). و قد حصل على ابنه البكر من المصرية هاجر: “أخذت سارا امرأة أبرام هاجر المصرية جاريتها..و أعطتها لإبرام رجلها زوجة..(فلما حملت) قال لها ملك الرب ها أنت حبلى فتلدين ابنا و تدعين اسمه إسماعيل لان الرب قد سمع لمأساتك” (التكوين 16 : 3-11)- شرف كبير! و كان إبراهيم –أب الأمم- كثير التواضع يصف نفسه قائلا: “شرعت اكلم المولى و أنا مجرد تراب و رماد” (التكوين 18: 27)، هكذا كان تواضعه مع خالقه بل و مع المخلوق كذلك، لما ماتت سارا قال لسكان ارض كنعان: “أنا غريب و نزيل عندكم. أعطوني ملك قبر معكم لأدفن ميتي من أمامي. فأجاب بنو حِثٍّ إبراهيم قائلين اسمعنا يا سيدي: أنت رئيس من الله بيننا. في أفضل قبورنا ادفن ميتك…فقام إبراهيم و سجد لشعب الأرض لبني حث” (التكوين 23: 4-7) .ثم مات بدوره فاجتمع ابناه إسماعيل (أبو العرب) وإسحاق (أبو اليهود) لدفنه في حقل بن صوحر ألحثي (التكوين 25: 9)

 

موسى (س)

 

ثم جاء من سلالة إبراهيم أنبياء كثر أهمهم –عند اليهود موسى (س) فهو كما يكتب ابن ميمون في قمة البشرية. فقد كان موسى (س) كأبيه إبراهيم كثير التواضع (السجود) و التسامح (زواجه من عربية ثم من ” امرأة كوشية” (العدد 12: 1). و أخيرا وعده بمحمد (ص). لقد بدأت رحلة موسى (س) من رضيع ملقى في النهر إلى قصر فرعون مصر، ثم إلى النبذ و التيه بصحراء سيناء. فمن الله عليه بمصاهرة النبي العربي شعيب (الخروج 2: 21) ثم من الله عليه بأكبر نعمة إذ خاطبه في جبل سيناء و أوحى إليه الوصايا العشر. أهم ما فيها توحيد الله وتقديس اسمه و الأخلاق:

 

1. لا يكون لك آلهة أخرى أمامي

2. لا تنطق باسم الرب باطلا

3. اذكر يوم السبت

4. أكرم أباك و أمك

5. لا تقتل

6. لا تزن

7. لا تسرق

8. لا تشهد شهادة الزور

9. لا تشتهي بيت جارك

10. لا تشتهي امرأة جارك و لا عبده و لا حماره و لا شيء مما يملك.

و كان موسى كأبيه إبراهيم كثير السجود بوجهه في الأرض شكرا لله على ما انعم عليه (34: 8). و قد عانى الكثير وتعرض لكثير من الاضطهاد من شعبه فقد هموا برجمه مرارا (العدد 14: 10). و حرم من دخول الأرض المقدسة و الاكتفاء بالنظر إليها (التثنية 34: 4 ). و الأهم من هذا كله أن موسى وعد بإرسال نبي مثله من بين إخوان بني إسرائيل (أي العرب) يأتي بعده، و الويل لمن لا يستمع له!

 

محمد (ص)

 

يحب النبي العربي الملايين من البشر من الشعوب المختلفة إلى حد الهيام، و يقف منه آخرون موقف العداء (جهل مركب). إلا أن الغريب في الأمر أن بني إسرائيل هم الأقرب للإيمان به لما جاء في التوراة عنه. فقد توالت الوعود بالنبي العربي مصداقا لوعد إبراهيم الأول: “و من ابن الجارية سأقيم امة عظيمة لأنه من سلالتك” (التكوين 21: 13)، و هو من سلالة إسماعيل أي الابن البكر لإبراهيم. و للابن البكر في الشريعة الموسوية خصوصيات و تشريف مادي و معنوي: “إن كان لرجل امرأتان إحداهما محبوبة و الأخرى مكروهة. فولدتا له بنين المحبوبة و المكروهة. فان كان الابن البكر للمكروهة. فيوم يقسم لبنيه ما كان له. لا يحل له أن يقدم ابن المحبوبة”(التثنية 21: 15).

 

ومات النبي موسى و”لم يقم في إسرائيل نبي مثل(ه)” ( التثنية 34: 10) حتى جاء محمد (ص): “أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك و اجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به. و يكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أحاسبه” (التثنية 18:18) – تحذير خطير!    فمحمد هو النبي العربي (من سلالة إبراهيم) و هو الذي مثل موسى في ولادته و معاشه و موته. ولادة طبيعية ثم زواج و إنجاب و شريعة و نجاة من العدو- الأول بشق البحر و الثاني بشق الخندق! كما أن التوراة تذكر محمدا (ص) بالصفات و بالاسم كذلك، فقد جاء في سفر (حجي 2: 7) “حِمده كل الغويم” أي “مَحمود كل الأمم”. و جاء في سفر الأناشيد (6: 1) “مُحمديم” (لاصقة -يم للتعظيم) و اسألوا عنه حسديي اليهود (الصوفية) و هم يتغنون به على حائط المبكى!

 

و قد أوصت التوراة بني إسرائيل بإكرام الضيف و الغريب: “فأحبوا الغريب لأنكم كنتم غرباء في ارض مصر” (التثنية 10: 19).

 

هذه أخلاق التوراة فأين هي … من أشلاء الأطفال؟

وهم حبات رمل إبراهيم (ص) و نجوم سمائه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!