في الأكشاك هذا الأسبوع

كيف أقنع الجنرال أوفقير أمريكا بقدرته على القيام بانقلاب على الحسن الثاني والحفاظ على مصالحها بالمغرب

بقلم الباحث: الزاكي عبد الصمد

مقدمة:

نستمر في نشر هذه الوثائق السرية، ليفهم قراؤنا، ومعهم كبار المسؤولين في هذا الوطن، أن السياسة الأمريكية تجاه المغرب، لم تكن هي فقط، المجاملات التي يعبر عنها سفراء واشنطن في الرباط، وها هو أكبر سفير صديق للمغرب ستوارت روكويل، سنة 1971، يعقد جلسات مع القائد المقبل للانقلاب الثاني في 1972، الكولونيل أمقران، ويضع رهن إشارته ضابطا معادلا له يسمى موسلو، للاتفاق مع الجنرال أوفقير، الذي سماه الحسن الثاني وزيرا للدفاع واختاره الأمريكيون ليكون رجل المستقبل، مقابل وعده لهم بالإبقاء على القواعد الأمريكية بالمغرب.

ظاهرة أخرى، في ذلك الزمن، كشفت إحساس الجنرال أوفقير بأهمية روح الإسلام المهيمنة على الضباط المغاربة والجنود، فعجل ببناء مساجد داخل الثكنات العسكرية.

—————–

لم تكد تمر بضعة أسابيع أو أيام عن المحاولة الانقلابية الأولى، في يوليوز 1971 بقيادة الكولونيل اعبابو والجنرال محمد المذبوح، حتى بدأ الجنرال محمد أوفقير يعد العدة لمحاولة انقلابية ثانية. ويشير صالح حشاد أحد المشاركين في المحاولة الانقلابية الثانية، في شهادته لقناة “الجزيرة” في برنامج “شاهد على العصر”، على أن الرجل بدأ يخطط للمحاولة الانقلابية الثانية، بعد يوم واحد على المحاولة الانقلابية الأولى، وقد بدأت بوادر ذلك تظهر جليا من خلال محاولته ضمان ولاء الضباط له سواء الذين اعتقلوا في أعقاب المحاولة الأولى عندما لام على محتجزيهم سوء معاملتهم، أو الجنود الذين لم يشاركوا في الانقلاب.

فبعد توليه وزارة الدفاع مباشرة بعد الانقلاب الأول، عمل على الزيادة في رواتب الجنود، وقام ببناء مسجد داخل القاعدة العسكرية. ويؤكد أحمد المرزوقي أحد الضباط المشاركين في المحاولة الانقلابية الأولى، أن الجيش استحسن هذا الجنرال الجديد، وهناك إجماع أن الرجل سعى لمحاولة كسب ولاء الجيش له وحده وليس للملك.

وبعد انتهائه من هذه الخطة عمل على ضمان موافقة زعماء الأحزاب السياسية، فقد ظهر مؤخرا أحد أقطاب حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وهو محمد الحبابي ليؤكد أن زعيمه عبد الرحيم بوعبيد أعطى موافقته لأوفقير بتنفيذ الانقلاب. وانضم إليه حتى أقرب المقربين من الملك وهو المستشار ادريس السلاوي. وبهذا يكون الجنرال قد ضمن ولاء زعماء الأحزاب السياسية، وكذلك رجال الجيش.

ولم يكن الجنرال قد أحكم خطته تماما ليضمن نجاح انقلابه، إلا بضمان مساندة واحدة من القوى العظمى التي كانت تحكم العالم. فقد كان العالم في تلك المرحلة قائما على نظام القطبية الثنائية، يتزعم المعسكر الغربي الولايات المتحدة الأمريكية، والمعسكر الشرقي الاتحاد السوفياتي. ونريد من خلال هذا المقال إضاءة جانب ظل مغفلا، وهو من هو المعسكر الذي سعى الجنرال أوفقير إلى الانضمام إليه؟ حيث تخبرنا هذه الوثيقة بأن صاحبنا غازل أمريكا مفضلا إياها عن الاتحاد السوفياتي، وهو ما نحاول تفسيره من خلال هذا المقال وسلاحنا في ذلك وثيقة من الأرشيف الأمريكي، “وشهد شاهد من أهلها”.

 

الوثيقة

 

oufkir doc 1والوثيقة عبارة عن تليغرام أرسله السفير الأمريكي بالمغرب “RockwellStuart“روكويل ستيوارت” إلى كل من وزير الخارجية الأمريكية، ووزير الدفاع الأمريكي أيضا، وهي مؤرخة بتاريخ 19 غشت 1971 أي بعد مرور شهر وبضعة أيام عن المحاولة الانقلابية الأولى. وهي من وثائق الخارجية الأمريكية، التي رفع عنها طابع السرية بتاريخ 6 شتنبر 2007. وتتكون من خمس صفحات، وتحمل عنوان: “الجنرال محمد أوفقير على رأس السياسة العسكرية المغربية، وأثر ذلك على العلاقات الأمريكية المغربية“. وتتناول الاتصال الأول بين الإدارة الأمريكية ووزير الدفاع المغربي الجديد محمد أوفقير، الذي عين في هذا المنصب مباشرة بعد المحاولة الانقلابية الأولى، حيث تشير إلى رغبة الجنرال في نهجه سياسة تكون قائمة على تفضيله المعسكر الغربي بزعامة أمريكا على المعسكر الشرقي.

 

تأكيد أوفقير على ولاء المغرب للولايات المتحدة الأمريكية

يستهل السفير الأمريكي هذه الرسالة بالإشارة إلى أن التغيرات الكبيرة التي حصلت في المغرب، وكذلك التغيرات الممكنة، قد تؤثر في حاجيات القيادة العسكرية المغربية من أسلحة ومعدات حربية.واستند في ذلك على تقرير قدمه الكولونيل أمقران قائد القاعدة العسكرية بالقنيطرة، للقائد “MUSLO” “موسلو” المستشار السياسي في الشؤون العسكرية لدى السفارة الأمريكية بالرباط. وهو تقرير حول المحادثات التي أجراها أمقران مع وزير الدفاع أوفقير يوم 10 غشت 1971. وقد أكد أمقران للخبير الأمريكي “موسلو” بأنه تم تكليفه من طرف أوفقير بالاتصال به، لغرض تحديد ماذا يمكن أن تقدم الولايات المتحدة الأمريكية للمغرب.

وتشير الوثيقة إلى أنه قد سبق لأوفقير أن أكد أن المغرب مناهض للشيوعية، ولا يريد أن يعتمد على الاتحاد السوفياتي، كما أنه لا يريده أن يكون حاضرا في البحر الأبيض المتوسط، وأن أوفقير يريد للمغرب أن يندمج في الدفاع عن المعسكر الغربي. وفقا لأمقران دائما، ويريد كذلك أن يلعب المغرب نفس اللعبة مع الولايات المتحدة، كالتي لعبتها الجزائر مع الاتحاد السوفياتي، حيث منح هذا الأخير للجزائر العديد من المعدات والآلات العسكرية السوفياتية.

وتشير الوثيقة إلى أن أوفقير بدأ التقرير الذي سلمه أمقران إلى “MUSLO” بالقول “نحن دوما وسنظل بلدا مع المعسكر الغربي، ويجب أن يكون هناك استقرار، وبالتعاون مع الولايات المتحدة من أجل تطوير بلدنا“. يأتي هذا الوعد أو الضمانة من أوفقير، بعدما كان الحسن الثاني قد بدأ منذ أواسط الستينيات ينحاز إلى المعسكر الشرقي، ويستقبل مساعداته. وهو الأمر الذي أدخل الريبة في قلوب الأمريكان من إمكانية انقلاب المغرب عليهم، وموالاة الاتحاد السوفياتي. وقد عثرنا على رسالة للجنرال المذبوح يعود تاريخها إلى سنة 1969 “سنعود لنشرها في عدد لاحق” أرسلها إلى نظرائه الأمريكان يؤكد من خلالها أن المغرب سيعمل على خلق توازن بين المعسكر الغربي والشرقي.

 

أمقران يؤكد على صلاحيات أوفقير الواسعة

 

oufkir doc 2تشير الوثيقة بأن أمقران أكد بأن أوفقير أراد من “Muslo” أن يقوم بإجراء دراسة كاملة على صعيد جميع مكونات الجيش المغربي بصفة عامة. وبالموازاة مع ذلك، قام بإلغاء جميع أولويات المشتريات في كل ما يخص الجيش المغربي، التي كان المغرب يقتنيها من الاتحاد السوفياتي. كما قام بتأجيل رحلة الوفد المغربي إلى الولايات المتحدة الأمريكية. ونقل عن أوفقير أيضا قوله بأنه “سيرحب بالوجود العسكري الأمريكي في المغرب، وأنه يريد فريقا استشاريا كبيرا من الخبراء العسكريين مثل الخبراء الأمريكان الموجودين في إيران”.

وتشير الوثيقة إلى أن أمقران عندما سأله “موسلو” هل أخذ أوفقير موافقة الملك على هذه الخطوة، أكد أمقران لنظيره الأمريكي أن الملك أوعز لأوفقير بأن يقوم بتطوير وتجديد القوات المسلحة الملكية. كما أعطاه سلطات كاملة لذلك، حتى ورد في الوثيقة بأن أمقران قال إن الملك أعطاه “بطاقة بيضاء” لاتخاذ القرارات وتنفيذها، كما أبلغ أمقران المستشار “Muslo” بأنه مدعو إلى اجتماع مع أوفقير خلال 72 ساعة، وتشير الوثيقة إلى أن الأمريكان كانوا لا يعرفون تفاصيل هذا الاجتماع.

 

محاولة أوفقير التقرب من أمريكا

وفي وقت لاحق، وبعد سبعة أيام من الانتظار، استُقبل MUSLO من طرف أوفقير، وكان الأول مرفقا بالمستشار السياسي لدى السفارة الأمريكية بالرباط. ودام الاجتماع فترة طويلة أثناء وبعد تناول الغداء يوم 18 غشت. وأوضح أوفقير بأن الحكومة المغربية تعتزم العمل على مراجعة ميزانية الجيش الملكي وأولياته. مؤكدا أنها سوف تبذل قصارى جهدها لمزيد من التعاون الوثيق، والتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية.

وتشير الوثيقة إلى أن أوفقير أراد أن يبين عن حسن نواياه تجاه الأمريكان، بعدما وافق على نصيحتهم بخصوص ميزانية الجيش الملكي. وإن ما طالب به خلال هذا الاجتماع، هو أن مهمة القوات المسلحة الملكية المغربية الرئيسية ينبغي أن تكون لها أهداف دفاعية محضة، عكس ما كان يروج له قبل المحاولة الانقلابية الأولى. مؤكدا في الوقت ذاته أن المغرب على سبيل المثال، لا يريد “مدرسة لرواد الفضاء“، ولكنه يريد بدلا من ذلك مساعدات يمكن استخدامها للعمل المدني. كما طمأن الأمريكان بمدى نجاعة سياسته القاضية بالتقرب من المعسكر الغربي، حيث نقل عنه قوله “إذا استولى الملك على القيادة العليا للجيش الملكي فسأبقى متحكما فيها“. وفي هذا التصريح رموز التحدي لسلطات الملك وقوة الجنرال.

 

أوفقير معارض لسياسة الحسن الثاني

 

وقد أكد خلال هذا الاجتماع، على رغبته في توثيق العلاقات الودية مع الحكومة الأمريكية، كما أكد بأنه في رأيه أن منظمة دول عدم الانحياز ليست ذات سياسة واقعية، وذلك في عالم تسيطر عليه قوتان عظيمتان، رغم الأفكار السائدة في كثير من البلدان النامية. وأعرب عن اعتقاده بأنه من الضروري أن يكون المرء في جانب واحدة من هذه القوى العظمى، وهو الأمر الذي كان يعارضه الحسن الثاني، حيث كان المغرب من ركائز دول عدم الانحياز.

كما حاول أن يغازل الأمريكان بأن أثار معهم قضية القواعد الأمريكية بالمغرب، حيث لمح إلى إمكانية حاجة الأمريكان إليها في وقت الأزمات، وفي هذا ضوء أخضر لرغبته في استمرار القواعد الأمريكية بالمغرب. وفي ما يتعلق بالقاعدة الأمريكية الموجودة بالقنيطرة، فقد قال أوفقير لمخاطبه بصريح العبارة “طالما أنا هنا، فلن تكون لديك مخاوف بشأن القواعد الأمريكية الموجودة على التراب المغربي”.وهذا مخالف لسياسة الملك الحسن الثاني الذي كان يعبر عن رغبته في التخلص من القواعد الأمريكية.

وفي المقابل، فقد أكد أنه في رأيه الشخصي، فإنه ينبغي على المغرب أن يكون عضوا في منظمتين اثنتين فقط من المنظمات الدولية، وهما: منظمة الأمم المتحدة بوصفه عضوا في المجتمع الدولي، ومنظمة الوحدة الإفريقية لتسهيل العلاقات مع الدول الإفريقية. وأضاف بأسف كبير بأنه من وجهة نظر السياسي المغربي أن يبقى المغرب عضوا في جامعة الدول العربية.

أما عن المغرب ووضعه الإقليمي، فقد أكد أوفقير أن المغرب جزء من العالم الحر، وأكد على ضرورة حماية وحدة أراضيه. وشدد على أهميته الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، خصوصا، وأنه يقع في حوض البحر الأبيض المتوسط. ولهذا الموقع أهمية كبيرة في الصراع بين المعسكر الغربي والشرقي. ولم يلبث يشدد على أهمية المغرب بالنسبة لأمريكا والعالم الرأسمالي في البحر الأبيض المتوسط، حتى قرأ أمام نظيره الأمريكي رسالة تلقاها أثناء الغداء، مضمونها وجود طرادات وسفن حربية سوفياتية راسية قبالة سواحل الحسيمة. وشدد على حاجة المغرب إلى وجود دورية للاستطلاع والاتصالات.

 

شك أمريكا في ولاء أوفقير للحسن الثاني

يختم السفير الأمريكي الوثيقة بتعليق على أوفقير بعبارة “نحن لا نعرف كم مرة تحدث أوفقير عن الملك“. وتساءل صاحب الرسالة عن مدى حرية أوفقير في تحركاته وتصريحاته. كما أن تصريحاته تدل على أن النظام المغربي سيسعى جاهدا للتقرب من أمريكا، خصوصا بعد المحاولة الانقلابية الأولى في 18 يونيو 1971. ويرى صاحب الرسالة، أنه رغم ذلك يجب على أمريكا أن تكون حذرة في التعامل مع هذا العرض على الرغم من أهميته، لأن أوفقير ليس الرجل الأكثر شعبية في المغرب ككل بل الأكثر دموية.

ومرت سنة بالضبط، وقام أوفقير بمحاولته الانقلابية الفاشلة، والتي سميت عملية “بوراق ف 5″، وقد تبين أن أمريكا كانت مشاركة فيها. ويمكن لحد الآن اعتبار أن هذا اللقاء والضمانات التي قدمها أوفقير للأمريكان بمثابة المبتدأ والخبر في بداية تنسيق ودعم أمريكا له في محاولته الانقلابية، والتي انتهت بالفشل بطبيعة الحال، وطبقت عليه المقولة المأثورة: “خيبات الآمال المحبطة تخرج من الآمال الكبرى”.

واستمرت العلاقات المغربية الأمريكية، وهذا هو حال أمريكا، شعارها صريح وواضح دون نفاق: “ليس هناك صديق دائم ولكن هناك مصالح دائمة”.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!